لم يعد الفضاء الخارجي لكوكب الأرض مقتصرًا الآن على رواد الفضاء فقط، بل بدأت رحلات المدنيين للفضاء والتي تنطلق دون مصاحبة رواد فضاء محترفين بالفعل هذا العام، ومع مرور الوقت ربما تقرأ إعلانات عن قضاء شهر العسل في محطة فضائية ما، أو على كوكب المريخ الذي يعد على رأس اهتمامات دراسات علم الفضاء الآن بعد أن كُشف عن مصادر للحياة الأولية (ميكروبات) على سطحه.

هناك كثير من التساؤلات، عادة ما تطرق في أذهان من يتابعون أخبار غزو الفضاء واكتشافه، عن طبيعة الحياة خارج قوانين فيزياء كوكب الأرض التي اعتدنا عليها، وأهمها قوانين الجاذبية، وقد حاولنا في تقرير سابق شرح شكل حياة رائد الفضاء في المحظة الفضائية، لكن في هذا التقرير نقدم لكم إجابة لسؤال مختلف بعض الشيء، وهو؛ ماذا لو تمكنا نحن البشر من الولادة في الفضاء؟ كيف ستكون تلك التجربة؟ وكيف سيكون شكل هذا الطفل؟

قد تظن أن هذا سؤال بعيد عن الواقع، لكن مع الوضع الذي تمر به الأرض من ظروف نتيجة التغير المناخي، لم يعد من المستحيل أو المستبعد أن يضطر البشر للحياة على كوكب آخر أو حتى محطة فضائية، ومن ثم التكاثر والولادة في الفضاء.

الولادة في الفضاء.. قد يستغرق الأمر عقودًا ولكن..

مع كل تلك الصعوبات التي تتمركز حول صعوبة الحمل والولادة في الفضاء، قد يحتاج الأمر عقودًا من الدراسات والتجارب للوصول إلى حلول لتلك المشكلات، لكن لما نراه في العالم من رغبة ملحة لدى البشر في غزو الفضاء واستكشافه فهذا الأمر لم يعد مستحيلًا، على سبيل المثال هناك شركة هولندية ناشئة تحت اسم «SpaceLife Origin» أعلنت عن رغبتها في إرسال امرأة حامل للفضاء بحلول عام 2024 حتى تلد هناك.

لكن الأمر لا يخلو من العقبات القانونية والأخلاقية والطبية، كما أن هناك شركة أخرى تحت اسم «Orbital Assembly Corporation» تخطط لافتتاح فندق ضخم في الفضاء بحلول عام 2027 باسم «محطة فوييجر»، وأعلنوا أن هذا الفندق سيضم 280 ضيفًا و112 من أفراد طاقم العمل مع توفير جاذبية اصطناعية داخل الفندق.

وفي أبريل (نيسان) 2021 أعلنت وكالة ناسا أنها تدرس السماح لبرنامج تلفزيوني واقعي بإرسال مخرج لمدة 10 أيام في الفضاء لتغظية أول وفد مدني قد يسافر للفضاء مدة طويلة، فماذا لو اضطرت امرأة للحمل والولادة في الفضاء؟

ولادة الذباب والفئران على الفضاء

«ماذا لو؟» تساؤل فتح الباب للكثير من الاكتشافات والنظريات العلمية على مدار التاريخ البشري، فالتفكير في فرضية ما ومحاولة تنفيذها أو إثبات صحتها بالتجربة، هو حجر الأساس الذي يرتكز عليه العديد من العلوم، مهما كانت الفكرة تبدو مجنونة في البداية أو مستحيلة، سرعان ما تتحول للأجيال القادمة على أنها حقيقة وواقع ملموس، مثل الطيران وغزو الفضاء والتحدث في الهاتف مع شخص يبعد عنك قارات، والسؤال الذي يشغل مجتمع البيوفيزياء وعلماء الفضاء الآن، «ماذا لو ولد طفل في الفضاء؟».

في تصريح لها لجريدة روسيا اليوم وضحت إيرينا أوغنيوفا رئيسة مختبر الفيزياء الحيوية في الأكاديمية الروسية للعلوم، أن روسيا تضع ضمن أهدافها وخططها فيما يخص الفضاء الخارجي، تجربة اختبار أول عملية ولادة لطفل في الفضاء، وإذا نجحت تلك التجربة – بحسب إيرينا ستكون روسيا قد أخذت الخطوة الأولى عمليًّا في مجال دراسة الطب في الفضاء، وستكون رائدة في هذا المجال. لكنها عادت وأوضحت أيضًا أن تلك التجربة لا تتوقف على ولادة الطفل في الفضاء الخارجي، بل الأهم أن يولد هذا الطفل سليمًا وبصحة جيدة.

التكاثر في الفضاء هو أمر يشغل العلماء بالفعل، وقد بدأت التجارب تُنفذ لمحاولة اكتشاف أبعاده، ففي عام 2014 نجح العلماء الروس في تجربة تكاثر أحد أنواع الذباب على متن أحد الأقمار الصناعية الروسية، وأظهرت تلك التجربة أن الذباب الذي تكاثر خارج الفضاء حيث انعدام الجاذبية، كان يتكاثر بشكل أفضل، كما كان للفئران نصيب من تلك التجربة حين أرسلت روسيا أيضًا فئران حامل إلى الفضاء، وبعد أن ولدت في الفضاء رصد العلماء تغيرات غير طبيعية في الفئران الوليدة، لكنها ليست حرجة ولا تؤثر في نمو الحيوانات، لكن ماذا عن البشر لو ولد أحد أطفالهم في الفضاء؟

لا جاذبية في هذا الكوكب! أول عائق قد يواجه الولادة في الفضاء

في عام 2016 وتحت عنوان «A Mission Concept to Study Multigenerational Mammalian Reproduction in Partial Gravity» نشرت وكالة ناسا تقريرًا يجمع نتائج أبحاث كان الهدف منها استخدام القوارض باعتبارها نظيرًا بشريًا بغرض جمع البيانات البيولوجية الخاصة بالتكاثر في ظل الجاذبية الجزيئة أو انعدام الجاذبية في الفضاء، وكان الهدف من المهمة هو جمع بيانات التأثيرات المختلفة لمدة عام كامل على تلك الكائنات الحية التي تتشابه أعضاؤها الحيوية مع البشر، مثل الفئران السابق ذكرهم.

وفقًا لتلك الدراسات؛ يعتبر انعدام الجاذبية في الفضاء عائقًا من أهم العوائق التي تقف أمام ولادة طفل بشري بصحة جيدة في الفضاء، كما أن هناك مخاطر قد تتعرض لها الأم.

على كوكب الأرض تشكل الجاذبية دورًا مساعدًا مهمًّا في عمليات الولادة الطبيعية، فحين تقوم الأم بدفع الطفل خارج رحمها، تتلقفه الجاذبية وتشده تجاهها، ولكن في الفضاء سيكون الأمر أكثر صعوبة؛ حيث سيكون الطفل طافيًا في رحمها ولا توجد أي قوة فيزيائية تشده للخارج!

وإذا أخذنا في الاعتبار أن الإنسان في الفضاء يفقد ما يقرب من 2% من كثافة عظامه عن كل شهر يقضيه بدون جاذبية، فهذا سيكون خطرًا على عظام حوض الأم التي تلد ولادة طبيعية وقد يكون معرضًا للكسر خاصة إذا كانت الأم تعاني في الأساس من هشاشة العظام، وهو أمر قد يحدث للمرأة الحامل أثناء حملها حين يتغذى الجنين على كميات كبيرة من الكاليسوم في جسدها حتى يكوّن عظامه، وفي هذه الحالة يصعب أن تلد تلك المرأة ولادة طبيعية.

رأس كبيرة وألوان بشرة غريبة!

عندما يكون من الصعب على المرأة الولادة في الفضاء ولادة طبيعية من خلال دفع الجنين من رحمها خلال الحوض، ستكون الولادة القيصيرية التي تتضمن شق البطن جراحيًا وإخراج الطفل من الرحم؛ هي الحل الوحيد المتاح، لكن تأثير انعدام الجاذبية لن يكون غافلًا عن هذا الطفل، فخروج الطفل دون الاحتكاك بعظام حوض أمه التي تتحكم في حجم رأسه أثناء دفعه خارجها، قد يعرض الطفل لأن يكون ذا رأس كبيرة للغاية مقارنة بجسده!

شكل الرأس لن يكون التغير الوحيد الذي يتعرض له الإنسان إذا ولد في الفضاء، فلون البشرة من أهم التغيرات التي قد تحدث له، فما يتحكم في لون بشرة البشر على كوكب الأرض هي مادة الميلانين، والتي يكون دورها حماية البشر من الأشعة فوق البنفسجية المصاحبة لأشعة الشمس، لكن في الفضاء الخارجي لن يحتاج جسد البشر تطوير تلك المادة وستكون معرضة لتغييرات جذرية ينتج عنها تغييرات جذرية أيضًا في لون بشرة البشر.

ويقول عالم الأحياء التطورية سكوت سولومن لموقع «بيزنس إنسايدر» إن التكاثر في الفضاء للبشر سيجعل منهم كائنات لا تشبه البشر بالمرة، وقد يكون مستعمروا الفضاء من البشر في المستقبل لا يمتون بصلة لشكل البشر الآن للدرجة التي يمكن أن نصفها بأنهم «سيكونون أنواعًا مختلفة»، بحسب سولومن.

ومنذ أن بدأت السينما في تجسيد الكائنات الفضائية، صورتهم برؤوس كبيرة وألوان بشرة بين الخضراء والزرقاء، وبعد أن أخبرنا العلم أن التكاثر والولادة في الفضاء قد تجعل البشر بالفعل بهذا الشكل «الفضائي»، فهذا يطرح الكثير من الـ«ماذا لو؟»، والتي يصعب علينا تجاهلها.

فمثًلا؛ ماذا لو أن هناك بشرًا استطاعوا بالفعل في أزمنة قديمة وحضارات بائدة الوصول للفضاء والتكاثر وهؤلاء -البشر السابقونهم من نطلق عليهم اليوم كائنات فضائية؟ إذ يدعي البعض أنه شاهد هؤلاء على كوكب الأرض في زيارات خاطفة، وماذا لو كانت الكائنات الفضائية قد جاءت أكثر من مرة إلى الأرض واختطفت بشرًا وأجبرتهم على التكاثر والولادة في الفضاء فنتج عن ذلك الكثير من الأنواع المختلفة الأكثر تطورًا من البشر في الفضاء؟ وحتى نكون على دراية كاملة بما يحدث في الفضاء والمجرات المجاورة، ستظل تلك السلسلة من «ماذا لو؟» غير مجاب عنها.

تكنولوجيا

منذ شهرين
هل تصدّق بوجود الفضائيين؟ إليك تاريخ الأجسام الطائرة المجهولة الذي قد لا تعرفه

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد