إنّ سياسات الهجرة الى الولايات المتحدة الأمريكيةكانت دائما محلّ نقاش محتدم. فإذا كانت هجرة أصحاب الكفاءات المتدنية محاطة بكثير من الجدل فإنّ سياسة هجرة الكفاءات العالية   لم تنأ عن ذلك.

احدى أهمّ الافكار المؤيّدة لهجرة أصحاب الكفاءات العالية تكمن في أنّها تدفع بالتّطوير والبحث في مجالات العلوم إلى الأمام، ولكن لم يتمّ إثبات هذه الفكرة بشكل علمي ومدروس يحسم الجدل نهائيا.

بناءً على ذلك، وفي محاولة لدراسة ما إذا كانت سياسات هجرة أصحاب الكفاءات العالية إلى  الولايات المتحدة الأمريكية قد أثّرت إيجابا على مسيرة البحث العلمي فيها، تمّ إنجاز بحث في جامعة ستانفورد  يقدّم دليلا جديدا حول هذه الفكرة. و قد ركّز على حجم المساهمة التي قدّمها العلماء الألمان من أصول يهودية – الذين فرّوا من الحكم النازي بعد عام ١٩٣٣ – في البحث العلمي في الولايات المتحدة، خاصة في مجال الكيمياء.

بالنّظر إلى الاعتبارات التاريخية، يمكن القول أنّ هجرة هؤلاء العلماء أدّت الي حدوث ثورة في مجال البحث العلمي، فعلى سبيل المثال، فيزيائيون أمثال ليو زتسيلارد، ادوارد تيلر، جون فون نويمان و رفقاؤهم، كانوا هم نواة ما يعرف بمشروع (منهاتن)، الذي كانت القنبلة الذرية نتاجا لعمله. وفي مجال الكيمياء، نجد اوتو مييرهوف (الحائز على جائزة نوبل عام ١٩٢٢)،  اوتو شترن (جائزة نوبل عام ١٩٤٣) واوتو لويفي (جائزة نوبل عام ١٩٣٦) الذين كان لإسهاماتهم العلميّة  دور كبير –على حسب الكتّاب- في نقل الولايات المتحدة الى الرّيادة في مجال الكيمياء.

ولكن هناك أيضا مواقف أخرى تزعم أنّ مجهودات هؤلاء العلماء كانت مُحجّمة بسياسات معاداة السامية والعقبات الإدارية، الأمر الذي يعني أنّ مشاركتهم في مجال الأبحاث لم تكن كبيرة، حيث واجهوا لدى وصولهم إلى الولايات المتحدة موجة جديدة من التّمييز، عرقلت إمكانية ايجادهم أماكن عمل مناسبة.

في هذا البحث، يتم تقديم بيانات وتحاليل تجريبية – أي أنّها مبنيّة على الملاحظة فقط ولا يوجد إثباتات تامّة لها –  عن كيفيّة مساهمة هؤلاء العلماء في مجالات البحث العلمي. ويتم البحث عن طريق ملاحظة حجم أوراق براءات الاختراع المقدّمة في مجال الكيمياء في تلك الفترة، حيث أنّها – أي براءات الاختراع في الكيمياء – تعتبر كمعيار يمكن الوثوق به نتيجة لطبيعتها الاستثنائية من حيث وفرة الأعمال المسجّلة، وأنّها خاضعة للحماية التّامة تحت المظلّة القانونية لحماية براءات  الاختراع. وهذا على عكس مساهمات العلماء في مجال الفيزياء، التي لم تكن تُصنّف بشكل دائم، ونادرا ما كانت تُسجّل في مكاتب براءات الاختراع.

ويتكوّن البحث من جزأين:

يتمّ في الجزء الأوّل  التركيز على المقارنة  بين حجم التّغييرالواقع في تسجيل براءات الاختراع في الولايات المتحدة الأمريكية في مجالات البحث التي كان يعمل بها الكيميائيون الألمان من اليهود، وبين    تلك التي كان يعمل بها الكيميائيون الألمان من غير اليهود، و جدير بالذّكر أنّ الكيميائيين الألمان كانوا من روّاد علوم الكيمياء بشكل عام في بدايات القرن العشرين.

وقد تمّت المقارنة على مستوى  ١٦٦ مجالا بحثيّا مسجّلا بمكتب تسجيل براءات الاختراع  بالولايات المتحدة الأمريكية، ويذكر أنه كان بها على الأقلّ تسجيل واحد باسم كيميائي ألماني أو نمساوي ما بين عام ١٩٢٠ وعام ١٩٧٠. وكانت النتيجة أن قُدّر حجم الزيادة في براءات الاختراع – أي مساهمة هؤلاء العلماء – بنسبة مبدئيّة ٣١ بالمئة بعد العام ١٩٣٣.

ولكن يرى الباحثون أيضا أنّ هذه النسبة من الممكن أن تكون غير صحيحة لأسباب عديدة، منها أنّ هذه الزّيادة قد تكون  نتيجة مساهمات كيميائيين آخرين  من غير الألمان  يعملون في نفس مجالات البحث. وعليه، كان من الضروريّ التّأكّد من صحّة هذه النّتيجة بوسائل أخرى.

ونظرا لاعتبارات تاريخية أخرى، نجد أن الولايات المتّحدة لم تكن الملجأ الأول لهؤلاء الكيميائيين، حيث أنّ بريطانيا كانت تحتلّ هذا المركز بسبب تشابهها مع ألمانيا من حيث جغرافية المكان وطبيعة الثّقافة داخل الجامعات. و نجد أيضا أنّ سياسة التّعيين في المناصب البارزة ذات التّأثير في الولايات المتحدة، كانت تتّسم بوصمة حادة من معاداة السامية حالت دون تعييين هؤلاء العلماء. نذكر على سبيل المثال, الشركة العملاقة في مجال الكيمياء (دو بون)التي انتهجت سياسات معاداة السامية والتمييز بين الأعراق – على حدّ وصف الكتّاب – ممّا جعلها ترفض تعيين كارل نويبرج – الملقّب بأبي الكيمياء الحيوية – لكونه يهودي الأصل.كلّ ذلك يندرج في البحث تحت مسمّى الانتقاء السّلبي للعلماء.

ومن هنا، كان لابدّ من التّأكد أيضا من النّسبة المبدئية لمساهمة الكيميائيين في ظلّ الانتقاء السّلبي للعلماء وبحث ما إذا كان هذا التّقدير المبدئي مبالغا فيه أم يبخس هؤلاء الكيميائيين حقّهم في المساهمة العلمية.

ومن أجل تحقيق هذا الهدف، يعود الباحثون الى عام ١٩٣٣ مرّة أخرى، عندما صدر قانون استعادة الخدمات المهنية المدنية في ألمانيا النازية – بعد ٦٧ يوما فقط من استيلاء النازيين على السلطة – الذي ينص على فصل كل من لا ينحدر من أصول آرية من العاملين في الهيئات المدنية. و قد امتدّ هذا القانون ليشمل عام ١٩٣٨ العاملين في النمسا أيضا بعد ضمّها هي الأخرى الى الحكم النازي، وهو الأمر الذي أدّى إلى هروب الكيميائيين اليهود الى خارج ألمانيا النّازية.

وقام الباحثون بدراسة مجالات البحث العلمي المختلفة التي كان هؤلاء الكيميائيون المفصولون يعملون بها قبل صدور هذا القانون عام ١٩٣٣، واعتبروها امتدادا لمجالات البحث العلمي في الولايات المتحدة الامريكية. اذ ليس من الممكن أن تكون مجالات البحث التي كان يسعى لها هؤلاء الكيميائيون قبل صدور القانون هي نفسها تلك التي عملوا بها بعد دخول الولايات المتحدة. وهو ما يتّسق مع أسلوب الانتقاء السلبي في العمل.

وبناء على ذلك، وجدوا بعد البحث الاضافي، أنّ مساهمة هؤلاء الكيميائيين قد وصلت الى نسبة ٧١ بالمائة، مما يعني أنّ النسبة المبدئية كانت تُضعف من مشاركة هؤلاء بشكل كبير.

وبالنسبة للجزء الثاني من البحث، فإنّه يقوم بالنظر الى الآليات التي ساعدت هؤلاء الكيميائيين على جذب المخترعين والباحثين المحلييين و تشجيعهم على العمل في نفس المجالات، بدلا من التركيز على مساهمتهم في الاختراع والبحث العلمي. فقام الباحثون بالنظر الى سجل براءات الاختراع في مجالات البحث المعتمدة – و هي ١٦٦ مجالا بحثيا –  قبل عام ١٩٣٣، ووجدوا أنّ الكيميائيين المحليين لم يسبق لهم أن قدّموا براءات اختراع في هذه المجالات على الاطلاق.  مما يعني أنّ قدوم العلماء الألمان من أصول يهوديّة، أدّى أيضا إلى زيادة في البحث و الاختراع العلمي بشكل غير مباشر.

وبناء على مزيد من المعلومات، يتضح أنّ مساهمات الكيميائيين من أصل يهودي قد تضاعف تأثريها بسبب عملهم داخل منظومة أو شبكة من العلماء تضم الكيميائيين من داخل الولايات المتحدة. ممّا أدّى إلى اكتساب كيميائيي الولايات المتّحدة خبرات واسعة ظهرت جليّا بعد ذلك في أربعنيات وخمسينيات القرن العشرين عندما ازداد نشاطهم في تسجيل براءات الاختراع في المجالات التي عمل بها الكيميائيون المهاجرون. و هو الأمر الذي لم يحدث مباشرة في الثلاثينيات عندما بدأ العلماء الأمريكيون في العمل سويا، لأنّ من الطبيعي أنّ نقل الخبرات في مجالات العلوم يحتاج إلى كثير من الوقت.ونفس الخبرات تم نقلها من العلماء الأمريكيين إلى زملائهم أيضا، في سلسلة لنقل الخبرات من مجموعة من العلماءإلى مجموعة أخرى،  بدأت تزداد مسهاهمتهم هم الآخرين في تسجيل براءات  الاختراع في الأربعينات والخمسينات.

أخيرا، يتحدّث الباحثون أن من تم عليه البحث من الألمان المهاجرين من أصول يهودية، ما هم إلاّ مجموعة صغيرة ولكنّها بارزة في وسط فيض كبير من المهاجرين اليهود الألمان. وكانوا من الناحية العلمية لا يقلّون شأنا عن العلماء المعروفين في العصر الحديث. ويذكر الباحثون أنّه كان هناك أيضا مجموعة من العلماء الشباب العاملين في نفس مجالات البحث لسابقيهم، ولكنّهم لم يكونوا في الإطار الجامعي في ألمانيا قبل الهجرة، وكانوا هم أيضا أصحاب مساهمات في البحث العلمي وبراءات الاختراع.

وفي النهاية، يوضح الباحثون أنّ السياسات التي تشجّع على هجرة أصحاب الكفاءات المهنية العالية هي سياسات ذات مردود عال في دفع البحث العلمي والابتكار في مختلف المجالات.

عرض التعليقات
تحميل المزيد