هذه أيام يتغلغل فيها النظام العالمي في كل شيء. منذ نهاية الحرب الباردة، ثمة تركيز كبير على الشبكة الواسعة من القواعد والمؤسسات والعلاقات التي تحكم لأكثر من 7 عقود، مساحات شاسعة من السلوكيات الدولية والتعاملات الدبلوماسية.

لأسباب وجيهة، فإن ثمة اعتقاد ينتشر بين زعماء العالم بأن النظام العالمي ينهار، لكن هناك توافقًا قليلًا على ما يجب فعله حيال ذلك.

«جورج دبليو بوش» كان قد تنبأ باحتمال صعود نظام عالمي جديد مع سقوط الاتحاد السوفيتي، لكن زعماء اليوم بالكاد لديهم تصور متماسك حول ما قد يحدث، وهو أمر ينبئ بالخطر، لأن مستقبل النظام العالمي هو السؤال الجيوسياسي المهم لعصرنا.

من الواضح أن التفتت العالمي الذي نشهده يشغل كثيرًا مسؤولي السياسة الخارجية هذه الأيام. الرئيس أوباما خصص فصلًا كاملًا من استراتيجيته للأمن القومي – تلك الاستراتيجية المعلن عنها مؤخرًا للنظام العالمي- والجهود الأمريكية الهادفة لتعزيزه. كتاب هنري كسينجر «النظام العالمي» يحظى بأفضل مبيعات الآن، كما أعربت وزيرة الخارجية السابقة مادلين أولبرايت هذا الشهر عن قلقها الكبير حيال استقرار النظام العالمي، «لأن هناك ضغوطًا هائلة على هذا النظام».

عضو مجلس العلاقات الخارجية «ريتشارد هاس»، والذي أصدر مؤخرًا كتابه »عصر الاضطراب»، ومدير الاستخبارات الوطنية «جيمس كلابر» أخبرا الكونغرس أن العام الماضي شهد أعلى نسبة من عدم الاستقرار السياسي في جميع أنحاء العالم منذ عام 1992.

دواعي هذا القلق مفهومة، فالنظام الدولي الليبرالي، والذي تشكَّل من رماد الحرب العالمية الثانية، حافظ على السلام بين القوى العظمى وعزَّز ازدهارها الاقتصادي، كما سهَّل انتشار الحرية في العالم. لكن هذا النظام يخضع الآن لضغوطات كثيرة، مثل انتهاك روسيا لسيادة أوكرانيا ودول أخرى، وصعود الدولة الإسلامية وتدميرها للحدود المستقرة في الشرق الأوسط، أو تحدي الصين للقواعد البحرية عبر بحر الصين الجنوبي، وضغوط أخرى كثيرة.

مع ذلك فإن البنية السياسية التي تحكم السلوك العالمي تحجب حقيقة أعمق، ليس هناك نظام عالمي واحد، ولكن عدة أنظمة.

على مدى عقود، فإن النظام العالمي قد أحكم السيطرة بتقديم مجموعة مبادئ في خمس مجالات رئيسية: نظام تجاري قائم على التبادل الاقتصادي وعدم التمييز، نظام مالي يهدف إلى الاستقرار النقدي في عالم من العملات غير المستقرة، نظام بحري يركز على السيادة الإقليمية وحرية الملاحة، نظام عسكري يسعى إلى منع انتشار الأسلحة النووية، ونظام صاعد لحقوق الإنسان يثمن احترام الحريات الأساسية والعملية الديمقراطية.

لم يسلم أي من المجالات من تغيرات جادة تطرأ عليه. في مجال التجارة، فإن انهيار التجارة العالمية الحرة وظهور تكتلات إقليمية تضافر مع صعود الشركات المملوكة للدولة والقادرة على المنافسة عالميًّا في اختبار حقيقي للهيكل التنظيمي لمنظمة التجارة العالمية. كما أثار اضطراب السوق في السنوات الأخيرة تساؤلات حول شرعية النظام المالي، في حين أن النظام البحري تهدده الطموحات الصينية في البحر الصيني الجنوبي، والطموحات الروسية في المحيط المتجمد الشمالي. التطلعات النووية لكوريا الشمالية وإيران تشكل تحديًا جادًا لنظام حظر الانتشار النووي، كما أن مجال حقوق الإنسان يواجه ضغوطًا متزايدة. طبقًا لأحد المقاييس فإن درجة الحريات في العالم تابعت الانخفاض عام 2014 للعام التاسع على التوالي.

حال انتشار هذه الاضطرابات، فإن الولايات المتحدة وحلفاءها وجميع الدول التي تعتمد على عالم منفتح ومستقر، ستعاني من العواقب. مبادئ النظام العالمي – تجنب الحروب بين القوى العظمى، توسيع التعاون الاقتصادي، توفير أساس سياسي للحريات الإنسانية- ستصبح حينها أقل إلزامًا للدول. مناطق مختلفة من العالم ستتجه بشكل متزايد لاتفاقات محلية أو ستخضع لرغبات القوى المهيمنة إقليميًّا. المؤسسات والمعاهد التي تهتم بتنظيم استقرار الدول بين منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي وصولًا إلى معاهدة منع الانتشار النووي سيتم استبدالها أو تجاهلها، أو ببساطة ستصبح أقل فاعلية.

من هنا تظهر ضرورة تعزيز النظام العالمي، يعتمد هذا على قدرة اللاعب الأقوى في النظام – الولايات المتحدة الأمريكية- على فرض القواعد. من ناحية فإن الظروف الداخلية قد أجبرت الولايات المتحدة على تقليل الإنفاق على منظومتها الدفاعية، ومن ناحية فإن واشنطن لا يمكن بالطبع أن تفعل كل شيء وحدها. ستضطر الولايات المتحدة للعمل مع الشركاء لتحديث التفاهمات العالمية، وإدخال لاعبين جدد والسيطرة على قواعد المجالات الجديدة مثل الفضاء الإلكتروني، أثناء فعل ذلك ينبغي على الولايات المتحدة أن تنظر خارج لائحتها المعتادة من الأصدقاء والحلفاء، ربما عليها أن تأخذ في الاعتبار القوى الصاعدة مثل الهند والبرازيل وإندونيسيا.

بينما يحدث هذا، فإن الشركاء عبر الأطلسي الذين شكلوا دائمًا قواعد ما بعد الحرب، بحاجة لمناقشة التغييرات التي يستطيعون تحملها أو مستعدون للتعاطي مع نتائجها. دول مثل روسيا والصين لم تكن ضمن اللاعبين الكبار منذ 70 عامًا. لكنها الآن فرضت نفسها على الساحة بقوة. لم يتضح بعد إذا كانت هذه الدول تريد فقط إدخال تعديلات أساسية على اللعبة، أم أنها تريد هدمها تمامًا.

مفاهيم النظام العالمي تتحوَّل تدريجيًّا إلى مفاهيم أكثر تجريدية وغموضًا، كما أصبحت تبدو غالبًا منفصلة عن الحقائق الملموسة على الأرض، سواء في السياسة أو التجارة أو الحرب. لكن البنية الأساسية للنظام العالمي حقيقية وملموسة للغاية. كما أن عددًا متزايدًا من القوى الكبرى أصبحت تدرك أهمية النظام العالمي، وكذلك هشاشته المتزايدة؛ إنهم يدركون أن مفاهيم هذا النظام قادرة على بناء العالم، أو إحراقه.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد