تقول الحكاية التي يذكرها المؤرخ والرحالة ابن بطوطة عن رحلته إلى بلاد الهند، إن السلطان شمس الدين التتمش حاكم سلطنة دلهي في الهند، كان يستعرض مماليكَ عرضهم عليه أحد التجار من بخارى وترمذ، فأعجبه جميعهم ما عدا مملوك واحد هو «بلبن»، الذي رفض السلطان ضمَّه للمماليك بسبب شكل وجهه وقصر قامته، فقال له بلبن: يا خوند عالم (أي يا سيدي العالم)، لمن تشتري هؤلاء المماليك؟ فأجابه السلطان: أشتريهم لنفسي، فقال له: إذن فاشترني لله عز وجل، فاشتراه السلطان لنفسه.

انضم غياث الدين بلبن إلى مماليك السلطان شمس الدين الذي حكم السلطنة بين 1211- 1236م، وعملَ أولًا في أعمال بسيطة مثل السقاية، وسرعان ما ظهرت مواهب الفتى القادم من تركستان تاركًا أهله وأصحابه، كان لعائلة بلبن مكانتها إلا أنه اختار الرحيل عن أهله للجهاد ضد المغول، فخطفه المغول وباعوه، وهكذا وصل إلى الهند ليلتقي السلطان التتمش، ويتدرج في المناصب ويصبح أحد المماليك الأربعين حول السلطان، وهو المجلس الذي شكله السلطان التتمش ليدعم حكمه، وقد عُرف هؤلاء المماليك بقوتهم وسيطرتهم على شؤون الحكم.

فرار الفتى ذي الأصل العريق.. للجهاد ضد المغول

وصل العرب إلى الهند للتجارة، وكانوا يدعون إلى الإسلام بشكل فردي، فكانت هناك جاليات من المسلمين على المدن الساحلية الهندية، واستمر وجودهم هناك حتى القرن الخامس عشر في مستوطنات أقامها الوافدون، ومنذ أيام الخليفة عمر بن الخطاب راودت الفاتحين فكرة فتح جزء من الهند، وهو المعروف الآن بالسند، منذ حكم الخليفة عمر بن الخطاب، لكنه خشي على المسلمين من ركوب البحر حينها، ثم عادت الفكرة من جديد في عهد الخليفة عثمان بن عفان، واكتملت الاستعدادات وتهيأت الظروف في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، فنجح محمد بن القاسم في فتح إقليم السند وواصل طريقه محاولًا ضم مملكة الهند الشمالية إلى الأراضي الإسلامية.

لكن وفاة الخليفة، ووفاة الحجاج بن يوسف الثقفي، غيَّرت الأحوال فولَّى الخليفة الجديد، سليمان بن عبد الملك، واليًا آخر على إقليم السند، وأرسل يطلب عودة محمد بن قاسم لتتوقف الفتوحات عند هذا الحد، بل تُثار القلاقل في إقليم السند نفسه، ولسنوات ظلت هذه الأراضي تحت سيطرة الخلافة الأموية ثم العباسية، إلى أن انفصلت عن الخلافة العباسية في ضعفها وأصبحت إمارة منفصلة.

توقف الزحف الإسلامي في الأراضي الهندية حتى ظهور فاتح مسلم جديد هو السلطان محمود الغزنوي (998-1030م)،  وكانت الدولة الغزنوية تحكم بلاد إيران وما وراء النهر، واستطاع محمود الغزنوي السيطرة على شمال الهند (التي تشكل اليوم دولة باكستان)، وأراضي البنجاب، حيث أسس مملكة قوية عاصمتها لاهور، واستولى على خراسان وبلاد السند ومنطقة خوارزم، واستمرت سيطرة الدولة الغزنوية على هذه المناطق حتى عام 1171م، حين سيطرت على أراضيها الدولة الغورية التي كانت تحكم جبال غور أو غورستان، فتمكن محمد بن سام الغوري من ضم المنطقة إلى حكمه ليؤسس سلطنة عاصمتها دلهي عام 1175م، وتكون هي المنطقة الوحيدة في الهند التي استطاع المسلمون حكمها مباشرة وتأسيس إمارات متعاقبة فيها. 

الخطوط الحمراء تمثِّل فتوحات دولة الغزنويين في الأراضي الهندية. مصدر الصورة

بعد عقود طويلة – في عام 1206م – وقع الحكم في يد قطب الدين أيبك، وهو أول من أرسى قواعد حكم المماليك في الهند، وفي عهد دولته توقفت التوسعات والفتوحات الإسلامية في الأراضي الهندية، وواجهت الدولة خطرًا كبيرًا؛ إذ كان المغول بقيادة جنكيز خان يتوغلون في العالم الآسيوي بسرعة عنيفة، وفي عام 1221م وصلت جيوش جنكيز خان إلى حدود الهند بعد أن غزت بلاد ما وراء النهر، وشرقي إيران وسلطنة خوارزم، ولم يدفع خطر المغول سوى انشغالهم بالجبهة الغربية، كما يذكر حسين مؤنس في كتابه «أطلس تاريخ الإسلام».

ثم عاد المغول بعد سنوات للهجوم فاستولوا على مدينة لاهور عام 1231م، وذبحوا سكانها وفر حاكمها إلى دلهي، حيث كانت إمارة التتمش – الذي تولى الحكم في السلطنة بعد قطب الدين أيبك – حاملة لواء الإسلام في شبه القارة الهندية في ذلك الوقت، وكان التتمش قد سعى لنيل اعتراف الخليفة العباسي، فمنحه الخليفة المستنصر لقبَ «يمين خليفة الله»، و«ناصر أمير المؤمنين»، وضُربت النقود باسم الخليفة العباسي بجوار اسم التتمش، وصارت «بلاد التتمش» وجهة مسلمي الشرق في خراسان وما وراء النهر، التي تمثل اليوم في أوزبكستان وأجزاء من شمال أفغانستان وتركمنستان وإيران، هروبًا من هجمات المغول.

ورأى السلطان التتمش براعة مملوكه فترقى بلبن في المناصب في عهد التتمش وأبنائه، حتى صار وزيرًا لناصر الدين التتمش، ولعبَ دورًا كبيرًا في عهده؛ إذ كان وزيره لعشرين عامًا، وسانده في البداية في الوصول إلى الحكم والاستيلاء على العرش الذي آل إلى رضية، بنت السلطان شمس الدين التتمش، وظل بلبن إلى جانب ناصر الدين وهو في الحكم، يُخمد الثورات التي قامت في عهده ويقود جهود صدِّ غارات المغول على الهند، فرد هجومًا كبيرًا على سلطنة دلهي عام 1245م، وكان المغول قد توغلوا في أراضي السند بقيادة مانكوخان، فكان بلبن على رأس القوات التي أرسلها السلطان لمواجهتم، وتكرر الهجوم على الأراضي الهندية عام 1257م، وكان بلبن هو قائد الجيش الذي واجههم أيضًا، وبموت السلطان ناصر الدين تولى الحكم من بعده بلبن عام 1266م.

تختلف الروايات حول تسلُّم بلبن للسلطة، يروي بعضها ابن بطوطة، ويقول إن بلبن قتل السلطان ناصر الدين وأخذ الحكم منه، وأخرى تقول إن السلطان مات موتة طبيعية، وإن بلبن تسلَّم الحكم بعده لأنه أقوى رجال الدولة آنذاك، ونحَّى أبناء السلطان عن الحكم.

صورة لمنمنمة تُظهر السلطان بلبن

الخوف من مصير بغداد

يحكي الدكتور عبد المنعم النمر في كتابه «تاريخ الإسلام في الهند» كيف بدأ السلطان بلبن حكمه بتصفية نفوذ المماليك الأربعين الذين تنافسوا على السلطة معه ومن حوله، فاستطاع أن يفرِّق قوتهم ويقضي على نفوذ كلٍّ منهم، ثم تفرَّغ لإخماد ثورات الهندوس ومواجهة هجمات المغول التي أولاها أهمية أكبر.

وفرض بلبن الأمن على الطريق الواصل بين دلهي والبنغال، وشقَّ طرقًا فيها خلال الغابات وتخلَّص من العصابات وقطاع الطرق المنتشرين في الطريق بين المنطقتين وبنى قلاعًا وأبراج مراقبة لتأمين الطريق.

ولجأ إلى بلبن أمراء وأبناء ملوك فرَّوا من هجمات المغول، من العراق وأذربيجان وفارس والشام، وكان بعضهم من أبناء الأسرة العباسية، وخصَّص لهم منطقة سمِّيت بمحلة عباسي، ومثلها محلة سنجري ومحلة خوارزم شاهي، ومحلة سمرقندي وعلوي وأتابكي، وغيرها من الأحياء التي أقام فيها بشكل خاص الأمراء والملوك القادمون من تلك الممالك.

صورة لعملات نقدية صكَّت في عهد السلطان بلبن. مصدر الصورة: ويكيبيديا

صدُّ هجمات المغول

نشر بلبن في مدن سلطنته مراقبين يعينهم بنفسه لإخباره بأحوال المدن وسياسة الولاة فيها، وكانت أولويته القصوى هي مواجهة المغول، فكان يستعد بتنظيم الدفاع عن الحدود، وتحصين المناطق الحدودية، وتجنيد أهل القبائل، وبنى جيشًا كبيرًا بقدرات سريعة للتحرك لصدِّ أي هجمات مغولية مفاجئة، وملأ بلبن مخازن كبيرة للغلال وصفها ابن بطوطة بعد تسعين عامًا في رحلاته فقال:«شاهدت الأرز يخرج من بعض تلك المخازن ولونه قد اسود لكن طعمه طيب»، وكانت كل هذه الجهود على حد قول السلطان:«حتى لا تتعرض دلهي لمصير بغداد التعس».

تمكن بلبن من صد هجوم قوي على إقليم السند عام 1279م، ولقب بعدها بـ«ألق خان» أي الأمير القوي، ثم فقد السلطان ابنه الأكبر محمد خان في هجوم على إقليم ملتان عام 1285م، ومات بعدها بسنتين فقط عام 1287م بعد أن حكم الدولة لحوالي عشرين عامًا، حزينًا على الابن الذي كان يعدُّه لخلافته.

كما حكى الرحالة ابن بطوطة عن مكارمه أنه بنى دارًا سمَّاها دار الآمن، وكان من يدخلها من أهل الديون قضى عنه دينه، ومن دخلها خائفًا أمنه السلطان، ويحكي ابن بطوطة أنه دفن في تلك الدار وقد زار الرحالة قبره هناك.

لم تستقر أحوال المملكة بعد وفاة بلبن، وقبله نائبه الذي أعده للحكم، فقد أوصى بلبن قبل وفاته بأن يتولى الحكم أحد أحفاده، وهو كي خسرو، ابن ابنه محمد، ولم تكن له خبرة بالحكم فلم يتمكن من السيطرة على زمام الأمور في المملكة، وسرعان ما نشب صراع كبير بين المتنازعين على السلطة حوله، وقُتل على إثر هذه الصراعات عام 1290م لتسيطر أسرة أخرى على الحكم، هي أسرة الخلجي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد