تجدد الصراع مرة أخرى حول جبل طارق بين إسبانيا وبريطانيا، وذلك في أعقاب خروج الأخيرة من دائرة الاتحاد الأوروبي، في ظل تمسك كل طرف منهما بأحقيته في السيادة على المنطقة. هذه القضية تمثل أول تحدٍّ حقيقي للعلاقات الأوروبية البريطانية منذ أن اختار أغلبية الشعب البريطاني مغادرة الاتحاد.

 

أولًا ما هو جبل طارق؟

جبل طارق هو منطقة تقع في أقصى جنوب إسبانيا على البحر الأبيض المتوسط. تسمى محليًّا بـ«جبرلتار»، اشتقاقًا من اسم «جبل طارق»، وتعود التسمية إلى طارق بن زياد؛ القائد المسلم الذي توغل بجيوشه في شبه الجزيرة الإيبيرية خلال القرن الأول الهجري.

 

تخضع المنطقة للحكم الذاتي، لكنها تابعة للتاج البريطاني، وتبلغ مساحتها 6.8 كيلومترات مربعة، فيما يصل عدد سكانها إلى قرابة 33 ألف نسمة. تزداد المنطقة توسعًا بسبب تزايد أعداد السكان، الأمر الذي قاد إلى توسيع اليابسة على البحر، حتى وصلت الأراضي المستصلحة بحريًا إلى نسبة %10 من مساحة الإقليم الإجمالية.

وتتكفل الحكومة المنتخبة في إقليم جبل طارق بتدبير الأمور الداخلية والاقتصادية تحت إدارة رئيس الوزراء المنتخب؛ فابيان بيكارو. بينما تعتبر بريطانيا من خلال ممثلها هناك؛ روبرت فولتون، مسؤولة عن الدفاع والعلاقات الخارجية. كما تعتمد المنطقة اللغة الإنجليزية لغةً رسميةً.

أما على المستوى الاقتصادي، فيعتمد الإقليم على النشاط السياحي والمراكز التجارية بالإضافة إلى الدعم المالي المقدم من بريطانيا.

وتعكس ديموغرافية منطقة جبل طارق تنوعًا كبيرًا، نظرًا لطبيعة السياق التاريخي الذي مرت به؛ إذ تضم بريطانيين، وإسبانًا، ومورسكيين، وبرتغاليين، وهنودًا، ومغاربة مهاجرين. ويعد 72.1% من سكان جبل طارق من الكاثوليك، و7.7% من البروتستانت، فيما يدين 3.6% بالإسلام، و2% بالهندوسية، و2.4% باليهودية، هذا بالإضافة إلى 7.1% لادينيين، وهناك بعض الأقليات الدينية الأخرى أيضًا مثل البهائية.

 

تاريخ الصراع بين الإسبان وبريطانيا حول جبل طارق

على الرغم من أن جبل طارق عبارة عن منطقة صخرية لا تتعدى مساحتها سبعة كيلومترات مربعة متوغلة في مياه البحر، فإنها عرفت وجودًا سكانيًا منذ عام 950 ق.م، حيث استقر فيها الفينيقيون، وبعدهم سكنها الرومان حتى عام 711م.

ثم بعد ذلك انتقلت المنطقة إلى حكم المسلمين، وتحديدًا في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بن مروان، الذي أرسل جيشًا بقيادة طارق بن زياد للتوغل في شبه الجزيرة الإيبيرية، ثم تحولت إلى ملك سلاطين الدولة الموحدية، لتصبح في 1309م في حكم مملكة غرناطة الأندلسية.

استمر الحكم الإسلامي لإقليم جبل طارق حوالي سبعة قرون، قبل أن يسترده الإسبان عام 1492م. حاول بعدها أحد اليهود، ويدعى بيدرو دي هريرا؛ تأسيس دولة يهودية بالمنطقة، إلا أنها لم تكتمل سوى ثلاث سنوات حتى ضم جبل طارق إلى التاج الإسباني بشكل نهائي سنة 1501.

عام 1704، شنت إنجلترا وهولندا والنمسا هجومًا مباغتًا لضرب جنوب غرب إسبانيا، في سياق حرب إضعاف التحالف الفرنسي الإسباني، وتمكنت الأساطيل البحرية البريطانية، بقيادة الأدميرال جورج روك؛ من هزيمة القوات الإسبانية في مضيق جبل طارق، مما أسفر عن سقوط الإقليم بيد القوات البريطانية، حيث وقّعت اتفاقية استسلام، بموجبها سمح لسكان المنطقة بالنزوح عنها بسلام.

وطوال فترة ما بعد تلك الحرب، حاول الإسبان استعادة جبل طارق من بريطانيا، بالاستعانة بالفرنسيين، إلا أنهم فشلوا في ذلك وبقيت المنطقة تحت السيادة البريطانية.

 

وضع الصراع حاليًا

عام 1950، وخلال حكم الجنرال فرانكو، عاد الخلاف الإسباني البريطاني حول الإقليم،  الذي نظم به الاستفتاء الأول سنة 1967 لتقرير المصير تحت السيادة الإسبانية أو البريطانية، إلا أن سكان جبل طارق اختاروا البقاء تحت حكم التاج البريطاني بأغلبية ساحقة.

 

 

وفي سنة 2002، نظم الاستفتاء الثاني بمنطقة جبل طارق لاختيار السيادة التي يودون اتباعها، فحصلت نفس النتيجة، وآثرت الأغلبية الساحقة من ساكنة جبل طارق الاستمرار في ظل التاج البريطاني على أن يكونوا تابعين للسيادة الإسبانية.

بيد أنه عاد الخلاف مرة أخرى ليظهر إلى السطح بعد 2011، وتزايد التراشق الدبلوماسي بين مدريد ولندن حول أحقية حكم إقليم جبل طارق، ليبلغ هذا التوتر أوجه في صيف 2014، عندما أقدمت السلطات البريطانية على إحاطة المنطقة بحزام من الكتل الخرسانية في البحر، من أجل منع السفن الإسبانية من دخول ما تعتبره لندن مياهها الإقليمية، الأمر الذي اعتبرته مدريد خطوة استفزازية، وكاد البلدان يدخلان حينها في أزمة سياسية لولا أن أرسل الاتحاد الأوروبي وفدًا من الخبراء للتحكيم.

 

إلى أين تتجه قضية جبل طارق بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؟

وبالرغم من أن النزاع الإسباني البريطاني حول جبل طارق لم يكن خفيًا، إلا أنه كان مسيطرًا عليه تحت مظلة الاتحاد الأوروبي. لكن بعد مغادرة بريطانيا الاتحاد أثير من جديد الخلاف حول الإقليم الذي عمر عدة قرون، وصار مستقبل المنطقة مصيريًا بالنسبة لإسبانيا.

 

ظهر ذلك جليًّا في تصريحات وزير الخارجية الإسباني؛ مانويل غارسيا، عندما علق قائلًا «لا نحتفل بهذا الحدث، ولكن أرى بعد استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي العلم الإسباني يرفرف قريبًا فوق صخرة جبل طارق»، مضيفًا أن المفاوضات مع بريطانيا حول جبل طارق ستكون حول الحكم المشترك للإقليم، وبعدها سيتحول إلى السيادة الإسبانية وحدها.

لكن يظهر أن الحكومة البريطانية الجديدة لا تبدو مستعدة لهذا السيناريو الذي ترغب فيه مدريد، إذ جاء الرد سريعًا من وزير الخارجية البريطاني؛ بوريس جونسون، الذي قال «إن بريطانيا لن توافق مطلقًا على نقل شعب جبل طارق إلى سيادة دولة أخرى رغمًا عنهم»، مضيفًا أن شعب جبل طارق «أبدى مرارًا وبشكل ساحق رغبته في البقاء تحت السيادة البريطانية وسنحترم رغبته».

بالمقابل، تسعى الحكومة الإسبانية إلى إدخال قضية جبل طارق ضمن محادثات الاتحاد الأوروبي حول إجراءات الانفصال مع لندن، في محاولة للضغط على الحكومة البريطانية من أجل تخليها عن سيادتها على جبل طارق، في حين تؤكد بريطانيا أنها ستضم الإقليم بشكل شبه كامل بعد الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، ولن تتخلى عنه.

ويرجح، وفق موقع فوكس الأمريكي، أن تصل مفاوضات الاتحاد الأوروبي مع بريطانيا إلى اتفاق على شكل صيغة معينة، تسمح لإقليم جبل طارق بالبقاء داخل السوق الأوروبية، وإن غادرت بريطانيا الاتحاد.

هذا وتثار قضية مدينتي سبتة ومليلية، الواقعتين شمال أفريقيا، في كل مرة يطفو فيها الخلاف حول جبل طارق بين لندن ومدريد، إذ تشبه وضعية المدينتين المحتلتين من إسبانيا وضعية جبل طارق. فمن الناحية الجغرافية، نجد أن جبل طارق أرض إسبانية مثلما أن مدينتي سبتة ومليلية مغربيتان، لكن من ناحية أخرى، لا يرغب سكان أي من هذه المناطق المختلف حولها العودة إلى سيادتها الأصلية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد