قبل ثلاث سنوات مضت، كانت أحياء مدينة غرداية الجزائريّة: الحفرة، والمجاهدين والحاج مسعود والثنية وبابا سعد تعيش الجحيم، نتيجةً لأعمال العنف التي شهدتها المُحافظة، وقد أسفرت عن مقتل أكثر من 22 شخصًا وجرح العشرات، ولعبت وقتها وسائل التواصل الاجتماعي دورًا كبيرًا في توثيق الحدث وتأجيجه أيضًا. وبالعودة إلى شريط الأحداث، اندلعت موجة العنف بين العرب المالكين وبني ميزاب الإباضيين في مارس (آذار) من سنة 2014 بمدينة غرداية، بسبب مناوشات بين شباب من الطائفتين تطوّرت فيما بعد، لتندلع مجددًا وبوتيرةٍ أعلى قبيل منتصف ليلة الثلاثاء السابع من يوليو (تموز) 2015، وتستمر أسبوعين مخلفةً خسائر مادية وبشرية جسيمة.

 وتركزت أعمال العنف في مدينة القرارة وبريّان – شمال شرقي محافظة غرداية – إحدى أكبر مدن بني ميزاب، لتنتقل الشرارة إلى عاصمة الولاية غرداية وبريّان، ممّا استدعى تدّخل الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة ليدعو إلى عقد اجتماعٍ  أمنيّ طارئٍ ضمّ كلًا من قائد أركان الجيش، وقائد جهاز المخابرات السابق، وقائد جهاز الأمن الوطني، وقائد جهاز الدرك ورئيس الحكومة، ووزير الداخلية لمناقشة التطورات المتسارعة والاشتباكات التي وقعت بين السكّان العرب والأمازيغ في مدينة غرداية، وقد كان نتاج الاجتماع إعلان مدينة غرداية منطقة عسكرية، وتولية الجيش مسؤولية أمنها.

بعدها بثلاث سنوات من موجة العنف تلك، تنزل «ساسة بوست» إلى محافظة غرداية لتنقل لك الأوضاع في المدينة المنكوبة سابقًا.

اقرأ أيضًا: 5 أجوبة تخبرك عن أحداث غرداية الأخيرة بالجزائر

غرداية.. عودة الحياة إلى السكّان بعد «مشاهد الرّعب»

عاشت محافظة غرداية التي تبعد 600 كلم جنوبي الجزائر العاصمة منتصف سنة 2015، وبالضبط في شهر رمضان على وقع أحداث عنف تسببت بها المواجهات العِرقية بين العرب وبني ميزاب، والتي راح ضحيتها ما لا يقل عن مقتل 22 شخصًا وجرح ما يزيد عن 700 آخرين، بينهم عشرات من قوات الشرطة والدرك. وإن كانت تلك الأحداث ليست هي المرة الأولى التي تنشب فيها مواجهات بين مختلف المكوّنات الثقافيّة داخل مجتمع غرداية، فقد سجّلت المدينة اشتباكات بين العرب وبني ميزاب منذ مارس 2008 خلّفت مقتل ثلاثة أشخاص، وكانت مباراة في كرة القدم هي السبب.

صورة من أحداث غرداية 2015.

في زيارة «ساسة بوست» إلى مدينة غرداية؛ تغيرّت ملامح السواد التي كست المدينة عقب الأحداث الأخيرة قبل ثلاث سنوات والتي تناقلتها وسائل الإعلام؛ لتعود الحياة لتدبّ بالمدينة التجارية من جديد، وترجع الأسواق والشوارع إلى سابق عهدها. أثناء الزيارة؛ صادفنا أحد التجار الميزابيين، الذي استقبلنا في متجره بابتسامة بريئة ليعود بنا إلى تفاصيل اليوم الأسود – حسب وصفه – بعد أن تسببت الأحداث في حرق منزله: «إنّ الفتنة تلك التي أصابت غرداية كلّفت الجزائر غاليًا؛ لقد مسّتنا في أغلى ما نملك، مسّت أمننا واستقرارنا، لكن الآن الحمد لله بفضل جهود الجيش الوطني والأمن تغيّر كل شيء، وعادت لنا الروح والأمل لنبني المدينة من جديد».

في الشارع نفسه التقينا بالشاب المالكي «مسعود .ب» الذي حُرق متجر أبيه الذي كان يعيل عائلته، ليحدّثنا عن سوق غرداية الشهير أثناء الأحداث: «لقد كان السوق كتلة من لهب، جميع الدكاكين والمنازل المحيطة حُرقت، كانت أشبه بحرب، إذ لم نكن نعيش في غرداية بل كنا حقيقةً في سوريا أو العراق» وعن حال السوق التجاري – أشهر المواقع في غرداية –: «اليوم الحمد لله عادت الحياة لهذا المرفأ المهم، بل عاد السواح أيضًا، الآن صار بإمكاني أن أعيل عائلتي، وأحفظ تركة والدي».

في السوق الأسبوعي بوسط مدينة غرداية، تواصلت زيارتنا لنلتقي بالسائح الألماني «بيتر» الذي أعرب عن سعادته بتواجده بالمدينة؛ كما ثمّن جهود مصالح الأمن وسكان المدينة في إعادة الاستقرار لمدينة غرداية.

جديرٌ بالذكر أن السلطات الجزائرية أفرجت شهر يوليو (تموز) الماضي عن أبرز المعتقلين على قضية أحداث العنف في محافظة غرداية؛ ولا تزال المطالبات لإطلاق سراح العشرات من الموقوفين على ذمة القضية.

اقرأ أيضًا: بعد أحداث ولاية غرداية بالجزائر.. ماذا تعرف عن العقيدة الإباضية؟

الزربيّة توّحد العرب وبني ميزاب في غرداية

عاشت مدينة غرداية افتتاح الطبعة الخمسين لعيد الزربيّة، بمشاركة عدة محافظات جزائرية ومشاركةٍ مغاربيةٍ من كلٍ من تونس وليبيا، وقد أعطى إشارة انطلاق التظاهرة التي حضرها «ساسة بوست» وزير السياحة والصناعة التقليدية الجزائري «حسن مرموري» رفقة والي المحافظة «عز الدين مشري» وتضمّن الاستعراض الافتتاحي للعيد الوطني للزربية في طبعته الخمسين حضورًا شعبيًا واسعًا، اجتمعت فيه العمامة الشعانبية مع الطاقية المزابية، في مشهد يعكس الوحدة التي باتت المحافظة تعيشها بعد ثلاث سنوات من أحداث العنف التي شهدتها غرداية.

ويعتبر عيد الزربية الذي يحمل هذه السنة شعار «الزربية امتداد حضاري ورهان اقتصادي وتكريس للوحدة الوطنية» تقليدًا راسخًا منذ أكثر من 50 سنة، لتنمية الصناعة التقليدية خاصة النسيجية منها؛ كما يعدّ فرصةً لتلاحم عرشي الشعانبة وبني ميزاب.

وخلال كلمته بمناسبة افتتاح هذه التظاهرة الاقتصادية والثقافية، أشاد وزير السياحة والصناعات التقليدية «حسن مرموري» بالجهود في دعم الاقتصاد المحلي وتنشيط السياحة كما أشاد بالوضع الأمني المستقر الذي تشهده المحافظة والروح التعاونية بين أطياف المجتمع ومكوناته في غرداية.

تجدر الإشارة إلى أن أغلبيّة العائلات في مدينة غرداية تملك منسجًا خاصًا بها، إذ يعدّ من بين الأثاث المنزلي للبيت، كما تُحصي المصالح المبذولة من طرف النساء الماكثات في البيوت بالجزائر العميقة في ضمان استمرارية الصناعة التقليدية الخلّاقة للثروة، إذ تُحصي الولاية أكثر من 14 ألف امرأة حرفيّة مختصّة في صناعة النسيج، وتقوم النسوة بتعليم بناتهن خلال العطل خاصة الصيفية منها للمحافظة على موروث الأجداد.

وينتظر هذه السنة أن يتوافد أكثر من 10 آلاف سائح لولاية غرداية خلال العطلة الربيعية وعيد الزربية، الذي ستتواصل فعالياته إلى غاية الثاني والعشرين من مارس (آذار) الجاري.

الأعراس الجماعية.. فرصة إبراز تماسك المجتمع في غرداية

مع بداية العطلة الربيعية ينطلق موسم الأفراح بمحافظة غرداية، وينطلق معها موسم الأعراس الجماعية، فخلال هذا الأسبوع فقط تمّ إجراء ستة أعراسٍ جماعية بخمس بلديات تابعة لمحافظة غرداية؛ وقد كان متوسط عدد العرسان بها أكثر من 20 عريسًا، ففي مدينة متليلي الشعانبة تمّ الاحتفاء بـ35 عريسًا دفعةً واحدة في حيّ الحديقة؛ وسط جوٍ بهيجٍ زادته روح التكافل والتعاون بين أطياف المجتمع بريقًا.

وعن تظاهرة الأعراس الجماعية في غرداية أكّد الشيخ «مختار رمّة» أحد أعيان المالكية في غرداية أنّ «نجاح الأعراس الجماعية مرتكز على فئة الشباب التي ما فتئت تسطر ملاحم في التعاون وتجسيد التكافل بينها» متمنيًا أن يحتذي شباب باقي المحافظات الجزائرية حذو شباب غرداية ويعملوا على النهوض بمحافظاتهم، وأعرب «ياسين» أحد عرسان الزفاف الجماعي عن سعادته البالغة بالمناسبة؛ منوّهًا للجهود المبذولة من أجل توحيد أطياف المجتمع بغرداية، من خلال هذه الأعراس الجماعية. كما ثمّن القارئ الجزائري «لسود حمزة» الأعراس الجماعية التي باتت تشكل نفَسًا للشباب من خلال المساهمة في رفع غبن التكاليف الصعبة التي باتت تنفّر الشباب الجزائري عن الزواج؛ ونوّه أيضًا إلى رجوع الصورة الحقيقية لولاية غرداية بعد الأحداث الأليمة.

وفي مدينة القرارة ذات الأغلبية الميزابية؛ تم تتويج 15 عريسًا دفعةً واحدة بحضور شعبي كبير، وفي حديثه مع «ساسة بوست» قال عضو المجلس الولائي والمكلف بالإعلام على مستوى المحافظة «طرباقو علي» إنّ «محافظة غرداية استعادت عافيتها وتعيش هذا الشهر على وقع الأفراح، ما بين عيد الزربية الذي يجمع كل أطياف المدينة، وما بين الأعراس الجماعية التي باتت تشكل النقطة المشتركة بين العرب والأمازيغ في المحافظة»، مؤكدًا أن هذه النتائج التي نلمسها اليوم من تحسن في الوضع الأمني، ترجع للجهود المبذولة من طرف والي المحافظة والسلطات الأمنية التي تسهر على راحة الجميع وأمنهم.

اقرأ أيضًا: حل سحري لمقاومة العنوسة في الجزائر.. «ساسة بوست» يحضر عرسًا جماعيًا وينقل لك أجواءه

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد