عن “آفاق الاقتصاد العالمي” جاء أحدث تقرير لصندوق النقد الدولي متشائمًا، فخفض توقعاته للنمو الاقتصادي العالمي هذا العام والعام المقبل مشبهًا الأمر بالأزمة المالية العالمية والتي مر عليها 7 سنوات، بل هي “الأسوأ” كما وصفها.

صندوق النقد الدولي التابع للأمم المتحدة والمسؤول عن تعزيز سلامة الاقتصاد العالمي ومراقبته لم تتوقف تحذيراته للولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي منذ عام 2010 بعدما أظهر اقتصادهم عدم قدرته على التعافي من الأزمة العالمية الأولى عام 2008 والتي جاءت بعد تنافس البنوك حول العالم في تقديم تسهيلات القروض العقارية.

الأزمة المالية العالمية الأولى مستمرة

Dow Drops Below 7000 For First Time In 12 Years

في نهاية 2008 ارتفعت أسعار مواد البناء بازدهار عملية التشييد وظهرت مشكلة الرهن العقاري والاقتراض من البنوك دون قواعد محددة حتى انهارت أسعار الأسهم في الولايات المتحدة، فكان من الطبيعي وصول أسعار الاحتياجات اليومية لمعدلات صَعبَ معها وفاء المواطنين بالتزاماتهم البنكية، حتى عجزت البنوك الأمريكية عن توفير أية سيولة مالية مما أسقط أسهم بنوك وشركات عالمية إلى حد أقل من القيمة السوقية للأسهم.

واليوم مرت سبع سنوات على الأزمة المالية العالمية ولم تصل معدلات النمو الاقتصادي في الدول الأوروبية لمعدل مطمئن بسبب اتباع الاتحاد الأوروبي لسياسة التقشف ودعم النمو، لكن من خلال الاستدانة ووصول الديون لمستوى قياسي مما خفض معدلات التضخم ورفع من معدلات البطالة وسط معدلات سلبية للفوائد على الودائع البنكية، بالإضافة إلى تضرر الأسواق الناشئة والمشاريع الصغيرة في الولايات المتحدة والصين وأكبر اقتصادات منطقة اليورو (ألمانيا – فرنسا – إيطاليا) بسبب مبالغتهم في تقييم أصول رؤوس الأموال ورفع قيمة الفوائد المفروضة عليهم، مما شكل عبءًا كبيرًا على صغار المستثمرين وأدى لركود الأسواق وارتفاع الأسعار بشكل جنوني رغم مخاطر ذلك.

سقوط الاقتصاد العالمي وليد الحروب

ولم يكن الاقتراض هو السبب الوحيد، فكما هو واضح وكما اعترف صندوق النقد الدولي أن للأزمة أبعادًا جيوسياسية تسعى الحكومات لإغفالها، أهمها الأزمة الأوكرانية واستمرار الاحتجاجات مما خفض من تصنيف روسيا، فضلًا عن العقوبات المفروضة عليها فتجمد فيها الاستثمار، مع أوضاع مستجدة بظهور تنظيم داعش وشن الحرب عليه من تحالف ترأسه الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا لترد داعش إن لم يكن يوميًا باستنزاف النفط، وتوجه أمريكا ضرباتها لآبار النفط هي الأخرى.

السوق العربية تتأثر وركود اقتصاد دول الربيع العربي

لم يكن من المعتاد تراجع أسواق الأسهم العربية بشكل حاد بعد عيد الأضحى خلال الخمس سنوات الماضية منذ موجة الأزمة الاقتصادية العالمية وأثرها في أزمة دبي العقارية 2009، لتدخل أسواق دبي وأبو ظبي والسعودية شهرها الثالث وهي خاسرة، فضلا عن عن تسجيل السعودية أكبر خسارة نفطية لها منذ الأزمة العالمية.

الآثار السلبية لم تصل حتى الآن لبعض دول الخليج العربي، إلا أن التخوفات موجودة من احتمالية انخفاض أسعار النفط في منطقة تعتمد بشكل كبير في ميزانياتها على عوائد النفط، وليس مؤكد أنها لن تضر سوى الدول المنتجة له مما يؤثر سلبًا على ميزانياتها بسبب ضعف الطلب على النفط وزيادة الإنتاج خارجًا، كإيران والعراق، مما قد يزيد الأمر سوءًا لديهم، بسبب تلك العقوبات المفروضة على طهران وانعدام الأمن في العراق.

ولم تكن سوريا بعيدة عن المشهد الاقتصادي العربي، فهي مستمرة في تكبد خسائر الحرب المستمرة منذ 3 سنوات والتي وصلت إلى 140 مليار دولار، تتبعها اليمن بديون تقفز حتى 22.7 مليار دولار بنهاية سبتمبر الماضي، ومعها مصر والتي تناقش الآن فرصتها في الحصول على قرض من البنك الدولي بقيمة 4.8 مليار دولار وسط تراجع مزمن لتعاملات البورصة المصرية.

إمكانية تفادي الاسواق العربية لموجة جديدة من الركود

تأتي الصورة غير مبشرة لباقي دول الخليج المستقرة نسبيًا رغم رفع صندوق النقد الدولي توقعاته بالنسبة لها، لكن دون ثقة من التأثيرات السلبية من تباطؤ الاقتصاد العالمي، فجاء رد السعودية على انخفاض أسعار النفط وزيادة المعروض منه بأن زادت من إنتاجها للضغط على الأسعار والمحافظة على عوائد بيع النفط من خلال رفع حصة مبيعاتها من خلال أوبك والتي ربما تتدخل في النهاية لخفض الإنتاج ودعم الأسعار.

مع أزمات سياسية تواكب موجة انهيار اقتصاد عالمية بالفعل أدت لتدهور أداء أقوى الأسواق العربية من السعودية والإمارات، بعدما انهارت أسواق أخرى مثل مصر واليمن وليبيا وتونس، ودفعت ضريبة ثوراتها في الثلاث سنوات الماضية، حتى وصول نظم جديدة للحكم لم تخلق توافقًا سياسيًا حول البرامج الاقتصادية بغرض التطوير، مما زاد الأعباء الاجتماعية على الموازنات الحكومية وتحقيق ما يقارب 10% من إجمالي العجز ودفع بعض الحكومات للتخلي عن دعم السلع والوقود والخدمات الصحية والتعليمية، وهي القرارات التي يحبذها صندوق النقد الدولي لمواجهة الأزمة، ومع استمرار الحكومات في اتباع سياسة الاقتراض لتوفير السيولة والتمويل لن يوفر للحكومات العربية أي حائط صد ضد الموجة الاقتصادية القادمة خاصة وسط أوضاع أمنية وسياسية متأرجحة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد