مخطئ جدًّا، من يتخيّل أن تعلّم لغة جديدة هي مُجرد وسيلة أخرى لتحصيل مقعد دراسي في بلد ما، أو فرصة عمل مثلًا، ويُخطئ أكثر من يتخيّل الأمر مُجرد حفظ للكلمات ومعانيها، فاللغة حياة وانكشاف على ثقافة الآخر، وأدق تفاصيل حياته، بل إن كُل القواميس والمعاجم اللغوية تقف أحيانًا عاجزة عن فك طلاسمها، إن لم يتعمق الإنسان في حياة الآخر وفهمه، ويكفيك أن يزورك زميل ألماني فتسأله مثلًا: «شاي أم قهوة؟» ليُجيبك قائلًا: «كُله موز völlig Banane» بمعنى: «لا يهم، أي شيء»!

في التقرير التالي نستعرض شيء من هذه الكلمات «العجيبة» من «لغة الشباب» في ألمانيا وسويسرا والنمسا، التي من شأنها أن تجعلكم أكثر فهمًا لطبيعة هذه الشعوب.

يتأنجلز engländern

يعود أصل هذا الفعل من كلمة «إنجلترا»، تمامًا كما أن أصل مُصطلح «سعودة» من اسم المملكة العربية السعودية، ولكن المعنى هُنا مختلف تمامًا، وليس له دلالات سياسية كما ليس له علاقة بالسفر او إنشاء علاقات مع الإنجليز، ولكنه «الشاي الإنجليزي» حيث يستخدم بعض الشباب هذا الفعل للتعبير عن رغبتهم بُشرب الشاي، باعتبار ان الإنجليز من أكثر شُعوب العالم شربًا للشاي، علمًا بأنهم ليسوا الأوائل، حيث يصل معدل استهلاك الشاي في الباراجواي إلى 13 كجم للفرد في العام، بينما في إنجلترا 2.2 كجم للفرد في العام، وأما الفرد الألماني فيستهلك كجم واحدًا من الشاي سنويًّا.

يتدونر dönieren

من زار تُركيا لا بُد وأنه سمع بالـ«دُونر» أو على الأقل تناوله في أحد المطاعم، وهي وجبة سريعة مثلها مثل «الشاورما»، وحتى في ألمانيا وبسبب الجالية التُركية الكبيرة، والتي يصل تعدادها إلى حوالي 3 مليون تُركي، فإن مطاعم «الدونر» مُنتشرة بشكل واضح للعيان، ويكاد يستحيل أن تدخل مدينة ألمانية دُون أن تجدها، وقد عرف الألمان الدُونر لأول مرّة في مطلع سبعينات القرن الماضي، أما اليوم فتُشير الإحصائيات إلى أن هناك 16000 مطعم دُونر في ألمانيا، كما أن حجم إيرادات «صناعة الدونر» وصلت إلى 3.5 مليار يورو، وذلك لأن الإقبال عليها لم ينحصر في الأتراك ولا المُسلمين فقط، فإن عددًا من الألمان عشق هذه الوجبة واخترع لها كلمة خاصة، فبدلًا من قولهم: «هيّا بنا نذهب لتناول الدُونر»، يقولون: «هيا بنا نتدونر»!

دَتْش Dutsch

لا يُمكن العثور على هذه الكلمة في أي قاموس ألماني غير «قاموس اللغة الشبابية»، ولكن الكلمة نفسها تُذكرنا بكلمة Dutch، وهي المُسمى الذي يُطلقه الهولنديين على لغتهم وهي شبيهة جدًّا بكلمة دُويتش التي تعني اللغة الألمانية. ولكن عُمومًا، فإن كلمة دَتش بين الشباب لا يُعنى بها أي من هذه اللغات، وإنما يُعنى بها شيء آخر خطير وهو «الحشيش Cannabis»، فمن المعروف أن هُولندا من الدُول التي لديها سياسة مُتسامحة مع من يُدخن هذا النوع من المُخدرات، وكثيرًا ما تُلقب بأنها «جنّة الحشيش Cannabis-Paradies»، ولذلك تجد كثيرًا من المُدخنين يقصدون مدينة أمستردام لـ«التحشيش»؛ حيث يُسمح لكل شخص بحيازة 5 جرامات من الحشيش دُون أي مشاكل، والتي يُمكن شراؤها من أكثر من 600 مقهى في المدينة، ولكن حيازة أكثر من هذه الكمية يُمكن أن تعرض صاحبها لغرامة عالية تصل إلى 16 ألف يورو، أو سجن لمدة عامين مثلًا!

أفريقيا Afrika

لست بحاجة إلى قاموس ألماني كي يُخبرك ما معنى أفريقيا، ولكن ماذا لو زارك ألماني وأخبرك «mach mal Afrika»، والتي تعني «شغل أفريقيا» هل ستفهمه؟ كيف يُمكن تشغيل هكذا قارة ضخمة؟ لا يُمكن طبعًا ولكن لو تفكّرنا قليلًا، فإن أفريقيا معروفة بدرجات حرارتها العالية، وبحسب بعض المصادر فقد وصلت درجة الحرارة في منطقة العزيزية في ليبيا إلى أعلى درجة حرارة جوية في العالم، وذلك بوصولها إلى 57.8 درجة مئوية، وبالتالي فإن تشغيل أفريقيا هو المُرادف لتشغيل نظام التدفئة المعروف بالـ«هايتسونغ»، وهو أهم الأنظمة التي يجب أن تتوفر في كُل بيت، لأن الحياة بدونه في أيام الشتاء الباردة أشبه بعملية انتحار بطيء.

«شيشان  shishan»

هذه المرّة ليس هناك علاقة لهذه الكلمة بدولة الشيشان في شيء، فدُولة الشيشان بالألمانية تُكتب هكذا «Tschetschenien» وتُلفظ «تشيتشينيان»، فلو فتحت الصحيفة ووجدت خبرًا تحت عنوان: لماذا «شيشان» خطرة إلى هذا الحد، فيجب أن تعلم أن الحديث هُنا عن تدخين «الشيشة» أو الأرجيلة، وهي كلمة مُبتكرة في لغة الشباب الألمانية للتعبير عن تدخين الأرجيلة.

قلعة الدريسة Streberburg

ماذا لو دعاك زميل ألماني إلى لقاء في «Streberburg»؟ وأنت لا تدري ولم تسمعها من قبل، فما العمل؟ النُكتة أنك حتى لو بحثت في الخرائط الألمانية عن « Streberbur» فلن تجد أي قلعة كهذه، ثم حتى لو تأملت الكلمة نفسها، فستجد مُركبة من كلمتين، حيث إن «بورغ» تعني قلعة و«شتريبر» تعني «نيرد» أو «درّيس»، ولكن ما هي «قلعة الدرّيسة» هذه؟ إنها المكتبة ببساطة، ولا عجب فهي أكبر مكان يجتمع فيها عُشاق الكُتب وطلاب العلم، وبالطبع كثيرين ممن يُطلق عليهم لقب «نيرد» وهي ذات إيحاءات سلبية غالبًا!

وفي نفس السياق نجد إيحاءات سلبيّة حول المدرسة أو الجامعة، والتي تُسمى في لغة الشباب «stresssystem» وهي تعني «نظام الضغط النفسي» ولمن لا يعرف الجامعات الألمانية، فهي من الجامعات القليلة عالميًّا التي يُفضل الطالب بها أن يُنهي دراسة الهندسة في 6 فصول دراسية فقط، أي 3 أعوام، في حين يستغرق ذلك في دول أخرى 4 أو 5 سنوات!

الكلمات.. التي تجمعنا!

يبدو أن الشعوب مهما اختلفت فإنها تعود وتتفق في أبسط الأمور، تمامًا ككلمات مثل «ممسحة lappen» باللغة الألمانية، والتي تُستخدم عادة للتعبير عن الممسحة المُستخدمة لتنظيف الأسطح المُختلفة، ولكنها تستخدم كذلك للتعبير عن الرجل «الأهبل» أو الذي لا يملك قراراته والذي يُوصف بالممسحة حتى في بلادنا، ثم إننا نجد في الألمانية مُصطلحات مثل «يطهي بيضًاmache Eier » للتعبير عن ضرورة الاستعجال في العمل، وتقابلها في لهجاتنا المحلية «بيخبط ع بيض» للتعبير عن البُطء في الإنجاز، أو حتى قولهم «اذهب للعبSpielen gehen » والتي إن قيلت لا تدل على اللعب، ولكنها تستخدم كاستخدامها في بلادنا: «رُوح العب» بمعنى انصرف!

عرض التعليقات
تحميل المزيد