تشتمل العلاقات الخارجية عادة على إجراء استطلاعات حول أهمية بعض المناطق في العالم بالنسبة لبلد معين، وأي المناطق الأخرى يمثل أهمية أقل بالنسبة لها، فالأمر يتعلق بتحديد المصالح الوطنية وتحديد أين يمكن أن تكون تلك المصالح أكثر وضوحًا وخطورة، وهذا يفسر سبب بذل الولايات المتحدة جهودًا أكثر للسيطرة على نفوذ داعش في سوريا والعراق، أكثر من تلك التي بذلت تجاه الحرب الطائفية في جمهورية أفريقيا الوسطى، حيث يعد الأمر باختصار مسألة أولويات.

وفقًا لاستطلاع جديد قام به خبراء السياسة الخارجية الأمريكية، وجمعت «ذا أتلانتيك» نتائجه، فإن تلك الأولويات السابق ذكرها قد تتشابه كثيرًا مع الخريطة أدناه لعام 2015، على الأقل من وجهة نظر الولايات المتحدة الأمريكية. حيث تصنف الخريطة الصراعات المتوقعة في جميع أنحاء العالم إلى ثلاثة مستويات من حيث خطورتها:

– اللون الأحمر يمثل التهديدات ذات الأولوية الكبرى

– البرتقالي للتهديدات ذات الأولوية المتوسطة

– الأصفر يمثل التهديدات ذات الأولوية المنخفضة

وبحسب ما ذكره بول ستارز مؤلف التقرير، يوضح ترتيب الألوان في الخريطة أي المناطق ينبغي أن يُصَب اهتمام الولايات المتحدة عليها في العام القادم، كما يعد دليلًا لمناطق النزاع التي من المرجح أن تلقى اهتمامًا قليلًا نسبيًا من جهاز الأمن القومي الأمريكي في الأشهر المقبلة.

المصدر: مركز العمل الوقائي/ مجلس العلاقات الخارجية


ومن ناحية أخرى تظهر توقعات الاستطلاع الصادر لهذا العام عن دراسة تُجرَى سنويًا من قبل مركز العمل الوقائي التابع لمجلس العلاقات الخارجية؛ أن أعمال العنف المتبادلة بين داعش والقوات العراقية في العراق، وبين السنة والشيعة على نطاق أوسع، تأتي على رأس قائمة أولويات الولايات المتحدة لعام 2015، بما في ذلك من سيناريوهات أخرى محتملة ذات أولوية كبرى تشمل هجومًا كبيرًا على الولايات المتحدة أو حليف لها، أو هجومًا إلكترونيًا على البنية التحتية الأمريكية، أو أزمة تشترك فيها كوريا الشمالية، أو احتمال توجيه ضربات عسكرية إسرائيلية ضد المواقع النووية لإيران، أو حدوث مواجهة بين الصين وجيرانها حول مطالب إقليمية في بحر الصين الجنوبي، أو تصعيدًا للأزمة السورية، وأخيرًا تزايد الاضطرابات في أفغانستان. والجدير بالذكر أن تلك التوقعات تشمل أيضًا حالتين طارئتين لم يثرهما تقرير العام الماضي وهما: تكثيف القتال بين القوات الأوكرانية والميليشيات المدعومة من روسيا في أوكرانيا، والعنف المتنامي بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

في الوقت الذي صرّح فيه الكاتب بما أخبره به “ستارز” مدير مركز العمل الوقائي؛ بأن الدراسة أظهرت تزايد مخاوف المشاركين فيها تجاه العراق وأفغانستان أكثر مما كانت عليه في التقارير السابقة، بالتوازي مع القلق المتزايد بشأن المواجهة مع روسيا والصين، بالإضافة إلى تزايد قلقهم عن العام الماضي بشأن اندلاع محتمل لانتفاضة ثالثة في إسرائيل، والنتائج المترتبة على احتمالية انهيار المحادثات النووية بين إيران والقوى الغربية، إلا أن نسبة القلق لدى المشاركين قد انخفضت عن العام الماضي بشأن الصراعات في بعض الدول مثل الصومال وجنوب السودان ومالي. وقد لا يعني ذلك بالضرورة أن الاضطرابات قد انحسرت في تلك الدول الأخيرة، بل أن تلك الدول قد تراجعت كأولوية لأولئك الذين شملهم الاستطلاع.

وأوضح “ستارز” بأن الأمر المثير للاهتمام هو كيف يصنف الناس الأهمية النسبية لتلك الصراعات، حيث تعتبر مخاطر التدخل العسكري الأمريكي، والانتشار النووي، والإرهاب هي المعايير الرئيسية في حكم الأغلبية على أهمية وتأثير “صراع” ما على مصالح الولايات المتحدة، ولا شك فقد هبط القلق الإنساني إلى أسفل القائمة من حيث التسلسل الهرمي للمصالح، ويستطرد ستارز بأن “أمر أمن الوطن وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط وشرق آسيا يهيمن على فئة الأحداث الطارئة الأولى، بينما تزداد في الفئة الثانية أحداث طارئة إفريقية، وجنوب آسيوية، لكن يمكنك أن ترى – على الرغم من رغبة الولايات المتحدة في وضع مزيد من التركيز على آسيا – أننا سنظل مشغولي البال بالشرق الأوسط الكبير في المستقبل المنظور”.

المصدر: مركز العمل الوقائي/ مجلس العلاقات الخارجية

وأكمل ستارز أن تلك الخرائط لا تعطي وصفًا للمناطق التي ستشهد أعمال عنف شديدة في عام 2015، أو ما إذا كان أي منها سيشهد اضطرابات من شأنها زعزعة الاستقرار أكثر وإحداث تغييرات مفصلية، فهي ليست نتاج خوارزمية متطورة للتنبؤ ببؤر التوتر المقبلة في العالم؛ وإنما تعرض الخرائط رؤية شاملة للعالم بعدسة الولايات المتحدة، وعلى سبيل المثال لم يتوقع تقرير العام الماضي ظهور داعش أو استيلاء فلاديمير بوتين على شبه جزيرة القرم، على الرغم من كونه قد حذّر من اندلاع حرب أهلية العراق، فنتائج التقرير تعد في كثير من الأحيان مجرد استقراء للماضي القريب.

وللحصول على نتائج التقرير، قام ستارز وزملاؤه الباحثون باستطلاع آراء حوالي 2200 مسئول بالحكومة الأمريكية، بالإضافة إلى أكاديميين وخبراء، لتقييم تأثير واحتمالية حدوث 30 سيناريو اقتطعت من أصل أكثر من 1000 اقتراح استرعى الانتباه على الإنترنت. ومن ثم تم فرز إجاباتهم في شكل القالب الموضح أدناه.

المصدر: مركز العمل الوقائي/ مجلس العلاقات الخارجية

وبطبيعة الحال، فهدف التقرير هو معرفة العوامل التي تتحدد على أساسها المصالح الأمريكية، حيث يشكل سيناريو الفئة “عالية التأثير” تهديدًا مباشرًا لأمن الولايات المتحدة الأمريكية، وقد يستوجب ذلك تدخلًا عسكريًا أمريكيًا بسبب التزامات تعاهدية، أو يشكل تهديدًا على إمداد الموارد الإستراتيجية الأمريكية الهامة. بينما قد يقود سيناريو الفئة “الأقل تأثيرًا” إلى عواقب إنسانية وخيمة على نطاق واسع لكن في الدول ذات الأهمية الإستراتيجية المحدودة لدى الولايات المتحدة.

وختامًا، إذا قمت بتفسير مفهوم “المصالح” بطريقة أخرى، فقد يبدو العالم مختلفًا جدًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد