تسببّت قلة النظافة في العصور الوسطى في انتشار كثير من الأمراض بين كل الطبقات، وكان هذا سبب انتشار الأمراض المعدية، مثل الطاعون. ذلك الموت الأسود الذي قضى على 200 مليون شخص حول العالم، في هذا الجزء من التاريخ لم نكن نعرف أن الجراثيم هي المسببة للأمراض، وحينها خرجت الكنيسة بتفسير لنتيجة لا علاقة لها بالسبب وهو أن المرض عقاب إلهي على الحياة الآثمة، لكن ذلك لم يُفسر مثلًا سبب ارتفاع وفيات المواليد حينها، فأي ذنب اقترفوه هؤلاء الصغار؟ حتى اكتشف العالم أن المرض ما هو إلا نتيجة جرثومية المرض، لا أكثر ولا أقل.

من أين يأتي المرض؟

نبدأ من 460 عامًا قبل ميلاد السيد المسيح، كانت فكرة اعتلال الجسد عند قدماء المصريين والإغريق والهنود تتلخص في اختلال توازن العناصر التي يتكون منها الجسد، وهي الدم، والبلغم، والصفراء. وكان يُعتقد حينها أيضًا أن المرض هو عقاب من الله، فيجعل الشيطان يسكن الجسد البشري. وفي العصور الوسطى اعتقد الناس في فرضية تسمى «الميازما» وهي أن الأمراض مثل الملاريا والكوليرا تنشأ بسبب سحابة من الهواء الفاسد، وظل هذا الاعتقاد ساريًا لمدة عدة قرون من الزمن سواء بين العامة أو ممارسي الطب.

Embed from Getty Images

ثم تطورت فكرتنا عن المرض قليلًا في الفترة بين روما القديمة، وعصر النهضة؛ ففي عام 1546 ميلاديًا، خرج الطبيب الإيطالي جيرولامو فراكاستورو بفكرة «عدوى المرض» أي انتقاله من شخصٍ لآخر من خلال الأدوات، أو السوائل، أو الاحتكاك المباشر بالشخص المصاب. وقد اخترع الباحث الهولندي أنتوني فان ليفنهوك أول ميكروسكوب بسيط، واستطاع رؤية جسيمات صغيرةعام 1673 ميلاديًا في حبيبات الماء التي يفحصها، لكنه لم يربطها بالمرض، بعدها لاحظ العلماء وجود جسميات في دماء الأشخاص المريضة، لكنهم اعتقدوا حينها أنها نتيجة للمرض وليست سببًا.

كيف تطورت نظرتنا للمرض؟

المرض مُسبب.. وليس مسًّا شيطانيًّا

معظم الأمراض تسببها جرثومة أو فيروس، فكرة تبدو بديهية، لكن مهلًا هذه الفكرة، أي الوجود الفيزيائي لجسيم لم تكن معروفة حتى القرن التاسع عشر، حينها بدأت في الانتشار في أمريكا وأوروبا، وهذه النظرية مهدت لها عدت خطوات سابقة.

بدأ الأمر بالتشكك؛ فقد حاول علماء مثل الطبيب الإنجليزي جون سنو التحقق من «فرضية الميازما»، التي كانت مسيطرة حتى منتصف القرن التاسع عشر، والتي لم يكن مقتنعًا بها، وكان ذلك أثناء اجتياح الكوليرا في عام 1854 لشارع برود في منطقة سوهو في لندن، والتي قتلت 616 شخصًا. وقد بحث جون سنو عن سبب تفشي الكوليرا، وخرج بأن السبب هو الماء المسمم، وذلك لملاحظته أن المرضى يعانون من نوبات قيء شديدة، وإسهال، كما لاحظ تجمع الوفيات حول مضخة مياه، مما عارض فرضية الهواء الفاسد كما تقول الميازما، لكنه بالرغم من أنه لم يعرف أن المرض تسببه جسميات دقيقة؛ إلا أنه أقنع المجلس المحلي بإيقاف المضخة، وكان له الفضل في توقف تفشي الكوليرا في شارع برود.

ثم جاء لويس باستور.. وتغيّر وجه الطب

ندين للويس باستور بالفضل كثيرًا ولا زلنا حتى الآن نستفيد من ثورية نظرياته؛ فالعالم الفرنسي هو أول من أثبت أن الجراثيم هي ما تُمرضنا، وهو أول من أثبت نظرية جرثومية المرض وذلك عام 1860. وتعد هذه النظرية هي الاثبات العلمي لفرضية جيرولامو عن عدوى المرض، فنظرية جرثومية المرض تقول إن الأمراض المُعدية تنشأ عندما تصيب الجسيمات الدقيقة الأجساد الحية.

كذلك نصح باستور بطرق لقتل الجراثيم، وحمايتنا منها، وسميت عملية البسترة باسمه، فالجسيمات الصغيرة لا تسبب المرض فقط، لكنها تسبب أيضًا تخمر الأغذية، وتعفنها. واكتشف أيضًا أن تسخين النبيذ، والبيرة يمنعها من التحول لحامض، وهذه العملية ليست عملية تعقيم كاملة، لكنها تقلل من الجراثيم وتجعلها تتضاءل، ويحسن حالة المشروبات. باستور لم ينته دوره عند هذا الحد، لكنه شعر بمسئولية لكي يطور مصل ضد الأمراض.

ثم عرفنا أن لكل مرض جرثومة خاصة

ثم اكتشف روبرت كوخ أن كل مرض تسببه بكتيريا خاصة به، وذلك عندما استطاع صبغ البكتيريا، وتركها لتنمو في «طبق بتري» (وهو الطبق الشفاف الذي يستخدمه طلبة الكليات العلمية في المعامل حتى الآن). وتضمنت اكتشافاته البكتيريا الخاصة بأمراض الجمرة الخبيثة عام 1876، وتسمم الدم عام 1878، والدرن الرئوي عام 1882، والكوليرا عام 1883.

Embed from Getty Images

وأوضح روبرت كوخ أن لا بد من توافر أربع خطوات لمعرفة أن هذه البكتيريا بعينها تسبب هذا المرض: أولًا أن تتواجد هذه الأحياء الدقيقة بوفرة في الكائنات التي تعتل صحتها، ثانيًا أن نقوم بعزل الجرثومة المسببة للمرض من الجسم المريض، ثالثًا زرعها لعمل مزرعة، ومن ثم عزل هذه الجسيمات التي عُزلت في مزرعة وتقديمها ثانيةً لجسم صحيح، وتسبب اعتلاله، رابعًا وأخيرًا، عزل الجسيم ثانيةً من المضيف المعتل، ويتم فحصه فيكون مثيل للجرثومة المسببة للمرض.

كيف أثرت نظرية جرثومية المرض على حياتنا بالكامل؟

عندما عرفنا سبب المرض، عرفنا طرق علاجه، وتغيرت طريقة رؤيتنا للجسد البشري؛ عرفنا أن غسل اليدين سيكافح الأمراض المعدية، وسيخلصنا المطهر من الجراثيم، وهو ما قاد للقضاء على كثير من الأوبئة المتفشية، وتحسين مستوى النظافة لدى البشر.

وتجدر الإشارة إلى أن أفكار روبرت كوخ، وباستور هي ما جعلت الممرضة الإنجليزية فلورنسا نايتنجل تخرج بأفكار في 1860 عن أن النظافة ترفع كفاءة الرعاية الصحية للمرضى. ثم ابتكر الجراح جوزيف ليستر في 1867 فكرة تعقيم غرف العمليات الجراحية بالمواد الكيميائية، بناءً على نظرية باستور. فقبل المطهرات كانت البشر تموت عادة بعد الجراحة والولادة، ما أدى إلى انخفاض معدل الوفيات. ثم جاء الطبيب ويليام ستيورات هالستد في 1890 بفكرة الحماية من الجراثيم باختراع القفازات الطبية أثناء الجراحة.

قادت هذه النظرية أيضًا إلى صنع منتجات النظافة الشخصية، والذي قاد بدوره تقليل انتشار أمراض حمى الصفراء، وحمى الضنك، ومرض النوم الإفريقي. ومنذ القرن التاسع عشر استُخدمت الأمصال التي قللت نسب الوفيات جراء الأمراض المعدية، وهو ما انعكس على الصحة العامة للمجتمع ككل، كان ذلك كله عندما تشكك شخص واحد في فرضية يعتقد بها الجموع وسار منفردًا ليقتنعوا بنظريته في النهاية.

صحة

منذ 7 شهور
ربما لن تخطر على بالك.. 10 من أغرب الأماكن التي تتواجد فيها البكتيريا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد