سلالم من الرخام الأبيض تعلوها تماثيل رومانية صُنعت حسب الطلب، فجأة يتناثر عليها بقع دماء جاءت رغمًا عن الجميع، لا حسب الطلب كالتماثيل. تعود بقع الدماء هذه لجياني فيرساتشي، لكنها اختفت الآن، أما القصر فما يزال باقيًا في مكانه شاهدًا على تاريخ عجيب تقاطعت فيه طرق العديد من البشر، اختلفوا في دوافع حبهم للقصر، لكنهم رحلوا جميعًا تاركين له عدة مآسٍ ليرويها.

يُعد قصر جياني فيرساتشي من أكثر الأماكن ازدحامًا بالسياح ومقصدًا لالتقاط الصور بعد البيت الأبيض مباشرة. وكان يُعرف في الأصل باسم قصر «كاسا كازورينا». أول غرائب هذا القصر أنَّه بُني في عام الكساد العظيم، لكن شابًا كان يبلغ من العمر 27 عامًا آنذاك، لم يطله الكساد.

قرر أولدن فريمان التقاعد من العمل وهو لم يبلغ الثلاثين من عمره، اعتمادًا على ما ورثه من أموال أبيه، الذي كان مدير حسابات شركة «ستاندارد أويل» عملاقة النفط، لمالكها إمبراطور النفط جون روكفلر. وفي إحدى رحلات الشاب للخارج زار قصر كريستوفر كولومبس، فقرر أن يشيد قصرًا شبيهًا به في ميامي. وبالفعل شيد نسخته من قصر كولومبس وسماه تيمنًا برواية سومرست موم «تحت شجرة الكازورينا».

لم يعش فريمان طويلًا ليتمتع بتحفته الفنيَّة، ومات شابًّا عام 1937. اشترى جاك أمسترادم القصر وحوَّله لفندق. ظل القصر فندقًا لقرابة 50 عامًا، حتى بيع عام 1989 لمالكٍ جديد. بعد ثلاثة أعوام من البيع الجديد وفي الوقت الذي كانت تعمل فيه دوناتيلا فيرساتشي مع المصور الفوتوغرافي بروس ويبر على تنظيم حملة إعلانية في ميامي؛ جاء أخوها لزيارتها قبل أن ينطلق في رحلة نحو كوبا.

Embed from Getty Images

يقول جياني لاحقًا إنَّه حين رأى القصر وقع في غرامه من النظرة الأولى، وقال لأخته إنه سيشتريه بأي ثمن. بالفعل اشتراه بما يزيد على ضعف ثمنه، واشترى لاحقًا فندقًا مجاورًا لهدمه وإضافة مساحته كحديقة وحمام سباحة ملحقيْن بالقصر. وضع جياني لمساته على كل زاويةٍ في القصر، فصار القصر قبلة للزوَّار وعارضات الأزياء الراغبات في أن يراهن جياني فيرساتشي.

جياني فيرساتشي.. إمبراطور الأزياء

وقفت الأميرة ديانا تنعاه قائلةً «لقد دمرني فقدان رجل عظيم وموهوب»، فبينما هي في وسط البحر الأبيض المتوسط مع صديقها الملياردير المصري دودي الفايد تلقَّت اتصالًا هاتفيًّا يخبرها بأن صديقها المقرب ومصمم أزيائها المفضل قد قُتل. قالت للفايد إنها تخشى أن يحدث لها مثل ما حدث لجياني، وتحققت مخاوفها بالفعل، فماتت في حادث سير بعد سبعة أيام فقط من حضور جنازة جياني.

ولِد جياني فيرساتشي عام 1946 لأسرة إيطالية تعمل في حياكة الملابس، أحب التاريخ الإيطالي القديم وعشق حياكة الملابس عن والديه، فقرر الجمع بين الاثنين في تصميماته للملابس والحقائب والمفروشات المنزلية. عمل في عدة علامات تجارية مشهورة وقدم من خلالها خطوط إنتاج لاقت رواجًا كبيرًا، حتى قرر في النهاية أن يُؤسس خطَّه الخاص وعلامته الخاصة.

افتتح متجره الذي يعرض فيه تصميماته عام 1978 في ميلانو، ومنذ اللحظة الأولى ظهر أسلوبه الفريد في التصميم فلفت إليه أنظار معظم مشاهير العالم. خاصةً أن جياني كان مهتمًّا بأن تكون تصاميمه مثيرةً للجدال لأنها غالبًا ما تكون كاشفة وجريئة، فاشتهر في عالم الموضة أن «جورجيو أرماني يُصمم ملابس للزوجات، أمَّا جياني فيُصمم ملابس العشيقات».

بعد نجاح المتجر البسيط دعمته عائلته لإنشاء شركتهم الخاصة لتصميم الملابس وإنتاجها، وأدخل عائلته بالكامل في الشركة. وعام 1982 توسعت الشركة لتشمل المجوهرات وحتى الأدوات المنزلية. ويُعد جياني أول من أدخل مفهوم عارضات الأزياء بقوة في مجال الترويج للملابس، ومعظم الأسماء الكبرى في عالم عرض الأزياء ظهرت لأول مرة مرتديةً فساتينه. قبل انتهاء حياته ببعضة أشهر كانت قد بلغت قيمة إمبراطوريته 807 ملايين دولار، و130 متجرًا راقيًا حول العالم.

أندرو كونانان.. عاشق الثراء وضحيَّته

عبر نافذة القصر المطلة على أحد شواطئ ميامي، كان يقف فتى وسيم رآه جياني في بدايات انتقاله لميامي، وفي نهاية حياته كذلك، أندرو كونانان.

ولد أندرو عام 1969، وكان نجمه لامعًا في طفولته نظرًا إلى ارتفاع معدل ذكائه عن أقرانه في السن نفسه. ونظرًا إلى ذلك التحق بمدرسةٍ خاصة يرتادها الأثرياء بمبالغ باهظة. لم يكن التحاقه بتلك المدرسة منحةً له كما ظن والداه، لكنَّها كانت بداية المتاعب. فمن أجل التأقلم مع الطلاب الأشد ثراءً منه، بدأ أندرو يسرد الأكاذيب حول نشأته وخلفيته، حتى إنَّه أقنع زملاءه بأن والده مليونير إسرائيلي، وليس رجلًا أمريكيًّا يعمل سمسارًا للأوراق المالية كما هي الحقيقة.

Embed from Getty Images

في سن العاشرة حفظ الفتى كتب دائرة المعارف كاملةً (إنسيكلوبيديا)، ما جعل عائلته تعلق عليه آمالًا كبيرة. لكن آمالهم بدأت في التراجع حين اكتشفوا عنه في سن التاسعة عشرة أنه مثلي الجنس. لم تتقبل عائلته المتدينة هذا الأمر فغادرهم إلى سان فرانسيسكو، وهناك التحق بالجامعة لدراسة التاريخ. لكنه غادر الجامعة بعد عامين، وبدأ يحترف ممارسة الجنس مع كبار السن من الأثرياء.

أبرز من كانوا على علاقة بأندرو هو نورمان بلاشفورد، رجل شديد الثراء تكفَّل بكافة احتياجات أندرو ومنحه راتبًا شهريًّا قدره ألفا دولار، وسيارةً فارهة، ورحلات لمختلف دول العالم. في عام 1996 أنهى بلاشفورد علاقته بأندرو وسحب منه كل الامتيازات السابقة، فبدأ أندرو في التردي والانحدار نحو الهاوية.

بعدها لم يعد أندرو يحظى بالتقدير في مجتمع الأثرياء، ولا بالقبول في مجتمع العامة لنرجسيته الشديدة وأكاذيبه الغزيرة، التي كان أبرزها استخدامه اسم أسطورة تصميم الأزياء الإيطالي جياني فيرساتشي بصورة متكررة بوصفه صديقه الحميم. لم يقتنع أصدقاؤه بتلك القصة، رغم أن بعضهم شهد أن جياني تذكر اسم أندرو في أحد الملاهي الليلية، لكنهم قالوا إن جياني تذكره بصعوبة، وفقط لأن أندرو قابله في إحدى الحفلات في وقت سابق.

4 جرائم قتل في أسبوعين

في 27 أبريل (نيسان) 1997 انتقل الضابط البحري الأمريكي السابق جيفري تريل لولاية مينيسوتا ليعمل بوظيفة مختلفة. أثناء عمله السابق تعرف إلى أندرو كونانان عام 1991، وصارا صديقين مقربيْن لعدة أعوام. لكن في التاريخ المذكور قرر جيفري الانتقال لمكان جديد بعيد عن أندرو، وبعد أيام من الانتقال عُثر على جثة الضابط في شقة ديفيد ماديسون، الذي كان هو الآخر عشيقًا سابق لأندرو، وأثبتت التحريات أن أندرو كان في مينسوتا في وقت الجريمة.

لم تعثر الشرطة على ماديسون أو أندرو، وقال الجيران إنهم شاهدوا الاثنين يمضيان برفقة كلب ماديسون نحو البحيرة. وبعد عدة أيام من الجريمة الأولى، وتحديدًا في الثالث من مايو (أيار) 1997، عُثر على جثة ماديسون على شاطئ بحيرة راش مينيسوتا وفي ظهره آثار عدة طلقات نارية، دون أي آثار مقاومة على جسده.

في اليوم التالي مباشرة، عُثر على عملاق العقارات لي ميجلين، 72 عامًا، مقتولًا برقبة منحورة و20 طعنة في جسده، واختفت سيارةٌ خضراء من سياراته. عائلة ميجلين نفت بقوة أن يكون ابنهم، دُوك، صديقًا بأي صورة من الصورة لكونانان،  رغم أن كونانان ذكر اسم دُوك وتحدث لأصدقاء كُثر عن علاقته به. ورجحت تحريات مكتب التحقيقات الفيدرالي التي لم تجد أي آثار لدخول المنزل عنوةً أن كونانان كان على معرفة بأحد الاثنين، الأب أو الابن.

بعد خمسة أيام من الحادثة الأخيرة، عُثر على وليام ريس، 45 عامًا، مقتولًا  في مكان عمله في مقبرة فينز بوينت الوطنية في ولاية نيو جيرسي، لكن جرى ربط كونانان بالجريمة، بعد أن اختفت سيارة ريس الحمراء من أمام مكتبه، وحلَّ محلها سيارة خضراء تحمل أوصاف السيارة المسروقة نفسها من عائلة ميجلين.

اللقاء الأخير المؤكد.. كونانان وفيرساتشي والموت

التقي جياني فيرساتشي مع أندرو كونانان في قاعة لكبار الزوار بملهى ليلي يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1990. تحدث الاثنان وحكى أندرو عن نشأة والدته في إيطاليا، ثم انتهى الأمر بخروج الصديقين في «موعد غرامي» إلى أوبرا سان فرانسيسكو، حيث كان مطلوبًا من جياني تصميم ملابس لبعض العارضين. هذه الرواية المعروفة تعارضها عائلة جياني بشدة، ولم تَثبُت بشكل قاطع.

Embed from Getty Images

أما الرواية الأخرى للأحداث، فتقول إن الاثنين تقابلا في أوبرا سان فرانسيسكو، ووقف أندرو أمام جياني فقال له الأخير إنَّه تذكره إذ رآه أمام نافذة القصر منذ عدة أيام. ففرح أندرو، البالغ 21 عامًا آنذاك، بمجرد تذكر جياني له. تختلف الروايتان حول شيء واحد؛ هل ربطت الاثنين علاقة حميمة أم لا، لكنهما تتفقان على أن الاثنين يعرفان بعضهما بعضًا، ولو معرفة سطحية.

لقاء عابر أو علاقة حميميَّة لا يهم، لأن خيال أندرو كان مصابًا بداء العظمة، وأكد له مرارًا أنه صديق مقرب لجياني ولآخرين. فوسامته اللافتة جعلته شابًّا مثليًّا جذابًا للآخرين، وخياله أو مرضه النفسي، جعل تفكير أي حبيب في التخلي عنه، فعلًا انتحاريًّا.

وبعد قرابة سبع سنوات من اللقاء الأول، وبعد خمسة أيام من عودة جياني للإقامة في قصره، وبضعة أسابيع من آخر جريمة قتل ارتكبها كونانان، كان الاثنان على موعدٍ لا يستطيع أحد إنكار حدوثه أو التشكيك في طبيعة ما جرى فيه. ففي صباح 15 يوليو (تموز) 1997، كان جياني عائدًا من جولته الصباحية، فاقترب منه كونانان وأطلق عليه عدة رصاصات قضت عليه في لحظتها.

فرَّ كونانان سيرًا على الأقدام بهدوء لا يتناسب مع حجم ما فعله، لكنه استطاع الإفلات من الشرطة بكل الأحوال. حين وصلت الشرطة إلى مكان اختبائه وجدت السيارة الحمراء التي سرقها من آخر ضحاياه وفيها ملابس كونانان، وجواز سفر مزور، وأوراق الصحف التي تحكي عن جرائمه.

المصير

الخيوط المتناثرة تقاطعت حتى تشابكت، وحان أوان فك الاشتباك، لكن لا أحد يخرج من الاشتباك سليمًا.

أمَّا القصر فقد ظل على حاله لمدة ثلاث سنوات، حتى إن بعض الصحف نقلت أن رداء الحمام ظل معلقًا في مكانه، والمجلات التي كان يتصفحها جياني فيرساتشي قبل خروجه ظلت على سريره كما هي، ربما لم يتغير من يوم الواقعة إلا أن بقع الدم الموجودة على الدرج قد زالت.

في بدايات عام 2001 قرر شقيق جياني بيع القصر، اشتراه عملاق الاتصالات بيتر لوفتين بحوالي 19 مليون دولار، رقم باهظ مقارنة بالملايين الثلاثة التي دفعها جياني عند شرائه له، لكنَّه رقم بخس مقارنة بـ33 مليونًا أنفقهم جياني في لمساته، التي وصفها بالمتواضعة، على القصر.

في 2012 أفلس لوفتين وأقيم مزاد لبيع القصر عام 2013، كان من بين المتنافسين الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب. خسر ترامب المزاد؛ إذ رفض ابنه، إريك، أن يزيد على 40 مليونًا، وحصل عليه رجل آخر بمبلع 41.5 مليون دولار، حافظ المشتري الجديد على أثاث القصر وحاله، وحوَّله إلَى متحف لحياة جياني، لكن في ثوب فندق، سعر الليلة الواحدة فيه 850 دولارًا.

أمَّا كونانان فقد اكتشفت الشرطة أنه قضى الشهرين اللذين كانا فاصلًا بين آخر جرائمه وبين قتل جياني، في شاطئ ميامي، فكأنما كان يتربص لجياني. قالت التحقيقات إنه لم يكن يبالي ببحث الشرطة عنه، فقد استخدم اسمه الحقيقي في أغلب معاملاته في هذين الشهرين. وتجول بحريَّة في مختلف أرجاء ميامي، صباحًا ومساءً.

لكن قتل شخص بشهرة جياني فيرساتشي جعل حملات المطاردة أكثر شراسة، فقد تفرغ ألف عميل فيدرالي  للعثور عليه، لذا أصبحت عملية البحث عنه أكبر عملية بحث في التاريخ الجنائي. كانت النهاية باقتحام كونانان لأحد المنازل، فأبلغ أصحابه الشرطة التي كانت بالفعل منتشرة في كافة أرجاء الولاية، فداهمت كونانان سريعًا. لم يهرب كونانان بل أطلق النار على رأسه مباشرة من بندقيته التي قتل بها ضحاياه السابقين.

لم يترك كونانان تفسيرًا لجرائمه، ولا مذكرة انتحار خلفه، لكن بعض التقارير قالت إنه كان مصابًا بالإيدز، وكان يقتل عشاقه السابقين انتقامًا منهم لنقل الفيروس له، وبتشريح جثته ثبتت إصابته بالإيدز فعلًا، لكن يظل الإيدز والانتقام دافعا جرائمه الخمسة، محل شك.

أما جياني فيرساتشي فقد نُقل جثمانه إلى ميلان ليُدفن وتُقام مراسم العزاء هناك في 22 يوليو (تموز) 1997، وحضر جنازته أكثر من ألفي شخص من المشاهير، أبرزهم الأميرة ديانا، وعملاقا الموضة جورجيو أرماني وكارل لاغرفيلد. وقد روت الدراما الأمريكية حياة جياني ومقتله في مسلسل بعنوان «اغتيال جياني فيرساتشي: قصة جريمة أمريكية»، وحصل المسلسل على العديد من الجوائز الدرامية وإشادات النقاد، لكن عائلة جياني أكدت أنها لم تشارك في صنع المسلسل ولا أعطت الإذن به، وصرحوا أكثر من مرة بأن المسلسل ليس إلا نسجًا من الخيال، حسب وصفهم.

وبعيًدا عن السجال حول العمل الدرامي؛ فقد تولَّت أخته إدارة الشركة من بعده حتى باعتها لمالكٍ جديد سوف يُغيِّر اسمها وخطوط انتاجها، لكن من المستحيل أن يزيل أحد اسم جياني فيرساتشي من عالم الموضة أو التحقيقات الفيدرالية على السواء، فقد حُفر اسمه في الاثنين بحروفٍ لا تُمحى.

فنون

منذ 3 سنوات
«كُلي أيتها الخنزيرة».. العالم المخيف لصناعة الموضة وعارضات الأزياء

المصادر

تحميل المزيد