في ثمانينيات القرن الماضي، دخل مئات العمال في مصنع للسفن والغواصات في ألمانيا إضرابًا مفتوحًا لتحدي قرار مستشار ألمانيا، هيلموت كول، برفض تصدير غواصات عسكرية لديكتاتور شيلي السابق أوجوستو بينوشيه، خوفًا على مستقبلهم وأجورهم.

أثار هذا الخلاف جدلًا كبيرًا مفاده «هل تصدر ألمانيا السلاح لأنظمة ديكتاتورية أو أنظمة تشارك في حروب؟»، وكان مقدمة لصراع المبادئ والمصالح في قرارات تصدير الأسلحة الألمانية حتى اليوم.

هذا الخلاف كان دليلًا واضحًا على علاقة الألمان المعقدة مع الأسلحة والحروب. ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية، كان الاتجاه السائد يرفض بشكل قاطع تصدير الأسلحة الألمانية أو بيعها للخارج، نتيجة للإرث الصعب للحرب وخسائرها البشرية والمادية الكبيرة التي خلقت رأيًا عامًّا رافضًا للتسلح أو التسبب في حروب جديدة. ومع إعادة تأسيس الجيش الألماني في 1955، أنتجت الشركات الألمانية أسلحة محلية مثل الدبابات والأسلحة الصغيرة (البنادق والمسدسات)، أثارت اهتمام الدول الأخرى، وبدأت عجلة تصدير الأسلحة في الدوران.

دولي

منذ 5 شهور
رد شعبي ألماني قوي ضد «نبع السلام».. ما الأسباب السياسية والتاريخية وراء ذلك؟

وخلال الأيام الماضية، عاد الجدل حول تصدير الأسلحة الألمانية للواجهة مجددًا، مع توقيع سياسيين بارزين، أبرزهم عضو البرلمان الألماني، جيم أوزدمير، خطابًا مفتوحًا يطالب الحكومة بحظر تصدير السلاح لتركيا، على خلفية تدخلها في شمال سوريا في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، مستندًا لسياسة ألمانيا المتمثلة في رفض استخدام أسلحة ألمانية في الحروب.

يموت شخص كل 14 دقيقة بسلاح ألماني حول العالم

تعد الأسلحة الصغيرة (غير الثقيلة مثل البنادق الآلية) أسلحة الدمار الشامل في القرن الواحد والعشرين؛ إذ يُقتل 95 من كل 100 من ضحايا الحروب بسلاح صغير. وتعد ألمانيا واحدة من أكبر مصنعي ومصدري الأسلحة الصغيرة والذخائر في العالم. وكل 14 دقيقة، يقتل شخص حول العالم بواسطة سلاح من صناعة الشركات الألمانية الرائدة في صناعة المسدسات والبنادق، كما وصلت أسلحة من طراز «هيكلر» و«كوخ جي 3» إلى أيدي تنظيمات متطرفة، مثل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، في الآونة الأخيرة.

الأسلحة الألمانية من طراز هيكلر و كوخ جي 3

الأسلحة الألمانية من طراز «هيكلر» و«كوخ جي 3»

وفي الأعوام الماضية، صدرت الشركات الألمانية 10 مليون قطعة من البنادق الهجومية «هيكلر» و«كوخ جي 3» إلى 80 دولة حول العالم، ولا يتفوق على هذه الأسلحة الألمانية سوى بنادق الكلاشينكوف الروسية.

وبالإضافة لـ«هيكلر» و«كوخ»، تصنع شركات ألمانية مثل «راين ميتال»، و«فالتر»، و«سيغ زاور»، و«كراوس فاغمان» أسلحة وذخائر تنتشر في كل مكان في العالم. وبصفة عامة، يقدر خبراء عمر الأسلحة الصغيرة ألمانية الصناعة بـ50 عامًا. 

وفيما يتعلق بالأسلحة الثقيلة، فإن شركة «كراوس فيغمان» تشتهر بتصنيع الدبابة «ليوبارد» التي تلاقي رواجًا كبيرًا حول العالم، وتملكها دول عدة مثل تركيا، وسلطنة عمان، والنمسا، وهولندا، والدنمارك. 

وأنتجت الشركة طرازين من هذه الدبابة هما «ليوبارد 1» (عام 1963)، و«ليوبارد 2» (1979). وتستخدم الدبابة دفعًا رئيسيًّا من «النوع L55» وتتميز بوجود محرك احتياطي وحماية متطورة ضد الألغام، ونظام داخلي لتكييف الهواء. وتعد تركيا الأكثر امتلاكًا لها بـ354 دبابة، ثم إسبانيا بـ327 دبابة.

كذلك تشتهر ألمانيا بتصنيع الغواصات العسكرية من طراز «212CD»، التي تعمل بسرعة فائقة، وتستطيع البقاء تحت سطح الماء لمدة ثلاثة أسابيع. وتمتلك إيطاليا وألمانيا والنرويج غواصات من هذا النوع في أسطولهما البحري.

هذه المبادئ والقوانين تحكم تصدير الأسلحة الألمانية..

بسبب تاريخ ألمانيا المعقد مع الحروب والعتاد العسكري، قنن الدستور والقانون كيفية التعاطي مع مسألة حيازة الأسلحة وتصديرها. ونص الدستور صراحة على أنه «لا يجوز إنتاج الأسلحة أو دعمها أو تصديرها أو الترويج لها إلا بترخيص من الحكومة».

وجاء قانون مراقبة أسلحة الحروب الصادر في 1961م ليؤكد ما ورد في الدستور؛ فقد نص على أن «من يريد بيع الأسلحة للخارج يجب أن يحصل على ترخيص من الحكومة». وأضاف القانون «أما إنتاج الأسلحة النووية، والبيولوجية، والكيميائية، والألغام، والذخائر العنقودية فهو ممنوع في ألمانيا».

ووفق تقرير لإذاعة صوت ألمانيا «دويتشه فيله» نشر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، فإن شركات الأسلحة الألمانية مطالبة بالحصول على ترخيص من الحكومة قبل تصدير أي أسلحة للخارج. وفي هذه الحالة، تعقد لجنة برئاسة مستشار البلاد جلسات سرية لفحص طلبات الشركات، والموافقة عليها من عدمه. وتضم اللجنة وزراء الخارجية، والداخلية، والعدل، والمالية، والتعاون الدولي.

ولا يجوز للبرلمان ممارسة أي تأثير مباشر في عملية دراسة طلبات تصدير الأسلحة. ولا يجوز للمعارضة التدخل أو المشاركة، ويمكنها فقط العمل على تغيير القوانين والمبادئ الحاكمة للعملية برمتها في حال وصولها للسلطة مستقبلًا، وفق التقرير ذاته.

وفي عام 2000، حددت حكومة المستشار السابق جيرهار شرودر معايير أخلاقية لفحص طلبات تصدير الأسلحة، وهي هل هناك نزاع مسلح في البلد المستقبل للسلاح؟ هل البلد متورط في حرب خارجية؟ هل يمكن استخدام الأسلحة الألمانية لقمع أقلية، أو انتهاك حقوق الإنسان؟ وفي حال كانت إجابة أي من هذه الأسئلة بنعم، فإن فرص الموافقة على تصدير السلاح تكون ضعيفة جدًّا.

ونقلت «دويتشه فيله» عن بيتر فيزمان خبير التسلح في معهد بحوث السلم السويدي، قوله إن «مقارنة بمصدري الأسلحة الكبار في العالم، تتوفر في ألمانيا القوانين الأكثر تشددًا».

وفي مارس (آذار) 2018، تعهد الائتلاف الحاكم حاليًا، بزعامة أنجيلا ميركل، بالالتزام بالمبادئ التي وضعتها حكومة شرودر، ما يعني أنه يلتزم بحظر تصدير الأسلحة إلى دول تنتهك حقوق الإنسان بشكل ممنهج، أو تشارك في حروب خارجية.

وقال خبير شؤون التسلح، كريستيان مولنغ، في تصريحات صحافية عام 2012 إن «المبادئ التي وضعها شرودر غير ملزمة قانونًا، لكنها ملزمة سياسيًّا»، مضيفًا أنها «تعطي أيضًا حرية أخذ معايير أخرى في الاعتبار، والأمر يتعلق هنا بأسئلة من قبيل: هل للحكومة الألمانية مصلحة في تزويد بلد ما بالأسلحة، أو هناك مصلحة في دعم بلد معين لأنه قدم خدمات لألمانيا من قبل؟».

رفض شعبي لإشعال الحروب بأسلحة ألمانية.. ولكن!

بصفة عامة، يعارض أغلبية كبيرة من الألمان تصدير الأسلحة للدول التي تشن حروبًا، وخاصة دول التحالف العربي في اليمن، ما يدعم المبادئ المستقرة في السياسة الألمانية حيال تصدير الأسلحة (مبادئ شرودر).

ووفق استطلاع أعدته مؤسسة «كانتار» لقياس الرأي العام، لصالح «منظمة السلام الأخضر»، ونشر في يونيو (حزيران) الماضي، فإن 81% من الألمان يرفضون تصدير الأسلحة الألمانية للأطراف المتحاربة في اليمن على سبيل المثال. ويرفض 76% من الألمان تصدير الأسلحة الألمانية للدول الأوروبية؛ لأنها تقوم بدورها بتصديره لدول تشارك في حروب حول العالم.

وأظهر الاستطلاع أيضًا رغبة واضحة للألمان في معرفة ملابسات تصدير الأسلحة التي تنتجها بلادهم، إذ طالب 76% من المشاركين في الاستطلاع الحكومة الألمانية بالشفافية ونشر كل التفاصيل السرية المتعلقة بتصدير الأسلحة الألمانية، فيما وافق 20%؜ فقط على إبقاء تفاصيل الصفقات سرية، وقال 4% إنهم لا يملكون رأيًا في هذا الإطار.

بدوره، قال رئيس «منظمة السلام الأخضر» في ألمانيا، توماس بروير في تصريحات صحافية في يونيو الماضي إنه «من غير المقبول سياسيًّا واخلاقيًّا أن تستعمل السعودية، ومصر، والإمارات سلاحًّا ألمانيًّا لإشعال الحرب في اليمن». وتابع «يجب أن تفرض الحكومة حظرًا على تصدير السلاح لكل الدول المشاركة في حرب اليمن».

«المصالح تتصالح».. الأسلحة الألمانية لدى دول تنتهك حقوق الإنسان

لكن الأمر لم يسر بهذا الشكل الأخلاقي، وحدثت الكثير من الاستثناءات مؤخرًا، استنادًا لمبررات عدة بينها «مراعاة المصالح الخارجية لألمانيا»، و«دعم العلاقات مع شريك استراتيجي مهم»، و«دعم الاستقرار»، بغض النظر عن انتهاكات حقوق الإنسان أو الحروب في الدول المستقبلة للأسلحة الألمانية. 

واستنادًا لهذه المبررات، حصلت المملكة العربية السعودية خلال الأعوام الماضية على زوارق بحرية وأجهزة رادار ومقاتلات من نوع «يوروفايتر» من ألمانيا، رغم التحفظات الألمانية على ملف حقوق الإنسان في المملكة ومشاركة الرياض في حرب اليمن.

ولا يتوقف الأمر على المملكة العربية السعودية فقط، فقد باعت برلين خلال الأعوام الماضية، أسلحة لدول عدة تشهد انتهاكات لحقوق الإنسان مثل مصر، والجزائر، وكولومبيا، ونزاعات داخلية مثل نيجيريا. واستخدمت تركيا أسلحة ألمانية مثل الدبابة «ليوبارد» خلال تدخلها العسكري، في عفرين شمالي سوريا.

وفي مارس 2018، أعلنت وزارة الاقتصاد الألمانية أن الحكومة وافقت على تزويد تركيا بأسلحة قيمتها 4.4 مليون يورو، خلال الخمسة أسابيع الأولى من عملية «غصن الزيتون» التي شنتها تركيا في أوائل 2018، ضد وحدات حماية الشعب الكردية في عفرين السورية.

وبذلك، فإن قيمة صادرات ألمانيا من الأسلحة لتركيا في خمسة أسابيع من العملية العسكرية في عفرين، يفوق ما صدرته لها في الفترة نفسها في 2017 (3.6 مليون يورو)، رغم تعهد الحكومة الألمانية بعدم تصدير أي أسلحة لأنقرة احتجاجًا على تحركها العسكري في سوريا.

وخلال عام 2019، صدرت ألمانيا أسلحة بقيمة 212 مليون يورو لقطر، رغم مطالبات بوقف تصدير السلاح للدوحة بسبب نظامها غير الديمقراطي وانتهاكها حقوق العمال في منشآت كأس العالم 2022 ودعمها حركات الإسلام السياسي غير الديمقراطية.

وفي هذا الإطار، نقلت «دويتشه فيله» عن الكاتب الألماني المتخصص في شؤون التسلح، أندري فاينشتاين قوله: «ألمانيا تتبع قوانين متشددة حيال تصدير السلاح فقط عندما يلائمها ذلك»، مضيفًا «الحكومة الألمانية تغض الطرف في كثير من الحالات عن هذه القوانين لاعتبارات سياسية».

2019.. الأسلحة الألمانية تجوب العالم وتذكي نار الحروب

شهدت صادرات الأسلحة الألمانية طفرة كبيرة في النصف الأول من العام الجاري؛ إذ بلغ حجم الصادرات في هذه الفترة 5.3 مليار يورو، ما يفوق حجم صادرات السلاح في عام 2018 برمته (بلغت 4.8 مليار يورو).

وجاءت المجر في المركز الأول بين مستوردي الأسلحة الألمانية في 2019، إذ اشترت أسلحة من ألمانيا بـ1.76 مليار يورو، رغم تحفظات ألمانيا على سياسة رئيس الوزراء الشعبوي المعادي للاجئين فيكتور أوربان.

ومن الدول العربية، اشترت مصر سلاحًا ألمانيًّا بقيمة 801.8 مليون يورو في الفترة نفسها، والإمارات بـ206.1 مليون يورو، رغم مشاركة الدولتين في حرب اليمن التي تلاقي رفضًا سياسيًّا وشعبيًّا واسعًا في ألمانيا.

وتشمل قائمة الدول المستوردة للسلاح الألماني في الفترة ذاتها دولًا أخرى ترتكب انتهاكات لحقوق الإنسان مثل الجزائر، والهند، وإسرائيل، وإندونيسيا. 

ولاقى تصدير الأسلحة بكثافة في 2019 انتقادات كبيرة في ألمانيا، وفي داخل الائتلاف الحاكم نفسه؛ إذ انتقد السياسي البارز بـ«الحزب الاشتراكي الديمقراطي»، توماس هيتشلر، تصدير معدات عسكرية لدول تشارك في حرب اليمن.

وقالت النائبة البرلمانية عن «حزب الخضر»، كاتا كويل في تصريحات صحفية في سبتمبر (أيلول) الماضي إن «تصدير أسلحة للهند يمكن أن يفاقم الأزمة الحالية بينها وبين باكستان، ويتناقض مع سياسة ألمانية المتمثلة في عدم توريد السلاح لمناطق الأزمات».

ومن ثم، فإن ألمانيا لم تلتزم على طول الخط بمبادئها التي ترفض تصدير السلاح لدول تنتهك حقوق الإنسان أو تشارك في حروب، ولم تراع في حالات كثيرة، الرفض الشعبي الواسع لتصدير السلاح لهذه الدول، وكانت للغة المصالح اليد العليا في إبرام عقود مع تركيا، والإمارات، والهند، وإسرائيل، ومصر، وغيرها، فـ«المصالح تحكم» في كثير من الأحيان!

عربي

منذ 6 شهور
مترجم: الحوثيون لديهم صواريخ قادرة على إغراق سفينة حربية.. كيف حصلوا عليها؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد