عبد الله كمال 18
عبد الله كمال 18

2,966

بعد زيارة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى الجزائر الاثنين الماضي، ورغم أنّ الزيارة قد طغى عليها موضوع الهجرة غير الشرعيّة، إلاّ أنّ ملفّ التعاون الاقتصادي بين البلدين قد عاد للواجهة، بعد أن أشار الوزير الأوّل الجزائري في الندوة الصحافية التي جمعته بميركل إلى أنّ الشراكة الاقتصادية بين البلدين متقدّمة، وأنّ ألمانيا هي ثالث شريك اقتصاديّ للجزائر بقيمة تبادلات تبلغ 4 مليارات دولار سنويًّا.

وتشهد الساحة الاقتصادية الجزائرية منافسة محتدمة بين الألمان، والفرنسيين الذين يستغلّون علاقاتهم الاستثنائية مع المسؤولين الجزائريين من أجل الاستيلاء على أكبر حصّة ممكنة من السوق الجزائرية، ممّا جعل الكثير من المستثمرين الأجانب ينظرون إلى السوق الجزائرية باعتبارها «الحديقة الخلفية» للاستثمار الفرنسي التي يحرم على غيرها دخولها. في التقرير التالي نتطرّق إلى ملامح هذا التنافس الفرنسي الألماني في الجزائر، ودور المؤسسة العسكرية الجزائرية في ترجيح كفّة أحد الطرفين.

مشهد سياسي ضبابي يجمّد مشاريع الشراكة

طغى ملفّ المهاجرين الجزائريين غير الشرعيين إلى ألمانيا على محادثات الطرفين خلال زيارة المستشار الألمانية ميركل إلى الجزائر، وقد كان يُنتظر من هذه الزيارة أن تُعطي دفعة للتعاون الاقتصادي بين البلدين، إلا أن الجانب الاقتصادي لم يحظَ بالنصيب المتوقّع من زيارة بهذا الحجم؛ ممّا يجعل البعض يرجّح أن يكون سبب تحفّظ الألمان هو الظروف السياسية المتأزمة وحالة الترقّب التي تعيشها الجزائر، وتغييرات بالجُملة داخل المؤسسة العسكرية.

الجانب الجزائري من جهته كان بحاجة إلى زيارة زعيمة إحدى الدول الكبرى بحجم ألمانيا، خصوصًا في ظلّ الأزمة التي يعيشها النظام بفعل مرض الرئيس بوتفليقة الذي لا يخرج من العاصمة نفسها، ناهيك عن إجرائه للزيارات خارجية، كما لا يؤدّي المهام الرئاسيّة الاعتياديّة كالإدلاء بخطب للشعب الجزائري وتنصيب السفراء وغيرها، وبالتالي فإنّ زيارة ميركل للجزائر ولقائها ببوتفليقة تُعطي جرعة من المشروعية المشهدية للنظام الجزائري يحتاجها بشدّ في هذا التوقيت، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات الرئاسية في أبريل (نيسان) القادم، وفي ظلّ تمسّك أحزاب الموالاة بالتمديد للرئيس بوتفليقة لعهدة خامسة.

Embed from Getty Images
المستشارة الألمانية والوزير الأول الجزائري

صحّة الرئيس بوتفليقة كانت سببًا في تأجيل زيارة ميركل إلى الجزائر في فبراير (شباط) من السنة الماضية؛ إذ تمّ إلغاء الزيارة في آخر دقيقة بعد أن أبلغ المسؤولون الجزائريون الجانب الألمانيّ بأنّ صحّة الرئيس لا تسمح باستقبال المستشارة الألمانيّة؛ ممّا يعدّ مؤشّرًا على هشاشة الوضع السياسي في الجزائر.

استقبال بوتفليقة للرؤساء أصبح منذ تدهور صحّته في سنة 2013 من بين المناسبات الوحيدة لكي يظهر للعلن لثوانٍ معدودة في شاشة التلفزيون الوطنيّ ويثبت وجوده ومزاولته لمهامه الرئاسية، في ظلّ الإشاعات التي كثيرًا ما تنتشر حول تدهور صحّته، كان آخرها حين سافر إلى سويسرا للعلاج، أو كما سمّته الجهات الرسميّة الجزائرية «فحوصات طبية دورية».

المؤتمر الصحافي بين الوزير الأول الجزائري والمستشار الألمانية

صحيح أن زيارة ميركل لم تحمل جديدًا للجزائر على المستوى الاقتصاديّ، لكن الحضور الألماني المتزايد في السوق الجزائرية، والذي ينذر بزحزحة المكانة الفرنسيّة الاستثنائيّة يبقى قويًّا في السوق الجزائرية؛ إذ تبلغ الواردات الألمانية للجزائر حوالي 3 مليارات دولار، بينما لا تتجاوز الصادرات الجزائرية لألمانيا أقل من مليار دولار، تمثّل المحروقات 92% منها، فيما تنشط في الجزائر 200 مؤسسة اقتصاديّة ألمانية، وهو الرقم الذي يعتبره مراقبون ضئيلًا للغاية.

القصة الكاملة لمرض الرئيس الجزائري بوتفليقة

حرب ألمانية – فرنسية شرسة في مجال السيارات كادت تؤدي إلى أزمة دبلوماسية

عالم السيّارات يعتبر حلبة صراع شديد بين الألمان والفرنسيين في مختلف أنحاء العالم، ولم تشكّل الجزائر استثناءً من هذه «الحرب» التنافسية، فبالإضافة إلى تسويق سياراتهما في السوق الجزائريّة، يسعى البَلدان إلى إقامة مصانع لتركيب عدّة علامات تجارية، كمصنع «رينو» الفرنسية بوهران، والذي أطلق أوّل سيارة من إنتاج جزائري في سنة 2014، بالإضافة إلى علامة «بيجو» التي انطلق إنشاء مصنع لها. أما من الجانب الألماني فقد جرى افتتاح مصنع العلامة التجارية «فولسفاجن» في يونيو (حزيران) من السنة الماضية؛ إذ يطمح لإنتاج 12 ألف سيّارة ويوظّف 700 شخص، بالإضافة إلى شراكة العلامة التجارية «مرسيديس» مع الجيش الجزائري لإنتاج عدّة أنواع من السيارات والشاحنات.

Embed from Getty Images
مصنع رينو في الجزائر

المعركة المحتدّة بين الألمان والفرنسيين في مجال السيّارات ظهرت للعلن في سنة 2015 وقد كادت تتطوّر إلى أزمة دبلوماسيّة بعد أن تذمّر الألمان بشدّة من المعاملة التفضيلية التي يحظى بها الفرنسيّون في السوق الجزائرية من خلال استدعاء برلين السفير الجزائري عندها، لتبلغه احتجاجها على إعاقة دخول السيّارات الألمانية العالقة في الموانئ الجزائرية رغم خضوعها لقوانين الأمن والسلامة، كما حذّر الجانب الألماني من أن مثل هذه الممارسات «ستهدّد العلاقات التجارية الجزائرية الألمانية».

الموقف الذي استدعى ردّة الفعل الحادّة من جانب الألمان كان سماح الجزائر للسيّارات الفرنسيّة بدخول السوق مباشرة بعد زيارة وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس في ذات السنة؛ ممّا اعتبرته ألمانيا انحيازًا ضدّها وعدم شفافيّة في قواعد سوق السيارات في الجزائر.

وتشير إحصاءات وزارة المالية الجزائرية إلى أنّ التواجد الاقتصادي الألماني في السوق الجزائرية بدأ يهدّد المكانة الفرنسية التي كانت منذ الاستقلال تحظى بحصّة الأسد من الواردات الجزائرية، خصوصًا في السنوات الأخيرة التي تراجعت فيها فرنسا في قائمة المورّدين من المرتبة الأولى سنة 2010 من 6 مليارات دولار إلى المرتبة الثانية خلف الصين بـ4.2 مليار دولار، في حين زادت الواردات الألمانية للجزائر من 2.3 مليار دولار سنة 2010 إلى 3.2 مليار دولار في 2017، والتي تحتلّ بموجبها المرتبة الرابعة بعد كل من الصين وفرنسا وإيطاليا؛ إذ تشهد السنوات الأخيرة ارتفاع الواردات الألمانية مقابل انخفاض مثيلاتها الفرنسيّة. وتتمثّل الصادرات الألمانية في غالبيتها في الماكينات الصناعيّة بمختلف أنواعها، بالإضافة إلى وسائل النقل المختلفة كالشاحنات والسيارات والطائرات، بالإضافة إلى الأدوية والكيمياويات المختلفة.


ويشهد التعاون الاقتصادي الفرنسي الجزائري تعثّرًا ملموسًا؛ إذ كان يعوّل دائمًا على الزيارات الخارجية للمسؤولين الفرنسيين من أجل توقيع اتفاقيات تجارية جزائرية، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تغيّرًا في هذا السلوك، خصوصًا منذ سنة 2013 بعد زيارة الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند وبعده رئيس وزرائه للجزائر وما تبع ذلك من اتفاقيات تجارية وُصفت بالهزيلة، اشتملت على إنشاء مصانع لمواد استهلاكيّة لا تستفيد الجزائر من خلالها من نقل للتكنولوجيا أو تكوين المهندسين في مجالات تقنيّة حديثة ممّا يسمح باكتساب الخبرة العلمية.

وظهر ذلك جليًّا بعد التوقيع على شراكة جزائرية فرنسية من أجل إنشاء مصنع لمادة «المايونيز»، وقد يرى البعض أن اجتماع وزراء من الجانبين الفرنسي والجزائري على أعلى مستوى من أجل الاتفاق على إنتاج المايونز مثيرًا للمفارقات الكوميدية، لكنه يُعطي صورة ملخّصة لنوعية التعاون الاقتصادي بين الطرفين. صحيح أنّ الشراكة مع فرنسا متشعّبة في عدّة مجالات كوسائل النقل المختلفة والآلات الصناعية وإدارة المياه والصرف الصحّي، لكن الجانب الجزائري لا يستفيد فعليًّا من نقل التكنولوجيا والتكوين، كما أنّ الاستثمارات الفرنسية المباشرة في الجزائر تبقى شبه معدومة، إذ بلغت سنة 2014، 0.6 مليون يورو.

وتواجه الشراكة الجزائرية الألمانية عدّة عوائق، أبرزها العلاقات السياسية الجزائر الفرنسية الاستثنائية؛ مما يسمح لفرنسا بنيْل عدّة مشاريع اقتصادية وصفقات يطغى عليها الجانب السياسي أكبر من الاقتصادي؛ إذ تشير تقارير إلى أنّ الجزائر ساهمت في إنقاذ عدّة شركات فرنسيّة من كابوس الكساد والإفلاس بفضل المشاريع التي حازت عليها، كشركة «ألستوم» للقطارات و«لافارج» للأسمنت وغيرها.

بالإضافة إلى ذلك فإن مشكل اللغة يبقى مطروحًا بالنسبة للألمان؛ إذ إنّ اللغة الفرنسية رغم كونها ليست رسميّة في الجزائر، إلا أنّها مسيطرة في التعاملات الإدارية والأكاديمية، بالإضافة إلى ميدان الأعمال، لذلك يتّجه الكثير من رجال الأعمال الجزائريين بصفة تلقائية إلى الشراكة مع مؤسسات فرنسيّة نظرًا للجانب اللغوي، مع الإشارة إلى أنّ هذه الظاهرة بدأت في التراجع مع توسّع اللغة الإنجليزية في عالم الأعمال.

وقد عوّل المسؤولون الجزائريون قبل عدّة سنوات من أنّ مشروع «ديزارتيك» لإنتاج الطاقة الشمسية في الصحراء الجزائرية، والذي يقدّر بتكلفة هائلة تصل إلى 400 مليار لتوفير 20% من احتياجات أوروبا من الطاقة سيعطي دفعة كبيرة للشراكة بين الجزائر وألمانيا، إلا أن المشروع لم ير النور في نهاية المطاف، وقد اكتنف شيء من الغموض سبب تخلّي الألمان عنه؛ إذ أشارت بعض التقارير إلى أنّ جدواه الاقتصادية منعدمة؛ ممّا دفع الألمان لصرف النظر عنه إلى مصادر طاقة أخرى، لتعلن ألمانيا وفاة المشروع نهائيًّا.

الجزائر من جهتها كانت لها تحفّظات معتبرة على المشروع بسبب تكلفته العالية، بالإضافة إلى اختلافات مع الجانب الألماني حول تقسيم نسب الطاقة التي تحصل عليها كل من الجزائر وأوروبا.

«خليها تصدّي».. حملة الجزائريين لمحاربة «بارونات» السيارات

الواقعية الألمانية تفضّل الشراكة مع «العسكر»

لعلّ أبرز ما يحدّ من التواجد الألماني في السوق الجزائريّة هو مشكل انعدام الثقة وغياب الشفافية، والتغيّر المستمرّ للسياسات والقوانين؛ ممّا يسبّب ارتباكًا للمستثمرين، لذلك سعى الألمان إلى الشراكة مع الجهات التي تعتبرها مستقرّة، وقد كان أبرزها مؤسسة الجيش الجزائري.

ويمثّل مصنع «سافاف» لشركة «مرسيدس» المتواجد في منطقة تيارت غرب الجزائر والناتج عن شراكة بين الألمان والإماراتيين والجيش الجزائري، أحد أهمّ معالم التعاون الاقتصادي بين البلدين؛ إذ يُنتج المصنع عدّة أنواع من السيّارت للاستخدام المدني والعسكري والشُرطي، والكثير من السيارات التي تستخدمها الشركات العموميّة مثل الحماية المدنية والبريد والمستشفيات والمدارس والشرطة من خلال السيارات المخصّصة للشرطة العلمية، والعربات المكافحة للحرائق، وسيارات التدخّل السريع، وحافلات النقل المدرسي والإسعاف الصحي، وغيرها؛ كما أنّ هذه السيارات مفتوحة للعامّة للمدنيين من أجل شرائها.
وقد انطلق المشروع في سنة 2012 بعد شراكة بين الأطراف الثلاثة؛ إذ دخل الإماراتيون المشروع بتكلفة 49% من القيمة المالية عبر صندوقهم الاستثماري «أعبار»، بينما شارك الجزائريون بالباقي ممثّلين بمؤسسة تنمية صناعة السيارات التابعة لوزارة الدفاع، بالإضافة إلى الشرطة الوطنية لصناعة السيارات، فيما اكتفى الشريك الألماني بالجانب التقني التكنولوجي من خلال شركة «دايملر».

شاهد:

مصنع مصنع سيارات مرسيدس بنز بالجزائر

الشراكة مع المؤسسة العسكرية الجزائرية لا تنحصر فقط في مجال السيّارات، بل إن حجم الاستثمار في هذا المجال لا يُقارن مع الأرقام الفلكيّة لصفقات السلاح التي تتمّ بين الجيش وشركات الأسلحة الألمانية؛ إذ احتلّت الجزائر سنة 2017 المرتبة الأولى في قائمة مستوردي السلاح الألماني، وبلغ حجم الاستيراد رقمًا فلكيًّا يقدّر بـ1.36 مليار يورو، متفوّقة على عدّة بلدان تخوض حروبًا ونزاعات مسلّحة كالسعودية ومصر والإمارات.

وحسب الصحافة الألمانيّة فقد وقّع الطرفان على عقد طويل الأمد يستمر لـ10 سنوات بقيمة 10 مليار يورو، في مقابل الحصول على ناقلات جند من طراز فوكس وفرقاطات عسكرية، وتدريبات للقوات البحرية الجزائرية وفرق مراقبة الحدود، بالإضافة إلى المركبات والمدرّعات وغيرها، وأشارت الصحافة الألمانية إلى أنّ سبب هذا الانفاق السخيّ على التسليح الألماني في ظلّ أزمة اقتصادية تعانيها الجزائر يرجع إلى التهديدات الإرهابية المحتملة في حدود الجزائر الشرقية (ليبيا) والجنوبية (مالي)، بالإضافة إلى وجود سباق تسلّح مع الجار المغربي.

وأوضحت تقارير صحافية أنّ الجزائر منذ نهاية التسعينات بدأت في التخلّي عن الاعتماد التامّ على السلاح الفرنسي واتّجهت إلى تنويع مصادر سلاحها، والاعتماد أكثر على شركاء جدد، أبرزهم ألمانيا وروسيا والولايات المتحدة.

حلول «النقد الدولي» لإنقاذ اقتصاد الجزائر.. علاج مؤجل ونتائج ضبابية