سجّلت محافظة البليْدة الواقعة غرب الجزائر العاصمة، واقعة مؤلمة تمثّلت في وفاة رضيعة بسبب حرائق الغابات التي تشهدها البلاد، بعد أن حوصر منزل والديها بالنيران. وتشهد الجزائر خلال الأسابيع الماضية أزمة كارثية تسبّبت فيها النيران التي أتت على مساحات غابيّة وجبليّة شاسعة في العديد من المحافظات، إذ شهدت البلاد حسب بعض الإحصائيات أكثر من ألف حريق في كل من سكيكدة، وبجاية، وتيزي وزو، وبومرداس، والعاصمة، والبليدة، ومحافظات أخرى، وهو ما أدّى إلى الكثير من الخسائر الزراعية والحيوانيّة، وتهجير عائلات من منازلها.

لكن وفي ظلّ الصور المرعبة المنتشرة لألسنة اللهب التي قضت على غابات بأكملها، والمساحات الزراعيّة والجبليّة الشاسعة التي تحوّلت خلال أيّام إلى رماد، انتشرت في الصحافة، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، تفسيرات تُرجع ظاهرة الحرائق إلى العامل البشريّ فقط، مُتجاهلة بشكل تام أنّ هذه الحرائق تأتي في سياق عالمي من حرائق الغابات، التي سجّلت مستويات قياسيّة في الكثير البلدان من مختلف القارّات، والتي يُرجعها العلماء إلى ظاهرة التغيّر المناخي، التي تزداد خطورة وتأزّمًا يومًا بعد يوم.

هل تسببت «مافيا الفحم» في حرائق الغابات؟

انتشرت صور حرائق الغابات المثيرة للرعب على مواقع التواصل الاجتماعي، وهي الحرائق التي أكلت مساحات واسعة من الغابات والجبال في العديد من الولايات، خصوصًا في جبال منطقة تيزي وزو، وفي جبل الوحش بقسنطينة، وفي سكيكدة، بالإضافة إلى جبال شريعة في البليدة، وغيرها من المناطق؛ وانتشرت معها نظريات وتساؤلات حول الجهة التي تقف خلف حرائق بهذا الحجم، وإذا ما كانت بفعل فاعل، إذ اتّجه جزء معتبر إلى ربط توقيت هذه الحوادث بلوبيات الفحم، خصوصًا مع اقتراب عيد الأضحى، الذي يشهد انتعاشًا في تجارة الفحم الذي يستعمل في شواء اللحم، وهذا ما دفع البعض إلى إطلاق حملة عبر مواقع التواصل لمقاطعة شراء الفحم.

 

حرائق الغابات في جبال البليدة

حرائق جبال البليدة- المصدر: الشروق أونلاين

وقد أعطى بعض المسؤولين مشروعية لهذه الفرضيّات وربطوها بمافيا تجارة الفحم وتجّار العقارات الذين يستفيدون من الأراضي الجرداء، فقد جاء على لسان رئيس مكتب الوقاية ومكافحة الحرائق بالمديرية العامة للغابات لصحيفة «البلاد» قوله: إنّه «مع اقتراب عيد الأضحى تزايد عدد الحرائق بفعل مافيا الفحم»، لكن رغم ذلك لم تُعلن السلطات الرسميّة عن أي توقيفات أو اعتقالات في هذا الصدد، وهو ما يُضعف هذه النظريّة التي لا يوجد حتى الآن أيّة دلائل على صحّتها، رغم تواصل التحقيقات من طرف «الدرك الوطني» لاكتشاف أسباب حرائق الغابات.

فتش عن «التغير المناخي»

لكن الجانب الغائب بشكل صادم في تغطية الصحافة الجزائريّة لأزمة النيران المتكررة، والتي شهدت الجزائر مثلها قبل سنتين في 2017، هي قضيّة التغيّر المناخي الذي يحذّر منه المجتمع العلميّ، والذي تشير الدراسات إلى أنّ الجزائر ستكون من بين ضحاياه في السنوات القادمة؛ والدراسات العلميّة قد ربطت بين انتشار حرائق الغابات في عدّة مناطق في العالم، وبين التغيّر المناخي الذي يتسبّب في ارتفاع درجة حرارة الكوكب. وقد أكّدت الدراسات أن شهر يوليو (تموز) الماضي كان أكثر شهر جرى تسجيله حرارةً في التاريخ، وهو ما جعل علماء المناخ يدقّون ناقوس الخطر عن مخاطر التغيّر الحراري المتفاقمة بصورة مرعبة.

وتكمن الخطورة الرئيسيّة في تغييب قضيّة التغيّر المناخي في معالجة ملفّ حرائق الغابات في الجزائر، ناهيك عن الفكر المؤامراتي الخالي من الدقّة العلميّة، واعتبار أن مسبّبات هذه الحرائق هي العوامل البشريّة فحسب، وبالتالي يمكن التحكّم في الحرائق مستقبلًا أو تجنّبها تمامًا، بينما يختلف المجتمع العلميّ الذي يرى في الحرائق نتيجة حتميّة للاحتباس الحراريّ، فيشير خبراء المناخ إلى أنّ المستقبل «يحمل المزيد من النيران، وعلينا الاعتياد على ذلك»، وبالتالي فإن على الحكومة – انطلاقًا من هذا التفسير- اتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجة ظاهرة جاءت لتبقى، وليست مرتبطة فقط بمجرّد ممارسات بشريّة خاطئة، وهو ما يستعدي مخطّطات وبرامج وقائيّة خاصة.

في هذا الصدد، وُجّهت الكثير من الانتقادات للسلطات الجزائريّة بسبب عدم اعتمادها على تقنية «الإطفاء الجويّ» من خلال استخدام الطائرات المخصّصة لإخماد النيران، خصوصًا مع امتلاكها أسطولًا يقدّر بست طائرات جرى اقتناؤها سنة 2012، وأرجع المسؤولون في الحماية المدنية عدم استخدامها لـ«نقص تكوين الكوادر»؛ ممّا يوحي بعدم أخذ قضية حرائق الغابات والاحتباس الحراري على محمل الجدّ لدى صانع القرار الجزائري.

بالنسبة للجزائر ولمنطقة شمال أفريقيا بشكل عام، فإنّها معنيّة بشكل رئيسي بانعكاسات التغيّر المناخي، سواء في ما يتعلّق بالحرائق أو في قطاعات أخرى، خصوصًا في ما يتعلق بمجالات المياه والزراعة والتصحّر، إذ تشير الأبحاث العلمية إلى أنّ قطاع الزراعة، المسقي من مياه الأمطار بنسبة 70% في منطقة شمال أفريقيا سيتأثر بشكل رئيسي بالتغير المناخي، وهذا ما ستكون له انعكاسات اقتصاديّة فادحة، كون هذا القطاع هو الأكثر توظيفًا لليد العاملة في المنطقة. وتتوقّع الأبحاث العلميّة أن ترتفع درجات الحرارة صيفًا قبل نهاية القرن الحالي إلى ثماني درجات عن الدرجات الحالية في منطقة شمال أفريقيا، كما سيعني ذلك أن المنطقة ستحصل على أمطار أقلّ وثلوجًا أقلّ، وهو ما سيؤثر في مخزون المياه ومجرى الأنهار.

«سجن العقرب الجزائري».. سجن الحراش من مُعتَقلٍ للثوار إلى نُزل رجال النظام

موجة حرائق الغابات تجتاح العالم

وتأتي الحرائق التي شهدتها الكثير من المناطق الجزائريّة، في إطار موجة عالميّة من حرائق الغابات، التي ضربت الكثير من البلدان من مختلف القارّات؛ ممّا جعل العلماء المختصّين في المناخ يحذّرون من انعكاسات التغيّر المناخي المتسارعة بصفة مخيفة. ففي سيبيريا، التي لا تشهد عادة حرائق غابات واسعة، أحرقت النيران مساحة مرعبة تقدّر بـ3 ملايين هكتار، وهو ما دفع السلطات إلى إعلان حالة الطوارئ، واستدعاء الجيش للتصدي لها. أمّا في الولايات المتحدة الأمريكية، فتشهد ولاية كاليفورنيا حرائق غابات هي الأكبر من نوعها في السنوات الأخيرة، فقد أشارت دراسات إلى أنّ حجم الحرائق منذ السبعينات إلى الآن قد زاد بنسبة خمسة أضعاف، وهو ما يربطه خبراء المناخ بالتغيّر المناخي، وارتفاع درجة حرارة الكوكب.

Embed from Getty Images

حرائق بولاية كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأمريكية 

وفي إندونيسيا، اضطرّت حرائق الغابات السلطات لإعلان حالة الطوارئ في ست محافظات، في موجة حرائق ضخمة ضربت البلد الآسيوي. كما شهدت كل من إسبانيا وفرنسا في يونيو (حزيران) الماضي موجة ضخمة من الحرائق، وُصفت بأنّها الأكبر في أوروبا خلال العشرين سنة الماضية، خصوصًا مع موجة الحرّ غير المسبوقة التي ضربت القارّة، وشهدت بلوغ درجات الحرارة أرقامًا قياسيّة ناهزت 44 درجة.

لكن أليست أسباب اندلاع الحرائق ترجع عادة لأسباب بشريّة بالدرجة الأولى؟ يشير الخبراء إلى أنّ الأسباب المباشرة غالبًا ما تكون بشريّة بالفعل، أو طبيعيّة بسبب البرق، لكن هنالك دلائل علمية على أنّ التغيّر المناخي أو ارتفاع درجات حرارة الأرض هو الذي أدّى إلى إطالة مدّة موسم الحرائق، ومساحة الأراضي المحروقة، وعدد الحرائق، وذلك لأن درجات الحرارة المرتفعة تحفّز عمليّة التبخّر؛ مما يجعل الأرضيّة أكثر جفافًا، وبالتالي أكثر قابليّة للاشتعال مقارنة بالأرضية الرطبة. أي إنّ الشرارة قد ترجع إلى العامل البشري -والذي من شبه المستحيل التحكّم فيه تمامًا- لكن حجم هذه الحرائق وانتشارها سببه الرئيسي -حسب الأبحاث- هو التغيّر المناخي.

«فورين بوليسي»: كيف أصبح مستقبل أوروبا مرهونًا بدول شمال أفريقيا؟

المصادر

تحميل المزيد