حسمت الحكومة الألمانية أمرها في اعتبار كل من المغرب والجزائر وتونس «دولًا آمنة»؛ بغية ترحيل اللاجئين المغاربيين بشكل أسرع، بعدما صوتت الأغلبية البرلمانية أمس الجمعة، لصالح القانون المثير للجدل، الذي عرض على «مجلس الولايات» (الغرفة الثانية) من أجل المصادقة عليه للمرة الثانية، بعد أن سبق تمريره بالبرلمان الألماني (بوندستاغ).

ماذا يعني أن الدول المغاربية دول آمنة؟

مثلت الأزمة السورية منذ بدايتها لكثير من مواطني شمال إفريقيا تذكرة ذهبية للهجرة إلى أوروبا، بحثًا عن حياة أفضل، وقد ونجح الآلاف من البلدان المغاربية في بلوغ مرادهم والحصول على صفة «لاجئ» بألمانيا؛ عبر انتحال صفة اللاجئين السوريين، لكن يبدو أن طريق الهجرة أغلق أخيرًا في وجه القادمين الجدد، بعدما أعلن البرلمان الألماني كلًا من المغرب والجزائر وتونس دولًا آمنة.

بحسب الدستور الألماني فإن الدول الآمنة هي البلدان التي تعرف أوضاعًا سياسية، لا يتعرض فيها الناس لانتهاكات، أو اضطهاد سياسي، أو تعامل لا إنساني. وبحكم هذا التصنيف لا يستحق القادمون الجدد من المغرب والجزائر وتونس، صفة اللجوء، وفق القانون الألماني. وبالتالي تنعدم فرصة اللجوء.

وتبعًا لهذا الإجراء أيضًا، يرفض طلبات لجوء الذين لا يملكون أوراقًا ثبوتية، أو طلبات لجوء المواطنين المغاربيين التي لم يحسم بعد البت فيها؛ مما يعني أن هؤلاء ينتظرهم الترحيل.

وقد بدأت ألمانيا بالفعل منذ أسابيع في ترحيل عدد من مهاجري شمال إفريقيا إلى دولهم، بعدما توصلت إلى اتفاقات مع السلطات المغاربية، يتم بموجبها استقبال المواطنين المرحلين والتحقق من هوياتهم.

وكانت وزارة الداخلية الألمانية، قد سجلت 5272 شخصًا، قادمين من المغرب والجزائر وتونس؛ بحثًا عن اللجوء في ألمانيا، منذ مطلع العام الجاري حتى نهاية شهر مايو (أيار) الماضي. الأمر الذي يعني أن الأغلبية الساحقة لهذه الطلبات سترفض، بعد سن القانون الجديد، الذي يصنف المغرب والجزائر وتونس كدول آمنة.

ويعترف مسؤولو حكومة «ميركل» بأن عملية الترحيل ليست بالسهلة أمام الرأي العام الألماني، الذي يشتكي من بطء إجراءات ترحيل المهاجرين، الذين لم تقبل طلباتهم نحو دولهم الأصلية؛ إذ يستدعي الموافقة على قرار الترحيل المرور في دوامة إدارية معقدة، كما أن المهاجرين المعنيين غالبًا ما يعلنون رفضهم للعودة، ويسعون إلى التملص بأية طريقة، فضلًا عن أن الدول المعنية لا تبدي تعاونًا في استقبال مواطنيها.

بماذا تعلل ألمانيا اعتبار هذه الدول آمنة؟

منذ بداية السنة الجارية، أثير الجدل في ألمانيا حول اعتبار، المغرب والجزائر وتونس، دولًا آمنة، وقدمت الأحزاب السياسية الألمانية حيال هذا التصنيف مواقف متباينة، قبل أن يتفق معظمها أمس حول القرار.

 

تقول الحكومة الاتحادية؛ في سياقها تعليلها لهذا التصنيف الجديد، إن «طلبات اللجوء المقدمة من شمال إفريقيا لا تتوافق وشروط اللجوء الإنساني في ألمانيا، وهو ما يؤثر على غيرهم من مقدمي الطلبات، الذين يحتاجون فعلًا إلى الحماية».

كما تعتبر الحكومة الألمانية الدول المغاربية الثلاث المعنية «مستقرة سياسيًا نسبيًا، ولديها فعالية دستورية موجودة»، وتضيف أيضًا بأنها تخلو نسبيًا من مشاكل الاضطهاد السياسي، والتعذيب، والعقوبات المهينة واللاإنسانية، ولا يخشى على قاطني هذه البلاد من نزاعات مسلحة.

ويظهر واضحًا أن رغبة السياسة الألمانية من استصدار هذا القانون المصنف للبلدان المعنية كدول آمنة، هو الحد من المهاجرين القادمين من هذه البلدان؛ نتيجة الاستياء الذي يطغى على الرأي العام الألماني تجاه هؤلاء، خصوصًا بعد التحرش الجماعي في «كولونيا»، الذي تبين فيه تورط المهاجرين المغاربيين، وفق معطيات الشرطة الألمانية.

من جانب مقابل، لاقى التصنيف معارضة شديدة من قبل حزب «الخضر»، الذي صوت ضد قانون إدراج المغرب والجزائر وتونس ضمن الدول الآمنة، معللًا قراره بأن هذه الدول «لا يمكن اعتبارها آمنة؛ لأنها لا تزال تشهد خرق الحقوق الإنسان، خاصة تجاه الصحفيين والمدونين والنساء والمثليين الجنسيين».

ويذكر تقرير حكومي، يشخص وضع البلدان المعنية بهدف البث فيها، أنه بالرغم من وجود خطر حقيقي يهدد حياة الناس بها، غير أن هناك مشاكل عديدة، مثل التمييز ضد المرأة، وعمالة الأطفال أو العقوبة التعسفية بحق المثليين.

ويفصل نفس التقرير في أن الجزائر تعني من التمييز ضد المرأة ونقص في رعاية الأطفال، وأن المغرب يتخذ إجراءات تعسفية ضد الحرية الجنسية، ويشهد انتشارًا لعمالة الأطفال والقاصرات، فيما لا تزال تونس تمارس التعذيب ضد بعض المعتقلين لديها.

هل أغلق اللجوء تمامًا أمام المواطنين المغاربيين لدى ألمانيا؟

تعرف اتفاقية اللاجئين المعمولة سنة 1951، والمعدلة سنة 1976، اللاجئ بأنه كل «شخص يوجد خارج بلد جنسيته أو بلد إقامته المعتادة، بسبب خوف له ما يبرره من التعرض للاضطهاد؛ بسبب العنصر، أو الدين، أو القومية، أو الانتماء  إلى طائفة اجتماعية معينة، أو إلى رأي سياسي، ولا يستطيع؛ بسبب ذلك الخوف، أو لا يريد أن يستظل، رجل كان أو امرأة أو طفل بحماية ذلك البلد، أو العودة إليه؛ خشية التعرض للاضطهاد».

ومن خلال هذا التعريف، فإن التعرض للاضطهاد؛ نتيجة الحرب، هو فقط أحد مبررات اللجوء الإنساني لدى البلدان المشاركة في الاتفاقية، التي من بينها دول الاتحاد الأوروبي، وهناك مبررات أخرى تستحق اللجوء، مثل الخوف من الاضطهاد؛ بسبب التوجه الديني، أو الجنسي أو السياسي. وبالتالي يبقى للمثليين، والمتحولين دينيًا، والمعارضين السياسيين، والصحافيين الحقوقيين من البلدان المعنية فرصة قبول طلب اللجوء في ألمانيا، على الرغم من القانون الجديد.

الترحيب الشعبي باللاجئين اللجوء

صرح، في ذات السياق، رئيس مكتب المستشارية، «بيتر ألتماير»، للقناة الأولى الألمانية، بأن «اللجوء سيظل ساريًا في الدول المغربية الثلاث، ويتسنى للأشخاص المطاردين في هذه البلاد الحصول على لجوء في ألمانيا»، منبهًا إلى أن القانون الجديد لا يهدف إلى إغلاق باب اللجوء تمامًا أمام البلدان المعنية، وإنما لإرسال إشارة واضحة للمواطنين هناك، مفادها أنه ليس مجديًا القدوم إلى ألمانيا.

لكن السلطات الألمانية تشترط لقبول طلبات اللجوء من مهاجري المغرب والجزائر وتونس، تقديم أدلة تؤكد ما يعانونه من اضطهاد أو مخاطر أخرى.

وبسبب تضاؤل فرص اللجوء أمام قاطني شمال إفريقيا لدى ألمانيا، وإغلاق طريق «تركيا ـ البلقان»، صار المهاجرون المغاربيون في الآونة الأخيرة يتجهون نحو إيطاليا عبر طريق ليبيا، وكان قد سجل الأسبوع الماضي غرق 700 مهاجر قرابة السواحل الإيطالية، منهم مغاربة وجزائريون.

أقرأ أيضا: موسم الهجرة إلى الشمال: كيف غدت «جبة» اللاجئ السوري طريقًا للهجرة؟

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد