من احتفالات أعياد الميلاد إلى يوم الأم وعيد الأضحى وغيرها، تتكرر كثيرًا هذه الأعياد التي يجمعها شيء واحد بعيدًا عن الديانات والعادات والثقافات؛ منح الهدايا. سواء كنت ستمنح هدية لأقاربك أو بعضًا من لحوم الأضحية، أو حتى بعض الأموال للأطفال. حتى فكرة منح الهدايا لزوجتك أصبح عند كثير من الناس من المسلمات التي لا يمكن الاستغناء عنها. لكن ألم تتساءل لماذا يفكر البشر في الالتزام بأعياد يعطون فيها للآخرين؟

هذا النمط من المنح والإهداء متكرر كثيرًا في كل الشعوب تقريبًا، وهو ما يعني أن هذه الصفات تتعلق بالسلوك والنفسية البشرية في حد ذاتها، ولا ترتبط بنوع من الثقافات أو بطبيعة دين عن آخر. وبسبب عالمية مثل هذه الصفات، فإنها عادة ما تكون مرتبطة بأهم شيء تبحث عنه أي مجموعة متماثلة من الكائنات الحية؛ البقاء. يبدو الأمر غامضًا هنا، لذلك يحتاج إلى بعض الشرح الأكثر تفصيلًا.

امنح كل يوم.. فالسعادة لا تتغير

في مجال علم النفس الإيجابي، هناك ظاهرة معروفة على نطاق واسع، وربما تكون محبطة إلى حد ما بالنسبة للبعض لغرابتها، تعرف باسم «تكيف المتعة». ببساطة، هذه الظاهرة تصف الميل البشري لنقص الشعور تجاه أنشطتنا وسلوكياتنا المفضلة مع مرور الوقت. الأمر يشبه التكيف على المخدرات مثلًا، في البدايات تشعر بالنشوة مع أقل جرعة، لكن مع مرور الوقت يقل هذا الشعور بالنشوة مع نفس الجرعة، وهو ما يستلزم زيادتها.

يعرف «تكيف المتعة» بأنه الميل الملحوظ للبشر إلى العودة بسرعة إلى المستوى المستقر نسبيًّا من السعادة على الرغم من وقوع أحداث إيجابية أو سلبية كبيرة أو تغيرات الحياة. وفقًا لهذه النظرية التي ترتبط غالبًا بعادات الإنفاق، عندما يكسب الشخص المزيد من المال، ترتفع التوقعات والرغبات جنبًا إلى جنب، مما لا يؤدي إلى تحقيق مكاسب دائمة من السعادة. على سبيل المثال، تناول الغداء نفسه كل يوم أو شراء قطعة ملابس جديدة من متجر بشكل متكرر، يفقد الفرد التشويق والإثارة مع مرور الوقت.

Embed from Getty Images

(السعادة لا تنضب كلما منحت الآخرين)

وبالتالي، فإن السعادة التي تأتي لنا مع كل عادة إنفاق نحبها، تتلاشى تدريجيًا مع تكرار هذه العادات، بل إن التناسب ربما يكون عكسيًا بين مستوى السعادة ومعدل تكرار هذه العادة. لكن هناك نوعًا واحدًا من أنواع العادات المرتبطة بالإنفاق يبدو أنها محصنة من ظاهرة «تكيف المتعة».

تقديم الهدايا.. السعادة التي لا تنضب

لا تتضاءل السعادة التي نحصل عليها مقابل تقديم الهدايا بمرور الوقت. في دراسة أجريت عام 2018، قسم 96 شخصًا إلى مجموعتين. وعلى مدار خمسة أيام متتالية، استخدم نصف المجموعة خمسة دولارات لشراء الشيء ذاته لأنفسهم كل يوم. بينما استخدم النصف الآخر المبلغ نفسه لمنح شخص آخر شيء ما كل يوم. بعض أفراد المجموعة الثانية قام بوضع الأموال في صندوق البقشيش، وتبرع آخرون بالمال للجمعيات الخيرية أو قاموا بمنح صديق لهم كوب قهوة مجاني.

في نهاية الدراسة، واجه أولئك الذين أنفقوا المال على أنفسهم انخفاضًا متوقعًا في السعادة الإجمالية بحلول نهاية فترة الخمسة أيام. بينما أشار أولئك في مجموعة تقديم الهدايا إلى حالة سعادة ثابتة، وشعروا بالإثارة نفسها في اليوم الخامس كما في اليوم الأول. هذا يدل على تحصين ذاتي لهذه العادة تجاه أي انخفاضات محتملة في الشعور بالسعادة.

منح الآخرين.. الفعل نفسه هو المهم

التفسير وراء كون الإنفاق الاجتماعي (بقصد إفادة الآخرين) يتحدى ظاهرة «تكيف المتعة»، هو أمر ما زال الباحثون يحاولون اكتشافه وفك ألغازه، لكن سامانثا كاسير، طالبة الدكتوراه في كلية «كيلوغ للإدارة» بجامعة نورثويسترن، وأحد الباحثين وراءها الدراسة السابقة ربما يكون لديها بعض الأفكار.

تتمثل إحدى نظريات كاسيرير في أن الإنفاق على الآخرين يخلق تحولًا في الحالة الذهنية للمنفقين. عندما تشتري شيئًا لنفسك، فإن سبب الشراء مشروط ومتوقف على النتيجة، وهذا يعني أنك تفكر أساسًا في كيفية تأثير عملية الشراء في وضعك وظروفك الحالية. على سبيل المثال، إذا اشتريت شريحة من البيتزا، فهل ستجعلك تشعر بأنك أقل جوعًا؟ إذا كانت عملية الدفع التي قمت بها هي لشيء اشتريته أو اختبرته من قبل، فإن عنصر المقارنة أمر لا مفر منه أيضًا. هنا ستجد نفسك تتسائل إذا ما كانت هذه البيتزا جيدة مثل آخر مرة حصلت عليها أم لا.

مجتمع

منذ سنة واحدة
تشعر بالعزلة والوحدة؟ 4 نظريات يخبرك بها علم النفس لتحافظ على سلامك النفسي

من ناحية أخرى، عندما تكون اجتماعيًّا، فإن الشيء الأكثر حساسية بالنسبة لنا هو الفعل نفسه، نقصد فعل الإنفاق والمنح نفسه. في حالة الإنفاق الاجتماعي تقل كثيرًا عملية المقارنة، وبدلاً من ذلك، يمكنك أن تشعر بالسعادة لحقيقة لأنك تمكنت من مساعدة شخص آخر دون أن تقارن بين أفعال مشابهة سابقة.

منح الهدايا وبقاء الجنس البشري!

من ناحية أخرى، تقول الدكتورة إليزابيث دن، عالمة النفس الاجتماعية والمؤلفة المشاركة في كتاب «Happy Money: The Science of Happier Spending»، أن الفرحة والسعادة التي يشعر بها الناس عندما يمنحون الهدايا تغذي غريزة إنسانية بدائية عند البشر.

جاء تطور البشر من خلال مساعدة بعضهم بعضًا. كان هذا أمرًا بالغ الأهمية حقًا لبقاء الجنس البشري، وهو أمر يميزنا عن كثير من الحيوانات والكائنات الحية الأخرى. لبشر ليس لديهم أسنان حادة، أو مخالب قوية، أو فراء لإبقائهم دافئين. ما لديهم هو القدرة على العمل معًا، وهو ما نشاهده بوضوح في كل الحضارات التي أنشأها الإنسان. بل إننا نراه حتى في بداية التطور بمرحلة ما قبل الحضارات، إذ كيف كان البشر ليبنوا قرية دون مساعدة بعضهم بعضًا.

وبالتالي، فإن تلك الفرحة الناجمة عن العطاء ليست مجرد ناتج ثانوي لطيف للإنسانية، ولكنها مكون أساسي لما يجعلنا بشرًا وما يميزنا كبشر عن بقية الحيوانات. إذا لم يكن أسلافنا يشعرون بأي فرحة من مساعدة الآخرين، لكانت فرصتهم في البقاء على قيد الحياة أقل احتمالًا، ولم تكن لتنتقل جيناتهم إلى الأجيال المتعاقبة. بمعنى آخر فإن طبيعة التعاون بين البشر هي التي استلزمت وجود فكرة المنح ومساعدة الآخرين، فإذا لم تمنح زوجتك (الشخص الأقرب إليك في خريطة علاقاتك اليومية) هدايا، لم يكن ليبقى التعامل قائمًا بين البشر، وربما تعرضوا للانقراض.

ويمكننا أن نقول إن العلاقة بين المنح وتقديم الهدايا وبين عملية الترابط الاجتماعي هي أيضًا ممارسة متعلقة بالتعاطف والاهتمام. إذ إن العثور على هدية رائعة لزوجتك أو والدتك أو صديقك يتضمن قيامك بعملية تقييم السمات الشخصية لشخص آخر والتفكير في الأشياء المهمة بالنسبة لهم. يعد منح الهدايا تعبيرًا ملموسًا عن التعاطف بشكل واضح. يمكنك سماع أصوات حزن الناس عندما يصفون هدية لم تعجبهم. ذلك لأنهم يشعرون أن الشخص لم يفهمهم بما يكفي للتوصل إلى هدية مدروسة ملائمة.

كيف تحصل على أعلى درجات السعادة عند تقديم الهدية؟

يشير الباحثون في هذا المجال إلى أن ليس كل عمليات تقديم الهدايا ستشعل الشعور نفسه بالسعادة. بدلًا من ذلك، ترتبط المتعة المستمدة من الإهداء بنوع من الاستمرارية. يمكننا هنا أن نفرق بين نوعين من أنواع منح الهدايا، هناك هدايا للأشخاص يطلق عليهم «العلاقات الضعيفة»، وهم أولئك الذين يكونون عادة من المعلمين والمحاسبين. بينما على الجانب الآخر، هناك «المقربون»، مثل الأزواج والزوجات والأشقاء والآباء. وبالطبع فإن منح الهدايا للأشخاص المقربين، يميل إلى منحنا استجابة عاطفية أقوى.

أضف إلى هذا أنه من المرجح أن تجعلك تجربة العطاء أكثر سعادة إذا كنت قادرًا على مشاهدة تأثير هديتك مباشرةً. عندما تمنح ابنة أخيك هدية بشكل شخصي ويدًا بيد، وأنت تشاهد كم أن هذه الهدية تجعلها سعيدة للغاية ثم تراها وهي تفتح الهدية وتبدأ باللعب بها، فإن ذلك سيؤدي إلى زيادة التأثير المرتبط بتقديم تلك الهدية إلى الحد الأقصى.

Embed from Getty Images

(يجب أن تشعر أن منح الهدية عمل تطوعي)

وللحصول على السعادة، يحتاج المانح إلى الشعور وكأنه فعل تطوعي. خلال الأعياد، عندما يبدأ الناس في شراء هدايا كثيرة للعديد من الأشخاص، أو عندما تبدأ في الذهاب إلى ماكينة الصراف الآلي لسحب كمية من الأموال لتوزيعها على الأطفال في العائلة، يمكن أن يكون من السهل أن ننسى أن هذه الهدايا أو المنح هي – من الناحية الفنية – مسعى اختياري.

أما إذا كان الأمر أشبه بالتزام، فإن أحد الأشياء التي ينصح بها الخبراء هو محاولة التحول إلى ما يطلق عليه «Secret Santa»، ويقصد به أنك في وسط عملية منح الهدايا للكثيرين، يمكنك قضاء وقت أطول في العثور على هدية مدروسة لشخص واحد بعينه، وهو ما سيمكنك من شحن بطاريات السعادة لديك عند منحه هذه الهدية المختارة بعناية.

وإذا ما كان ضغط العثور على هذه الهدية المثالية الواحدة يمكن أن يأخذ منك بعض من إحساس السعادة، فهناك أيضًا بعض النصائح التي قد تكون مفيدة في موسم الأعياد. يمكنك أن توزع وقتك الأساسي على قائمة «المقربين» مع التركيز على ما يجمعك بكل فرد منها، ثم حاول إيجاد شيء يعكس هذا القاسم المشترك. أما إذا أخبرك أحدهم سابقًا بما يتمنى الحصول عليه، مثل والدتك التي تمنت الحصول على جهاز ميكروويف في عيد الأم، فعليك القيام بهذا الأمر فورًا، فهذا أسهل لك.

وفي النهاية، إياك أن تنسى زوجتك، ليس المقصود نسيان منحها هدية، بل نسيان تلك الأشياء التي كانت ذكرتها أمامك وتمنت الحصول عليها. هنا نحن لا نتحدث عن علاقات إنسانية عادية، بل مع تلك العلاقة التي يمكنك أن تجلب لك الراحة دائمًا أو تحول أيامك إلى عذاب. هذا الأمر يحتاج منك إلى بعض الوقت في الاختيار والشراء.

لايف ستايل

منذ 11 شهر
15 علامة تنبهك أن علاقتك مع شريكك قد تصل إلى طريق مسدود

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد