معسكر “نصف القمر”، هو معسكر صغير لأسرى الحرب العالمية الأولى في “زوسين” بالقرب من برلين، وقد تم تخصيصه في الأساس لتحويل المسلمين المقاتلين في صفوف الحلفاء (بريطانيا وفرنسا) إلى جهاديي حرب في الصفوف الألمانية.

فكرة المعسكر

لم يكن المعسكر كغيره من معسكرات أسرى الحرب في التاريخ. حُجز المعسكر في المقام الأول للأسرى المسلمين، عاشوا فيه حياة فاخرة وأعطوا كل ما طلبوا لإقامة شعائرهم الدينية. وُفرت لهم الكتب الدينية واستطلعوا هلال رمضان وأقاموا لهم مسجدًا – ويعتبر الأول على الأراضي الألمانية – وأحضر لهم قادة ومعلمون دينيون لإلقاء المحاضرات.

I. World War, Wuensdorf near Berlin (Brandenburg Province), camp for prisoners of war named 'Halbmondlager'. Showing praying Muslims - after 1914 - Photo: Huenich

مجموعة من الأسرى أثناء تأدية الصلاة

لم يكن معسكر “نصف القمر” حامل الشعلة للمزيد من المعاملات الكريمة لأسرى الحرب التي أسفرت عنها اتفاقية جنيف، بل على العكس، أصبح نموذجًا لمشروعات فئران التجارب التي قام بها القيصر “ويلهيلم الثاني” لتحويل المسلمين المحاربين لدى الجيش البريطاني والفرنسي إلى جهاديين يدينون بالولاء لألمانيا. وقد كُتب عن هذا الموضوع كثيرًا في كتب التاريخ الألماني بينما أُهمل كثيرًا في تاريخ الحرب، ولكن تم تسليط الضوء مؤخرًا على دور المعسكر كجزء من التدقيق المتجدد في صراع المئة عام السابقة.

و يعتبر صاحب فكرة التجربة الجهادية الألماني الأرستقراطي والدبلوماسي “ماكس فون أوبنهيم”، كان عمره 54 عامًا وقد عاد إلى موطنه بعد 20 عامًا من الترحال والدراسة في الشرق، وقد أقنع القيصر أن الإسلام هو السلاح السري، وذلك قبل حتى أن تعلن بريطانيا الحرب على ألمانيا.

آمن “أوبنهيم” بأن حملة دعائية مدبرة جيدًا من شأنها أن تثير انتفاضة أعداد ضخمة من المسلمين ضد بريطانيا وفرنسا من الأراضي المستعمرة مثل الهند والهند الصينية وشمال وغرب أفريقيا.

الإتفاق الألماني-العثماني

يقول الكاتب “يوجين روغان” مؤلف كتاب “سقوط الدولة العثمانية” أن الكثير من الألمان اعتبروا “أوبنهيم” شخصًا مهووسًا، فقد كانت له أراء فقهية عن طرق التطرف اللامنطقي التي قد ينتهجها المسلمون.

و على الرغم من ذلك، فقد استمع القيصر “ويلهيلم الثاني” إلى كلام “أوبنهيم”، وتعهد بإثارة أمة محمد ضد البريطانيين، وفي الثاني من أغسطس عام 1914 تم عقد معاهدة بين ألمانيا والإمبراطورية العثمانية والتي كانت بمثابة زواجًا سياسيًا بين القيصر “ويلهيلم الثاني” والسلطان “محمد الخامس”، وفي نفس هذا اليوم انتقل “أوبنهيم” إلى مكتبه في برلين، مقر حملته الدعائية للجهاد.

57557103

القيصر ويلهيلم

و كان أسرى الحرب الذين قاتلوا ببسالة في صفوف قوات الحلفاء في المعارك الأولية للحرب العالمية الأولى هم الأهداف الرئيسية لحملة “أوبنهيم”، وكان قد تم احتجازهم في بيئة محكمة بالقرب من مقر الحملة.

و يضيف الكاتب “روغان”: “أنا واثق أن الألمان قد آمنوا أن الأسرى سيكونون مطيعين عند توجيههم ضد الحلفاء، ولعبوا بعقولهم عن طريق الإسلام”.

تم استخدام الأسرى المسلمين كرهائن للمشروع الجهادي من اللحظة الأولى. ففي بداية نوفمبر، عندما أعلن السلطان – بالإتفاق مع ألمانيا – من على منبر مسجد بالقسطنطينية أن بريطانيا وفرنسا وروسيا هم أعداء الإسلام، قام السفير الألماني بالإعلان عن نفسه من شرفة السفارة محاطًا بأربعة عشر من أوائل الأسرى المسلمين لدى ألمانيا وكانوا من المغرب والجزائر وتونس.

كانت مهمتهم هي كتابة سيناريوهات باللغة العربية والتركية تعد الجموع بأن الجهاد الألماني سيصل إلى شمال أفريقيا. ويقال أن هؤلاء الأربعة عشر أسيرًا قد قاموا فيما بعد بحمل أحد حلفاء “أوبنهيم” يدعى “شابينغر” على كرسي وطافوا به في الشوارع لتحريض المتظاهرين على نهب وحرق أي محل مملوك للفرنسيين أو البريطانيين. وعندما دخلت حاشية “شابينغر” الفندق الذي يقيم فيه، قام شرطي مرافق له بإطلاق رصاصة على ساعة رجل بريطاني عجوز.

وقد ساهم هذا الحدث في تأثير الدعاية، حيث اعتمد معسكر “أوبنهيم” لأسرى الحرب على هذه الدرجة من الإثارة المدبرة نفسها. احتوى هذا المعسكر على 4000-5000 محتجز، وبالرغم من أن جنودًا من المسلمين كانوا قد احتُجِزوا في معسكر “وينبرج” المجاور، حيث امتدت تأثيرات الدعاية، إلا أن رمزية معسكر “نصف القمر” جعلته يتسم بالوعي الذاتي كمسرح للعالم الأوسع في الخارج.

طُبعت الطوابع البريدية التي تُظهر المساجين وهم يمارسون الرياضة والشعائر الدينية ويشاركون في ذبح الحيوانات للحصول على اللحم الحلال. وكان أكبر التحف هو المسجد الخشبي المبني على الطراز العثماني والذي تم زخرفة أبوابه المقوسة وكان له منارة واحدة وقبة عريضة، وقد تم بنائه لإثبات أن ألمانيا صديقة المسلمين، فلم يكن المسجد مبنيًا على أساس ديني، وإنما بنازع دعائي استكمالًا للحملة الدعائية التي تقوم بها ألمانيا، وقد تكفل مكتب “أوبنهيم” بنشر الشائعات أن هذا المسجد تم بناؤه من مال القيصر الخاص.

بعض الأسرى وهم يطالعون الجرائد

و يضيف الكاتب “روغان” أن الندوات والمحاضرات كانت تقام للسجناء وكان يُستغل المنبر في أيام الجمعة لإيصال الرسائل السياسية، فلم يكن المسجد بغرض حرية العبادة، وإنما مكان لإعطاء غطاء ديني للرسائل السياسية.

الشيخ صالح الشريف

كان الفضل في هذا الاهتمام الزائد بمعسكر نصف القمر وبيئته يعود إلى الشيخ “صالح الشريف”، التونسي الجنسية، والذي جاء إلى برلين عن طريق المخابرات العثمانية. وقد عرف نفسه بوثيقة مكتوبة إلى “أوبنهيم” تحت عنوان “الجهاد إلزامي”، العنوان الذي استخدمته الصحافة الألمانية لتوضيح أن الحرب المقدسة لم تكن صناعة ألمانية. وكان “صالح” مميزًا في مكتب “أوبنهيم”، ففي جولاته كان دائمًا يلبس العمامة والعباءة العربية.

و كمدافع عن استقلال المغرب، اتخذ الشيخ صالح مهنته كداعية في غير أوقات العمل عن طريق عمل زيارات سرية عن طريق الخنادق المؤدية إلى المتاريس المطلة على المسلمين في صفوف الفرنسيين، وعندما رآه أحد أفراد الجيش الألماني وقام بالإبلاغ عنه، عزز ذلك من مكانة الشيخ صالح، حتى أنه كتب إلى القيصر خطابًا شخصيًا مفاده أن الهيبة الألمانية يمكن تعزيزها في العالم العربي إذا قام بتحرير الأراضي المستعمرة في شرق وغرب أفريقيا، وقوبل هذا الخطاب بالرفض.

ووفقًا للتاريخ الألماني، فإن الشيخ صالح بذل الكثير من الجهد لهذا المعسكر حتى أنه حقق دور القائد الروحي بإعطائه المحاضرات والخطب وأشرف على الجريدة الدعائية للمعسكر “الجهاد” والتي طبعت لأول مرة في مارس 1915 بالعربية وكتبَ بها العديد من المقالات، كما اهتم بصحة السجناء البدنية.

فشل تجربة المعسكر

“أحمد بن حسين”، مزارع من مراكش، وأسير سابق من أسرى معسكر نصف القمر، في حديثه أثناء التحقيقات عن الحياة في المعسكر والذي نُشر مؤخرًا في تركيا يقول أنهم كانوا يعطون الأسرى المزيد من الامتيازات، فكان لهم مطابخهم التي لا تطبخ لحم الخنزير، وإنما وجبات مثل اللحم والحمص والأرز، كما أعطوهم ثلاثة أغطية للنوم وملابس داخلية وأحذية حديثة لكل أسير، وكانوا يسمحون لهم بالاستحمام وحلق الرؤوس كل ثلاثة أيام.

و راح يصف “بن حسين” كيف كانت تأتي الزيارات لتوظيف الأسرى في صفوف الجيش العثماني، وكيف أنه كان من ضمن العشرات الذين تطوعوا للمحاربة في صفوف العثمانيين بينما خاف الآخرون.

و ظن الألمان أن بإعطاء الأسرى في معسكر نصف القمر كل هذه الرفاهية فإنهم سوف يحصلون على ثقتهم وأن الأسرى سيبدلون ولاءاتهم ويقومون بالمشاركة في حرب السلطان المقدسة في المستعمرات. خطة ماكرة، ولكن يبدوا أن جهودها أتت بنتائج عكسية ! كانت التحقيقات مع “بن حسين” بعد أن أخذ أسيرًا للمرة الثانية من نفس الجانب تثبت ذلك.

يرجح الكاتب “روغان” أن “بن حسين” تورط في إشعال ثورة ضد قادته العثمانيين الجدد، مما يظهر عدم تأثير المخطط الدعائي. توقعت الدراسات الأمريكية أن الروح المعنوية كانت منخفضة لدى هذه القوات بعد معاملتهم جيدًا من قبل الألمان، فقد أرسلوا إلى أجواء معارك شديدة الصعوبة من حيث المناخ والموقع.

كانت أعداد المتطوعين من معسكر “نصف القمر” ومعسكر “وينبرج” أعدادًا ضئيلة، ما يقرب من ال 3000 متطوع فقط، وهم الذين أرسلوا إلى بغداد للخدمة في بلاد الرافدين والجبهات الفارسية. ولم يكن يعلم الجنود يعلمون من أجل ماذا يقاتلون! ولكنهم لم يكونوا متحمسين للجهاد، بالرغم من أنهم وعدوا بالمعاملة الحسنة والانتصار.

لماذا لم يكن الرجال متحمسين للجهاد؟ أو ربما الأصح أن نتساءل “لماذا يجب أن يتحمسوا من الأساس؟”، إنه لم يكن من الطبيعي أن تستهدف الجهاد ضد ثلاث دول غربية بينما تستثنى ثلاث دول أوربية أخرى. أن تكره بريطانيا وفرنسا والنمسا وتترك ألمانيا وبلغاريا وأستراليا، ليس لهذا معنى.

و يعتقد “روغان” أن “أوبنهيم” وفريقه من المستشرقين كانوا مخدوعين، كان هناك سوء فهم لتصرفات المسلمين الموحدة، كانوا يصلون سويًا في أعداد ضخمة، كانوا يسلمون عقولهم في طريقة موحدة، إذا حولت هذه المميزات لصفك فقد حصلت على قوة مؤثرة للتعبئة والتحفيز للقتال، ولكنهم ربما استخدموا الطريقة الخاطئة لتوجيه هذه القوة.

المسلمين مثل البشر في أي مكان أخر، رغبتهم في خوض مخاطرة مثل الحرب يجب أن تكون محددة وفقًا لرغباتهم أو مخاوفهم أو الأخطار التي تهددهم، ليس دافعًا لهم أن يرفع أحدهم السيف أو القرآن ويشير لهم بالتقدم للحرب.

الكاتب تالبوت موندي

كتب الكاتب الإنجليزي “تالبوت موندي” عام 1917 رواية “هيرا سينغ”، والتي تروي أن الناس حول العالم كانوا يسخرون من المعسكر واعتقادات المستشرقين الألمان ومجهوداتهم للمشروع الجهادي. كانت الرواية عبارة عن سلسلة تنشر في مجلة أمريكية عام 1917 حتى تم نشرها ككتاب عام 1918 في لندن، “هيرا سينغ” تروي حكاية جندي من طائفة السيخ أسره الألمان في مرسيليا في المراحل الأولى من الحرب.

ما يقرب من الـ80 أسيرًا من السيخ تم وضعهم في معسكر نصف القمر، و”هيرا” هو اسم الجندي الأسير والذي تدور أحداث الرواية عنه وعن المجموعة التي أسرت معه. لم تكن الدعايا الجهادية تطبق على طائفة السيخ، ذكرت الرواية أن “هيرا” كان دائمًا مرتبكًا من تلقين الألمان الأفكار الإسلامية له، بالرغم من أن غير المسلمين كانوا يزوَدون بكتب تغذي لديهم فكرة أنهم من الأمم المضطهدة.

“موندي”، الذي سافر عبر الهند وأفريقيا والشرق الأوسط، ربما كان لديه بعض المعلومات عن الحياة في المعسكر، فمعظم توصيفاته لظروف الحياة الرغدة وجرائد الدعاية تتطابق مع ما يعرف الآن عن المعسكر. وصف أيضًا “موندي” كيف كان يقف النساء والأطفال أمام أسوار المعسكر وكأنهم أمام معرض لكائنات غريبة، وهذا يعتبر منطقيًا حيث كان مكان المعسكر معروف الموقع وكان يتم تصوير أفلام وثائقية للمعسكر لعرضها في وسط الأفلام في برلين.

رواية “موندي” تعرض المعسكر بشكل ساخر، فتعرض بشكل ذكي انعكاسًا للخطط المطبقة في المعسكر، مما جاء في الكتاب “لم يمس حس العدالة عندنا من قبل، فقد ناشدوا بطوننا، أموالنا، شهواتنا، خوفنا، ولكن لم يلمسوا ضمائرنا يومًا”.

معرض بروناي

في معرض “بروناي” في لندن تحت عنوان “الإمبراطورية، الإيمان والحرب”، تم تسليط الضوء على معاناة السيخ في الحرب العالمية الأولى، تم عرض نسخة مترجمة من الجريدة الدعائية للمعسكر، جريدة “الهندوستان”‘ التي احتوت على قصص ومقالات وأشعار كانت تهدف إلى معاداة بريطانيا.

و في مدخل المعرض، علقت صفحة كتب عليها: “أيها الشهداء، يجب أن تساعدوا أهل الهند بتكوين جبهات موحدة من مختلفي الأديان، لأن العدو يقوم ببث الكراهية بين الناس بتحريض أتباع كل دين على أتباع الدين الآخر”، وأضاف أمين المعرض أن الألمان لم يفلح تحريضهم مع طائفة السيخ، فقد أبقوا على ولائهم لبريطانيا.

انطبق هذا أيضًا على قرابة الخمسين أيرلنديًا، الذين وجدوا أنفسهم في معسكر نصف القمر في صيف 1915، كما دوّنت تقارير الألمان. كتب أحدهم في مذكراته “أنه في كل أنحاء المعسكر كانت تفوح رائحة الشرقيين الكريهة كما كان يتراقص بعضهم بجنون، فالعيون البيضاء البارزة لهاؤلاء المتوحشين وحركاتهم الجنونية وتلاعبهم بالسكاكين كانت تشعرك بأنك تشاهد شياطين من العالم السفلي”.

تم تغذية عقول الأيرلنديين بالدعاية أيضًا، فمن المرجح أنه كان يوجد سياسات إمبراطورية أكبر لدى الألمان، ولكن هاؤلاء الأيرلنديين لم يظهر عليهم التأثر بالدعاية، وفي خلال أربعة أشهر تم إخراجهم من المعسكر حيث كان وجودهم يسبب الإزعاج، وفقًا لمذكرة من سلطة المعسكر.

لم يطل الأمر بمأموري المعسكر كي يتعلموا من المفاهيم الخاطئة بشأن الأيرلنديين. وبالرغم من أن نشاط المعسكر قد توقف عام 1917 بعد أن تم إرسال أغلب النزلاء إلى رومانيا للعمل في الزراعة، كما غادر الشيخ “صالح” ألمانيا ليعيش في سويسرا، إلا أنه مازال هناك بعض الدروس المستفادة من المعسكر.

يقول روغان: “أعتقد أن القصة ذات أهمية للقراء اليوم، لأن الناس مازالوا يحملون هذه الرؤية، الناس يؤمنون أن هناك تلك القدرة للمسلمين على التصرف بمثل هذه العصبية الجماعية”.

معرض “الإمبراطورية، الإيمان والحرب” متواجد في متحف برلين في لندن حتى 28 سبتمبر 2014، وسيتم نشر كتاب “سقوط الدولة العثمانية” لـ”يوجين روغان” في سبتمبر الحالي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد