لم يكن عبثًا اختيار كثير من المخرجين السينمائيين العالميين المغرب وجهة لصناعة أفلامهم، وإنما يعود ذلك إلى سمات ثقافية وتاريخية تتميز بها المملكة، تثير شهية العاملين في ميدان السينما

من منا لم يشاهد حلقات من سلسلة «صراع العروش»، المسلسل الأكثر شهرة وتكلفة في تاريخ السينما العالمية، سيكون مفاجئا إن علمت أن بعض مشاهده تم تصويرها بالمغرب، وهو فقط واحد من بين عشرات الأعمال السينمائية الشهيرة، التي فضل القائمون عليها صناعتها بالمملكة.وفق أرقام وزارة الاتصال المغربية، فإنه سجل تصوير، في العام الماضي فقط، 19 فيلما سينمائيا طويلا، و11 فيلما قصيرا، فضلا عن79 فيلما وثائقيا، و15 مسلسلا تلفزيونيا. وكانت جميع هذه الأعمال أجنبية

ميزات بالمغرب تجذب المخرجين

لم يكن عبثا اختيار كثير من المخرجين السينمائيين العالميين المغرب وجهة لصناعة أفلامهم، وإنما يعود ذلك إلى سمات ثقافية وتاريخية تتميز بها المملكة، تثير شهية العاملين في ميدان السينما.

في الواقع، يكمن السر في مدينة ورزازات الواقعة بالجنوب الشرقي للمغرب، هذه المدينة التي يروق للبعض تلقيبها بـ«هوليود العرب»، تحتضن تصوير معظم الأعمال السينمائية التي تنجز بالمغرب.

ورزازات التي لا تغيب عنها الشمس صيفا وشتاء، وتبرز بناياتها الأثرية القديمة وسط بحر من الكثبان الرملية، تحوي داخلها استوديوهات مجهزة بالوسائل التقنية، ومتاحف سينمائية يزورها السياح، بالإضافة إلى أماكن معدة خصيصا لتصوير الأفلام، ولاسيما التاريخية منها، مزينة بالديكورات والتماثيل الأثرية.

سنحت هذه البيئة الصحراوية الأثرية لتكون مكانا مناسبا لتصوير العديد من الأفلام التاريخية، من أمثال فيلم «لورانس العرب»، «ألكساندر»، و «المومياء». كما استضافت ورزازات مجموعة من أشهر المخرجين السينمائيين، مثل مثل مارتن سكورسيزي، وريدلي سكوت، وستيفان سومرز.

لعب كذلك التنوع الثقافي والجغرافي، الذي يزخر المغرب، دورا مهما في جذب العاملين السينمائيين، حيث تجتمع بالمغرب، الصحاري والهضاب مع السهول والغابات إلى جانب الجبال والبحار. وتتنوع فيه المجتمعات المحلية بشكل فريد من حيث اللهجات والتقاليد والعادات، ما يوفر بيئة مناسبة لتصوير السيناريوهات السينمائية، وفق ما تتطلبه من خصائص جغرافية وثقافية.

من جهة أخرى، تضاعفت الأعمال السينمائية المصورة في المغرب بعد الاضطرابات السياسية التي حلت على المنطقة العربية في سنة 2011، وهو ما جعل معظم الأعمال السينمائية الأجنبية التي كانت تصور عادة في بلدان الشرق الأوسط، خصوصا بمصر، تتجه مباشرة نحو المغرب، كبلد يعرف نوعا من الاستقرار.

وهو ما جعل معظم الأعمال السينمائية الأجنبية التي كانت تصور عادة في بلدان الشرق الأوسط، خصوصًا بمصر، تتجه مباشرة نحو المغرب، باعتباره بلدًا يعرف نوعًا من الاستقرار.

أفلام عالمية مصورة في المغرب

احتضن المغرب تصوير العديد من الأفلام العالمية، التي حققت شهرة لدى جمهور السينما ونالت جوائز رفيعة، نذكر منها:


القناص

الفيلم الشهير الذي تبدو أحداثه الشيقة وكأنها تدور بين أحياء الفلوجة في العراق، جزء كبير من مشاهده صور في الحقيقة بمدينة طنجة شمال المغرب. يحكي الفيلم عن سيرة ذاتية لقناص أمريكي تمكن من قتل 255 ضحية في حرب العراق الأخيرة، رشح الفيلم لخمس جوائز أوسكار، نال إحداها لأفضل مونتاج صوتي. وحقق إيرادات بلغت 547.1 مليون دولار.

بابل

فيلم حاز على 28 جائزة، منها واحدة أوسكار لأحسن موسيقى تصويرية، من بطولة النجم السينمائي براد بيت، والذي تدور أحداثه في وقت متزامن بكل من اليابان والمغرب والمكسيك، صورت مشاهده في قرية مهمشة تدعى «تازارين»، وغدت بعد ذلك منطقة معروفة للسياح بفضل شهرة الفيلم.

غلادياتور

نال الفيلم خمس جوائز أوسكار، وصُنِّف أفضل فيلم بمهرجان أوسكار وجولدون غلوب سنة 2000، وهو فيلم دراما تاريخي يجسد صراعًا بين مجموعات متقاتلة على عرش الإمبراطورية الرومانية. صورت بعض أجزائه في المغرب بمنطقة ورزازات، وبالتحديد تلك التي تظهر مشاهد العبودية.

الوصايا العشر

فيلم تاريخي يسرد قصة النبي موسى عندما وجد الألواح الحجرية، التي نقش عليها الوصايا العشر حسب التراث اليهودي المسيحي، في كل حلقة من حلقاته العشر يحكي عن وصية من هذه الوصايا. صُوِّرت مشاهد المسلسل تقريبًا بالكامل في المغرب.

لورانس العرب

الفليم المعروف والحائز على الأوسكار سنة 1962، يحكي قصة الملازم البريطاني لورنس الذي ساعد الشريف حسين بن علي في حربه ضد الإمبراطورية العثمانية إبان الحرب العالمية الأولى، ورغم أن أحداثه تدور في السعودية، إلا أن أجزاء من الفيلم صورت بقصبة «أيت بن حدو» في المغرب.

ألكساندر

الفيلم التاريخي الذي يمثل حياة ألكساندر الأكبر، من إخراج أوليفر ستون، وبطولة النجمة السينمائية أنجلينا جولي، أنتج سنة 2004. صورت معظم مشاهده في منطقة ورزازات ومراكش و الصويرة في المغرب.

أما بالنسبة للأفلام الحديثة التي هي قيد التصوير حاليًا بالمغرب، ويرتقب ظهورها على الشاشة السينمائية في الشهور المقبلة، فنجد فيلم «Billy Lynn’s Long Halftime Walk» من إخراج المخرج الأمريكي الفائز بالأوسكار أنغ لي، وهو يحكي عن نجاة الجندي بيلي ميل في معركة طاحنة بين فرقته العسكرية ومسلحين خلال حرب العراق. ويجري حاليًا تصوير الجزء الخامس من مسلسل «mission impossible» بمدن المغرب، وهو من إخراج الممثل الشهير توم كروز وبطولته.

السينما الوطنية لا تتعلم من السينما الأجنبية

تعي السلطات المغربية جيدًا مدى أهمية استقطاب المخرجين السينمائيين العالميين، إذ تدر استثمارات صناعة الأفلام في المغرب ملايين الدولارات تعزز بها ميزانية الدولة، ومن ثم تحرص على تسهيل الإجراءات الإدارية والأمنية أمام رواد السينما الذين اختاروا المغرب مكانًا لتصوير أفلامهم.

ويقدر وزير الاتصال والإعلام المغربي، مصطفى الخلفي، إيرادات الميزانية الناتجة عن الاستثمارات السينمائية الأجنبية للمملكة سنة 2015 بـ40.6 مليون دولار. وذكر المركز السينمائي المغربي أن أرباح هذه الاستثمارات وصلت سنة 2014 إلى ما يفوق 70 مليون دولار.

تسهم أيضًا صناعة السينما الأجنبية بالمغرب في توفير فرص شغل لآلاف العاملين في هذا المجال، منهم التقنيون والممثلون الهامشيون (الكومبارس) وغيرهم. ناهيك عن أن الأفلام العالمية المصورة بالبلد تنعش قطاع السياحة بشكل أو بآخر، حيث تعمل بمثابة دعاية غير مباشرة لصالح المغرب.

لكن بمقابل كل ذلك، تعاني السينما المغربية من هزالة شديدة كمًّا وكيفًا، بالرغم من البيئة المناسبة لإنتاج الأعمال السينمائية، سواء من حيث التنوع الثقافي والجغرافي المتواجد بالمغرب، أو من حيث وفرة التجارب السينمائية الغربية المتقدمة، إلا أن القطاع السينمائي المغربي لم يستفد من أي من ذلك.

ويكفي لتبيان الانحدار المهول في الإنتاج السينمائي المغربي، أنه لا توجد حاليًا سوى 26 قاعة سينمائية، في بلد يقارب تعداده 40 مليون نسمة، فضلًا عن أن الإنتاجات السينمائية المغربية لا تتجاوز شهرتها حدود الوطن في أحسن الأحوال، ما عدا بعض الاستثناءات النادرة، وإن كانت الدولة تحاول إنعاش هذا القطاع عبر المنحات السخية للمخرجين، وتنظيم العديد من المهرجانات الفنية.

يفسر الباحث في قضايا السينما، الحبيب الناصري، هذه الرداءة السينمائية التي يعيشها المغرب قائلًا: «لأن البلاد لا تتوفر على مشروع سينمائي ثقافي يعالج هموم الناس بكفاءة، كما أنه لا يوجد جمهور متلقٍ يقدر البعد الجمالي والنقدي في الأعمال السينمائية»، يشير كذلك الباحث إلى «تهرب البورجوازية المغربية، باعتبارها بورجوازية عقارية بامتياز لا تؤمن بالثقافة أو الفن، من الاستثمار في المجال السينمائي، على عكس حالات وتجارب مشرقة ببلدان أخرى».

عرض التعليقات
تحميل المزيد