رغم كُل الجهود التي قامت بها ألمانيا لمُساعدة اللاجئين، إلا أن الواقع اليوم يبدو مُقلقًا أكثر من أي وقت مضى؛ فقد ازدادت الاعتداءات على اللاجئين بنسبة 40% عمَّا كان عليه الحال في 2014، هذا غير أن حزب «البديل» الألماني المُتطرف والمعادي للأجانب حقق فوزًا تاريخيًّا في ثلاث ولايات ألمانية.

وبلا شك فإن انتصارًا كهذا لا يُمكن إلا أن يعتبر انتصارًا لليمين المتطرف الذي يستمد أفكاره من النازية، والذي عاد في ثمانينيات القرن الماضي من خلال فرق موسيقية تُمجد «النازية» بين الألمان وتنشد من أجل أن تكون «ألمانيا للألمان» فقط، تمامًا كما يُطالب حزب «البديل» اليوم، فالعنصريّة آخذة في الانتشار أكثر وأكثر كما يكشف فيلم «أسود على أبيض» الذي حاول فيه «جُنتر فالراف» أن يتقمص شخصية مُهاجر صومالي ليفضح هذه العنصريّة بشكل «إبداعي».

في هذا التقرير نكشف شيئًا بسيطًا من الحقائق المقلقة حول التطرف في ألمانيا.

اليمين المتطرف الألماني

الضربة القاضية Kraftschlag

ليس هناك وسيلة تنافس الموسيقى في تجنيد الشباب، بل ويُمكن سماعها مرة ومرتين وثلاثًا دون كلل ولا ملل، ولأنها كذلك فقد ظهرت في ألمانيا منذ ثمانينيات القرن الماضي موسيقى الروك اليمينيّة والتي تستقي أفكارها من النازيين الجدد وتُحاول تمجيد «ألمانيا النازية».

«الضربة القاضية» هي من أقدم وأشهر الفرق الموسيقية «اليمينية» وأكثرها تأثيرًا على الساحة، فقد تأسست عام 1989 وحققت إصداراتها شهرة عالمية بين أعضاء الجماعات الداعية إلى سيادة البيض من خلال شعار «السيادة للبيض White Power» في الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والنرويج وبالطبع ألمانيا.

بعض إصدارات الفرقة تصل مبيعاتها إلى 10 آلاف أسطوانة مدمجة (CD) رغم التضييقات والمنع كما يؤكد أحد المسوّقين؛ إذ إنه أكَّد في مقابلة مع «دآنيل شفارتسر» في فيلمه «الإرهاب الأبيض» بأنَّه كان في السجن ثلاثة أشهر بتهمة الترويج للعنف، إلا أنَّه خرج وهو مُصر على الاستمرار في توزيع هذه الموسيقى التي ستحمي ألمانيا ومستقبلها على حد قوله.

أحد أشهر إصدارات فرقة «الضربة القاضية هي «عاهرات الأجانب» – بالألمانية Ausländerhure – والتي يحرّضون من خلالها ضد كُل من تتزوج من أجنبي، كما يحرّضون بالطبع ضد اللاجئين والأجانب وكُل من يُساندهم. في إصدار آخر بعنوان: «شعب واحد، ومملكة واحدة، وقائد واحد»، يعبّرون بشكل واضح وصريح عن حُبهم وولائهم لقائدهم «الأبدي»: أدولف هتلر!

على «يوتيوب» يبدو واضحًا أنَّ بعض إصداراتهم قد وصلت إلى أكثر من 100 ألف مُستمع، وهؤلاء ليسوا وحدهم بالطبع، ففي عام 2006 وحده كان هناك أكثر من 200 حفل موسيقى لفرق متطرفة، هذا غير الإحصائيات التي تقدر بأن هناك 1200 إصدار «متطرف» تم نشره من عام 1990 حتى 2006.

أسود على أبيض Schwarz auf Weiß

الاستماع لموسيقى الروك «اليمينيّة» لا يمكن أن يكون مُجرد «ذوق فني» فهو يُعبر عن فِكر متطرف ونمط حياة لا يقبل الآخر، بل ويُطالبون بترحيل الأجانب من ألمانيا، فكيف سيقبلون بتوظيفهم أو حتى بتأجيرهم المنازل؟

جُونتر فالراف Günter Wallraff هو من أشهر المحققين الصحفيين في ألمانيا وقد ذاع صيته بسبب تحقيقاته التي يقوم بها وهو متنكر باسم وشكل مُختلف وقد قام بتحقيقات عديدة مثيرة أشهرها فضحه لصحيفة «داس بيلد Das BILD» الألمانية وهي من أكبر الصحف الصفراء في ألمانيا وهي نفسها التي تحرض ضد المُسلمين في كثير من الأحيان.

في عام 2009 ظهر فيلم «أبيض على أسود» – بالألمانية Schwarz auf Weiß – الذي حاول «فالراف» فيه من خلال كاميرا سريّة وتغيير شكله أن يفضح العنصرية تجاه «السود» بشكل خاص والأجانب بشكل عام من خلال جولات متعددة قام بها في ألمانيا باعتباره مُهاجرًا صوماليًا يبحث عن العمل تارة ويريد تأجير منزل تارة أخرى، أو حتى باعتباره «إنسانًا» يسأل عن نتيجة مباراة كرة قدم أو إمكانية تدريب كلبه في نادي كلاب ألماني.

اليمين المتطرف الألماني

في إحدى مُحاولاته لتأجير منزل في إحدى المدن الألمانية، لم تستطع صاحبة المنزل أن تميّز أصله من حديثه على الهاتف فقط، فقد كان يتحدث الألمانية بشكل جيّد – كأجنبي -، حتى التقت به فكانت الصدمة بالنسبة لها لأنه «أسود» كما صّرحت لفتاة ألمانية كانت تعمل سرًا مع «فالراف» وكانت مزوّدة بكاميرا سريّة كذلك. ولم تكتف بذلك، بل راحت تُعبر لها عن صخبها من «السود» قائلةً: «لا يُمكن لشخص مثل هذا أن يكون ملائمًا في هذا المنزل، إنه أسود أسود، وهذا سيء جدًا».

لم تكن رحلة فالراف سهلة، فقد تعرض للكثير من الإهانات في رحلته في «شرق ألماني»، ففي مدينة كوتبوس مثلًا، أراد أن يسأل مُشجعي كرة القدم عن الفائز في مُباراة كانوا عائدين منها فما كان منهم إلا أن رفضوا الحديث معه أو إجابته: «انصرف من هنا»، «غانا غلبت»، «عد إلى أفريقيا» وفوق هذا وجد نفسه يتعرض للمضايقات في داخل القطار حتى تدخلت الشرطة لحمايته.

في ختام سلسلة مغامراته، قرر «فالراف» مُتخفيًا تحت بشرته السوداء «المصطنعة» أن يذهب، مثل أي ألماني، للسهر في إحدى الحانات، هناك تعرّف على فتاة ألمانية وما أن قرر الرقص معها حتى قام أحدهم لضربه بعد أن كان الجميع ينظر إلى ذلك «الأسود» بغرابة، هناك علت الأصوات مُطالبة «فالراف» بالخروج فورًا، بما في ذلك صاحبة الحانة نفسها، وفعلًا وبعد أن وجد نفسه «مُهددًا» خرج مطرودًا.

 صعود حزب «البديل» المتطرف

فيلم «أسود على أبيض» لم يسلم من النقد، حتى من قبل السود في ألمانيا والذين يُناضلون ضد العنصرية مُنذ 25 عامًا في ألمانيا فالفيلم لم يذكرهم بأي كلمة، كما جاء في تقرير لموقع صحيفة «دير شبيغل»، ولكن هل هذا هو المُهم حقًا؟

في الواقع، فإن العنصريّة تتنامى بشكل مقلق جدًا حيث سجلت الشرطة الألمانية منذ بداية عام 2015 وحتى شهر نوفمبر 12650 جنحة قام النازيون الجدد واليمين المتطرف بها، كما أن الشرطة تحقق حاليًا مع أكثر من 6000 متهم ولكنها لم تعتقل فعليًا إلا 183 وذلك بحسب تقرير لموقع «تاغيس شبيغل» كان قد نُشر في يناير (كانون الثاني) 2016، والذي يؤكد أنَّ الاعتداءات قد زادت بنسبة 40% عن عام 2014.

اليمين المتطرف الألماني

هذه الإحصاءات ليست مُجرد أرقام فلكل رقم حكاية ومُعاناة، وهو ما يُحاول القائمون على  مشروع «يوميات الأرض الباردة» – بالألمانية: Kaltland-Chronik – إيصاله للجمهور من خلال خارطة تفاعلية ترصد كُل الاعتداءات التي يقوم بها اليمين المتطرف تجاه اللاجئين أو مُناصريهم، فبمجرد النقر على مدينة ما، سيظهر رابط يوصلنا إلى خبر يشرح تلك الحادثة مع شيء من التفصيل في القضيّة. الأمر المقلق الأكثر أن هذا الرصد يجعلنا أكثر إدراكًا لخطورة ما يحصل في ألمانيا ولتنامي قوة المتطرفين حيث إن عدد الاعتداءات في شهر فبراير الأخير فقط (2016) وصل إلى أكثر من 400 اعتداء في شهر واحد فقط.

الأكيد أن وضع اللاجئين في ألمانيا لن يكون سهلًا، فسياسة الترحيب التي تبنّتها ميركل في البداية أثارت صخب وقلق فئات واسعة من الألمان، هذا القلق كان فرصة ذهبيّة لحزب «البديل من أجل ألمانيا» – بالألمانية Alternative für Deutschland –  وهو من الأحزاب المناهضة للمُسلمين والأجانب إذ جعل «منع الحجاب في المؤسسات العامة والجامعات» وكذلك الخروج من منظومة الاتحاد الأوروبي وفوق ذلك السماح للشرطة الألمانية بإطلاق النار تجاه كُل من يحاول دخول ألمانيا بشكل غير قانوني – كاللاجئين مثلًا – ضمن برنامجه الانتخابي الأخير، ليحصل في آخر انتخابات، مارس (آذار) 2016 التي أجريت في ثلاث ولايات ألمانية على أفضل نتائج مُنذ انطلاقته عام 2013.

السؤال الذي يطرح نفسه، ماذا لو تنامت قوّة حزب كهذا أكثر فأكثر، هل سنشهد ألمانيا نازية من جديد؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد