خلال الأيام الأولى للثورة السودانية التي اندلعت في 19 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، هدد نائب الرئيس السوداني، علي عثمان محمد طه، المعارضة، قائلًا: «النظام تحميه كتائب ظل –تابعة لجهاز المخابرات- ومجموعات كاملة تقف من وراء مؤسسات الدولة للدفاع عن الشرعية حتى ولو وصل الأمر للدماء». هذا التهديد جاء عقب اتساع دائرة التظاهرات في عدة مُدن، وإحراق المباني الحكومية ومقرات الحزب الحاكم، تزامنًا مع حملة اعتقالات طالت عددًا من رؤوس المعارضة، بينما اختفى عدد من المواطنين قسريًا في «بيوت الأشباح»، وهي الأماكن السرية التي كان يجري فيها تعذيب وإرهاب المعارضين لنظام عمر البشير.

وعقب سقوط النظام السوداني بعد أربعة أشهرٍ من التظاهرات، أطاحت الثورة مثلث الحرس القديم المتمثل في الإطاحة بوزير الدفاع ابن عوف، ورئيس الأركان كمال معروف –قريب البشير– ومدير المخابرات صلاح قوش، لتمتد بعدها حملة الاعتقالات التي شنها المجلس العسكري تحت ضغط الشارع ضد أبرز رموز النظام البائد، وكان على رأس القائمة نافع علي نافع، العقل المدبر لتأسيس «بيوت الأشباح» لتعذيب المعارضين السياسيين بعد إخفائهم قسريًا، عندما كان مديرًا للأمن العام ومديرًا للأمن الخارجي.

لكنّ المفارقة أنّ المجلس العسكري واجه اتهامًا علنيًا من «تجمع المهنيين» بإعادة العمل بنظام «بيوت الأشباح»، عقب أحداث فض اعتصام القيادة العامة الدموي في يوليو (تموز) الماضي، والتي اختفى على إثرها مئات السودانيين.

هذا التقرير يعود بك لقصة الجريمة الذي تفاخر بها النظام السوداني، ولماذا أصرت المعارضة السودانية على تقليص مهام جهاز المخابرات في «الوثيقة الدستورية» التي وقعها المجلس العسكري الانتقالي والمعارضة.

 نافع علي نافع.. العقل المدبر لتأسيس «بيوت الأشباح» وإدارتها

في عام 1969 وصل جعفر النميري إلى السُلطة عبر انقلابٍ بمشاركة من «الحزب الشيوعي» السوداني، فقام بحل البرلمان وحظر جميع الأحزاب السياسية، وبدأ السودان يرسم طريقًا علمانيًا متوافقًا مع أغلب الأنظمة العربية الحاكمة، بعدما سيطر الشيوعيون واليساريون والقوميون على حقائب الحكومة، تزامنًا مع تأسيس جهاز الأمن الوطني بصلاحيات كبيرة، والذي تحوّل من جهاز جمع معلومات خارجية إلى آلة قمع وحشية في الداخل.

كانت «بيوت الأشباح» هي إحدى أدوات الجهاز التي لم تنتشر بعد؛ والتي تمثلت في كونها معتقلات سرية يُختطف فيها المعارضون، ويتعرضون للتعذيب لفترات طويلة والسجن دون محاكمات مدنية.

نافع على نافع يتحدث لأول مرة عن «بيوت الأشباح»

تعرّض حُكم النميري لثلاثة انقلابات فاشلة قبل أن تطيحه انتفاضة أبريل (نيسان) عام 1985، والتي انحاز لها المشير حسن عبد الرحمن سوار الذهب، الذي كان وقتها وزير الدفاع، ثم حكم لمدة عام في الفترة الانتقالية وسلّم الحُكم طواعية بعد انتخابات حرّة جاءت بحكومة الصادق المهدي، ثم انقضّ عليها عُمر البشير بانقلابٍ عسكري عام 1989 بدعم من الجبهة القومية الإسلامية –الإخوان المسلمين– التي رأسها حسن الترابي.

ومع قيام ثورة الإنقاذ عيّن البشير علي نافع علي مديرًا لجهاز الأمن العام، وانضم إليه صلاح قوش ابن الحركة الإسلامية السودانية -أحد روافد جماعة الإخوان المُسلمين- باعتباره كان مسئولًا عن جهاز المعلومات الخاص بالتنظيم، بالإضافة لالتحاقه المُبكر بجهاز الأمن الداخلي لحزب المؤتمر الحاكم.

قاد الثنائي معًا تأسيس «بيوت الأشباح» التي استقبلت المئات من المعارضة خاصة أعضاء «الحزب الشيوعي»، ثم تورط الرجلان لاحقًا حين وجّه النظام المصري اتهامات مباشرة لهما بالتخطيط لمحاولة اغتيال الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك عام 1996 أثناء حضوره مؤتمر «منظمة الوحدة الأفريقية» بإثيوپيا.

ورغم أنّ الحكومة السودانية نفت ضلوعها في محاولة اغتيال الرئيس المصري، إلا أنها اعترفت رسميًا ممثلةً في رئيس جهاز الأمن ووزير العدل والنائب العام؛ بوجود «بيوت الأشباح» عقب التقرير الذي أعده مقرر حقوق الانسان في السودان، بتكليف من الأمم المتحدة عام 1995، والذي أعدّ فصلاً كاملاً عن الاعتقال داخل هذه الأمكنة.

يبرر وزير العدل السوداني الأسبق أمام الأمم المتحدة قصة إنشاء «بيوت الأشباح» بأنها تأسست على غرار «البيوت الآمنة» التي تمتلكها الحكومات الغربية، وأنّ جهاز الأمن السوداني كان يعمل في مبانٍ موقتة داخل الجيش دون أن يكون له مقرات لاحتجاز المعتقلين، لذا كان التدبير المثالي من وجهة نظر النظام حينها هو استخدام بيوت عادية سرية وسط الأحياء السكنية.

والقصة من وجهة نظر المعارضة تحمل أبعادًا أخرى لتسمية «بيوت الأشباح»؛ فقد تميزت بكونها أماكن اعتقال مجهولة، وغير معلوم عدد المعتقلين فيها ولا أسماءهم، أما من وجهة نظر نافع علي نافع الذي صرّح بها في لقاء تليفزيوني عقب الإطاحة به من منصبه: «لا أوّد أن أبرئ الجهاز وأجعله نقيًا أكثر من غيره، لكن وجود بيوت الأشباح أمر بديهي وما تبعه من قبضة أمنية في بداية نظام الإنقاذ ضد حركة العصيان المدني التي قادتها المعارضة من جهة، وضد الانقلابات العسكرية للجيش من جهة أخرى»، واللافت أنه أضاف ضاحكًا: «نحن لم نأتِ لنرحل».

وصلت إلى 5 محاولات.. من يقف وراء الانقلابات العسكرية المتكررة في السودان؟

كيف طوّع النظام الشريعة الإسلامية في خدمة «بيوت الأشباح»؟

عقب تولي البشير مجلس قيادة الثورة؛ أطلق منظومة قوانين «السُلطة الانتقالية» والتي جاء فيها: «يُحظر إبداء أية معارضة سياسية، بأي وجه، لنظام ثورة الإنقاذ الوطني»، ونص القانون أيضًا على إلغاء الأحزاب وتعطيل الدستور الذي أقره البرلمان قبل عام، وأعطى الحكومة كذلك «سُلطة الاعتقال التحفظي»، وهو اللفظ الموازي لـ«بيوت الأشباح».

حملت ديباجة دستور الحركة الإسلامية نصوصًا واضحة للمشروع الإسلامي: «نسعى لنشر الدعوة الإسلامية ورد الحاكمية لله.. ونتعهد أن نكافح بالإسلام العلمانية والماركسية والاشتراكية والديمقراطية المستنكفة»، وهو ما اعتبرته المعارضة وقتها بأن القانون يهدف لإجبارهم على الخضوع للنظام والقبول بهيمنته.

القانون الأخطر الذي رسم المشهد السوداني في ظل الحُكم الإسلامي هو قانون النظام العام»، والذي يعودُ إطلاقه في أواخر حُكم الرئيس النميري عام 1984 بهدف تطبيق الشريعة الإسلامية أثناء تحالفه مع الإسلاميين لضرب الشيوعيين، ويفرض القانون عدة محاذير تتعلق بتجريم السلوكيات الشخصية مثل: «الزِّي الفاضح، وشرب الخمر، والأعمال الفاحشة، والعروض المخلة بالآداب العامة». ولضمان سريان القانون، أنشأ فرع جهاز شرطة «النظام العام» والتي تحظى بضبطية قضائية لتقديم المُخالفين للمحاكمة، بالإضافة إلى صلاحيات إطلاق النار.

وفي زاوية أبعد من قصة تطويع الشريعة للحكم الدكتاتوري وتأصيل عمل «بيوت الأشباح»، يقول ر. تاج السر أحد المُقربين من زعيم «حزب الأمة» المعارض صادق المهدي لـ«ساسة بوست»: «فهم البشير للشريعة الإسلامية باعتباره مرجعية للحكم لم يتجاوز محطة الحدود، وبعد انضمامه لانقلاب الترابي انبهر بفقه متطرف تستند على «جواز قتل الثلثين لإصلاح الثلث، وهو فقه منسوب كذبًا للإمام مالك».

يُضيف تاج السر: «هذا الفكر كان يمثله علي عثمان محمد طه مدير مكتب البشير، الذى أقنعه بأهمية الإسراف في القتل باعتباره فضيلة إسلامية وجهاد في سبيل الله بدأ بمحاولة اغتيال حسني مبارك وانتهى بقتل 300 ألف في دارفور وحدها»، بحسب وصفه.

والمفارقة أنّ عددًا من الإسلاميين من داخل «الحركة الإسلامية» سقطوا في قبضة «بيوت الأشباح» إثر الصراع الذي نشب على الحكم بين البشير وحسن الترابي، زعيم الحركة الإسلامية عام 1999، فالترابي الذي يوصف بأنه عرّاب الإسلام الميكافيلي (الغاية تبرر الوسيلة) والذي صاغ فتاوى وأفكارًا لبقاء النظام، تعرض للاعتقال أكثر من مرة مع قيادات حزبه المعارض في بيوت جهاز الأمن –بتهمة التخطيط للانقلاب– على يد تلميذه صلاح قوش، الذي تمثّل دوره حينها بتقديم كافة الأسرار عن جناح «الحركة الإسلامية» المعارض للبشير، وإضعاف «الحركة الإسلامية» من الداخل، ليبدأ النظام مرحلة تصفية خصومه الاشتراكيين والإسلاميين معًا.

الدور الأكبر لجهاز المخابرات السوداني، باعتباره تابعًا لحكم إسلامي؛ تمثل في في تسليم الجهاديين لواشنطن في ظل فرض العقوبات على السودان، فقوش الذي أُسندت إليه مهام التنسيق مع الجهاديين الأفغان الذين استقروا في السودان برفقة زعيمهم أسامة بن لادن، زعيم تنظيم «القاعدة» الذي مكث في ضيافة الحكومة السودانية بين عامي 1990 و1996، وهي الصداقة التي استغلها مدير المخابرات.

فبحسب ما كشفته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، فإن الولايات المتحدة بعثت بطائرة خاصة لنقل مدير المخابرات السودانية إلى واشنطن في ظل قطع العلاقات بين البلدين، وقدّم الرجل الثاني في السودان معلومات تفصيلية عن الجهاديين العرب وتنظيم القاعدة الذي ساهم في تسليمهم، من دون علم وزير الخارجية السوداني.

تجدر الإشارة إلى أنّ أحد الصُحافيين السودانيين وثّق سياسة قمع نظام البشير منذ عام 1989 إلى عام 2016 في كتابه «التعذيب في السودان»، واشتمل على سجلات الانتهاكات التي دونتها السجلات الحقوقية الدولية والسودانية، بالإضافة إلى شهادات الذين تعرضوا للاغتصاب داخل سجون البشير وفي «بيوت الأشباح» سواء من النساء أو الطلبة، واعتمدت الدراسة على تقرير منظمات الإغاثة الدولية التي وثّقت قتل آلاف المدنيين بعد تعذيبهم في أماكن سرية، وأشهرها قضية الناشطة صفية إسحاق التي اتهمت النظام باغتصابها، وهي الحادثة التي لاقت صدًى دوليًا داخل الأمم المتحدة.

كيف عرقل جهاز المخابرات السوداني تسليم الحكم بعد الإطاحة بالبشير؟

بعد نحو أربعة أشهرٍ من سقوط النظام، استجاب المجلس العسكري لإحدى مطالب الثورة الرئيسية عبر المرسوم الذي أصدره الفريق أول عبد الفتاح البرهان بتغيير اسم الجهاز وتقليص صلاحياته، فيما أشارت «الوثيقة الدستورية» إلى تبعية الجهاز للمجلس السيادي ومجلس الوزراء خلال الفترة الانتقالية، ورغم تأكيد المجلس العسكري لـ«قوى الحرية والتغيير» بأنه لا عودة لقوش مرة أخرى، في إشارة إلى مشاركته في الحكومة الانتقالية، إلا أن دور الجهاز السيادي نفسه ساهم في عرقلة تسليم الحكم حتى بعد رحيل الرجل الأقوى منه.

في الوقت الذي هدد فيه «مجلس السلم والأمن» الأفريقي، المجلس العسكري بتسليم السلطة لحكومة انتقالية مدنية خلال 15 يومًا، كان مدير المخابرات السوداني في أول جولة خارجية لعضو من المجلس لإثيوبيا -بها مقر الاتحاد الأفريقي- التي أعلنت تأييدها لحراك الجيش، ثم تبعتها زيارة لمصر –تترأس الاتحاد الأفريقي- قبل يومٍ واحدٍ من إعلان السيسي لقمة أفريقية مُصغرة في القاهرة، أعلن فيها انقلابه على القرار القديم لـ«مجلس السلم والأمن»، ومنح عسكر السودان مهلة ثلاثة أشهر لتسليم السُلطة للمدنيين.

والزيارة جاءت عقب قيام تحالف «قوى الحرية والتغيير» بالتصعيد وإعلانه تعليق التفاوض مع المجلس العسكري واستمرار الاعتصام، وهي الأزمة التي دفعت مدير المخابرات السوداني لزيارة القاهرة للتشاور، ثم خرج السيسي بعدها بيوم وأعلن قراره، الذي منح العسكريين شرعية مُريحة للبقاء، وزاد من حدة الاستقطاب بين المجلس العسكري والثوار، خاصة بعدما اشترطت لتسليم السُلطة توافق كافة القوى السياسية.

على جانب آخر، فالمخابرات السودانية تواصلت مع مصر التي حشدت ستة رؤساء أفارقة (تشاد وجيبوتي ورواندا والكونغو والصومال وجنوب أفريقيا) لدعم المجلس العسكري، إلى جانب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، وممثلين عن إثيوبيا وجنوب السودان وكينيا ونيجيريا وأوغندا، التي لوّحت باستعداداها منح البشير حق اللجوء السياسي.

وبالرغم أنّ الوثيقة الدستورية ستضع جهاز المخابرات السوداني لأول مرة تحت سُلطة مدنية لها سُلطات كاملة للتحكم في الجهاز السيادي وإخضاعه، إلا أنّ عددًا ممن شاركوا في الثورة ما زالوا قيد الاختفاء، في وقتٍ يتهم «تجمع المهنيين» المجلس العسكري بإعادة العمل بنظام «بيوت الأشباح»، عقب أحداث فض اعتصام القيادة العامة الدموي في يوليو (تموز) الماضي، وهو ما يفتح الباب لدولة عميقة يديرها الحرس القديم في نظام ما بعد البشير.

من العداوة إلى التحالف.. كيف غيرت الثورة علاقة حميدتي بالجيش السوداني؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد