ما هو الدور الذي تلعبه استثمارات الصين ودول مجلس التعاون الخليجي في أفريقيا خلال القرن الـ 21؟

يركز هذا الموجز على برامج المساعدات والاستثمار الخارجية التي تنفذها الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، والعديد من دول الشرق الأوسط في أفريقيا. وتشرح السطور التالية على وجه التحديد كيف أن النقاشات التقليدية حول هذه البرامج تبالغ في التشديد على المنافسة بين الصين وأمريكا / الاتحاد الأوروبي. ويخلُص هذا الموجز إلى أن دراسة أدوار دول الشرق الأوسط والإسلام في القارة يمكن أن تخدم هذه البرامج بشكل أفضل، وهذا ما يثمر إطلالة أكثر دقة على تعقيدات الجغرافيا السياسية الأفريقية.

منذ قامت الصين بإصلاحات اقتصادية في عهد دينج شياو بينج عام 1978، شهد الاقتصاد الصيني مسارًا تصاعديًا. انصبَّ التركيز في السنوات الأولى على إعادة تأهيل السوق المحلي، وفق نهجٍ حَذِر، بعد التجاوزات الأيدلوجية للثورة الثقافية. وفي المجمل لم يكن تفاعل الصين مع الاقتصاد العالمي إيجابيًا، منذ عهد سلالة تشينج وحتى الحكم الشيوعي في عهد ماو.. بيدَ أن الزمن تغير؛ وتحولت الصين من مملكة تسعى لإبعاد التجار الأوروبيين عن التداول في موانئها، إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وأكبر تاجر في الكوكب يتمتع بفائض تجاري مع العديد من الدول الصناعية، ومن دولة ما تزال تُعتَبر وجهة للاستثمار الأجنبي المباشر، إلى مستثمر رئيس في العديد من الدول، بما في ذلك أستراليا. لكن خلافـًا لاستثمار معظم الدول الأخرى، يُنظَر إلى الاستثمارات الصينية دائمًا بعين الشك والريبة، خاصة في أفريقيا. ويرجع هذا التصور، سواء كان صوابًا أم خطأ، إلى الروابط المعقدة والمتداخلة بين النخبة السياسية الحاكمة ومختلف الشركات المملوكة للدولة.

وتطبيقـًا لسياسة الانفتاحية، تدفق رأس المال الصيني إلى أفريقيا، مع تركيز الاستثمارات في الدول التي تتمتع بموارد طبيعية مثل السودان. لكن سوء النية الكامن وراء هذه الاستثمارات في مختلف الدول الأفريقية ظلت دائمًا مثار شك. وبدءًا من دعم الأنظمة ذات السجلات الحقوقية المثيرة للتساؤل، مرورًا بتعجيل التدهور البيئي عن طريق استخراج الموارد الطبيعية المختلفة، وصولاً لفرض الرقابة حاليًا على المعلومات عبر نشرات الأخبار الصينية المتلفزة إلى المنطقة، يبدو أن تواجد رأس المال الصيني في أفريقيا يحشد الكثير من الاهتمام العالمي.

وكما تزاحم المساعدات والاستثمارات الصينية في أفريقيا التمويل الأمريكي والأوروبي، فإن تركيز الاهتمام على الأنشطة الصينية في أفريقيا يزاحم أيضًا الاهتمام العالمي الرئيس على المساعدات الشرق أوسطية إلى أفريقيا، والاستثمار فيها.

ويمثل شمال أفريقيا قرابة ثلث- أو أكثر- الاستثمار الأجنبي المباشر المتدفق على أفريقيا ما بين عامي 2004 و2010، والذي بلغ ذروته عام 2008، لكن منذ ذلك الحين تعاني المنطقة من انخفاض في الاستثمار الأجنبي المباشر، لم يكن في البداية كبيرًا، لكنه انخفض بحلول عام 2011 إلى ثلث مستوى الذروة التي وصل إليها عام 2008. وباعتبار دول الخليج العربي مستثمرًا رئيسًا، أثَّرت الأزمة المالية العالمية بشكل واضح على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى منطقة شمال أفريقيا، مع استعادة مستثمرى الشرق الأوسط استثماراتهم مرة أخرى إلى اقتصاداتهم الوطنية الضعيفة. ثم استمر الانخفاض خلال عام 2011، تزامنـًا مع الربيع العربي.

الشكل (1):

مقارنة بين إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى أفريقيا، وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر من الصين ودول مجلس التعاون الخليجي ما بين عامي 1995و2011، بالمليار دولار.

الشكل (2):

تفصيل لتدفق للاستثمار الأجنبي المباشر من دول مجلس التعاون الخليجي ما بين عامي 1995 و2011، شكل مفصل بالمليار دولار.

الشكل (3):

تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر إلى أفريقيا بحسب المنطقة ما بين عامي 1995و2011، بالمليار دولار.

ومن أجل فهمٍ أفضل للجغرافيا السياسية الأفريقية؛ يتحتم رسم صورة شاملة للأطراف الفاعلة الموجودة هناك.

لفترة طويلة، ظل التنافس بين الصين والولايات المتحدة / الاتحاد الأوروبي على النفوذ في أفريقيا مستحوذًا على الخطاب التقليدي، ومن ثمَّ ظل تواجد منطقة الشرق الأوسط ونفوذها في أفريقيا غامضًا. وهذا الإغفال يمثل مثارًا للدهشة نوعًا ما؛ لأن وجود دين مشترك – الإسلام- يمكن أن يكون بمثابة زيت التشحيم الذي يقلل من الاحتكاك بين المنطقتين. ومن المفيد إجراء فحص أقرب للنفوذ / التواجد الشرق أوسطي في أفريقيا؛ لما يسلطه من ضوء داخل الصندوق الأسود الذي لا يمكن اختراقه عادة، والمتمثل في الجغرافيا السياسية الأفريقية، وما إذا كانت الدول الأفريقية تفضل الذهب على الرب، أم العكس!

تلعب دول الشرق الأوسط دورًا معقدًا في شمال أفريقيا، المقسم إلى خريطتين ثقافيتين مختلفتين تماما: (1) أفريقيا الفرانكفونية، التي تضم المغرب والجزائر وتونس و(2) أفريقيا الناطقة بالإنجليزية، التي تضم ليبيا ومصر. وهي دول تنتمي بشكل عام إلى الطراز المتخلف، وباستثناء الجزائر (37 مليونًا) ومصر الدولة العربية الأكبر (90 مليونًا) لا تتمتع أيًا منها بالثقل الاستراتيجي المطلوب لجعل وجودها محسوسًا سواء سياسيًا أو اقتصاديًا.

وإذا يممنا وجهنا أكثر شطر الشرق، سنجد دول الخليج الغنية بالنفط تلقي بظلال اقتصادية طويلة على أفريقيا. وفي ظل الخطاب الدولي المبهم بشأن استثمارات العرب، يتضح في ضوء المتاح أن الهدف الأساسي من هذه الاستثمارات هو توفير الأمن الغذائي. فشبه الجزيرة العربية تشهد تزايدًا في عدد السكان مقابل مساحة قليلة جدًا من الأراضي الصالحة للزراعة. وبالتالي، انتقلت الدول الخليجية بنشاطٍ للاستحواذ على الأراضي الأفريقية من أجل تلبية طلبها على السلع الغذائية. لكن السؤال المركزي، هو: هل يمكن للدول الأفريقية أن تحتفظ بأراضٍ منتجة وخصبة بما يكفي لتلبية احتياجاتها الخاصة؟ ومع تصاعد الاستثمار الصيني في الموارد، هل يمكن للدول الأفريقية تفادي هذا التنافس الذي يميز القرن الـ21؟

وعلى عكس تنافس القرن الـ19 على أفريقيا، الذي كان محوره تأمين القوى الأوروبية أراضٍ حصرية وكبيرة لمجموعة كاملة من الأسباب، على سبيل المثال: المجال الحيوي، والموارد، والفضاء الاستراتيجي خارج أوروبا – على عكس ذلك- فإن التنافس الجديد على أفريقيا أكثر دهاءً، والتدفق الاستثماري أكثر ديمقراطية.

وعلاوة على ذلك، لم يعد الأمر يقتصر على الأجانب الأقوياء الذين يستغلون الضعف الأفريقي، كما كان الحال في القرن الـ19؛ فالدول الأفريقية ذاتها تحاول استغلال ما يعرفون أنه ضروري لبكين والعواصم العربية.. فهم يدركون احتياجات بكين المستمرة لتغذية الطفرة الصناعية الصينية، مثلما يدركون الاحتياج العربي لتأمين الغذاء والماء.

لكن ثمة مساحة أخرى هامة يمكن القول إن الاستثمارات العربية في أفريقيا لم تستكشفها بما يكفي، وهي: دور الإسلام. فبينما ينقسم العرب في شمال أفريقيا ثقافيًا نتيجة للاستعمار الأوروبي، فإن الدين يوحدهم. وبالتالي يمكن افتراض أن الشبكات المسلمة في أنحاء الشرق الأوسط تمثل قوة ذات شأن، تضخ المال والمساعدات والتجارة إلى العمق الجنوبي في قلب أفريقيا، خاصة منطقة الساحل حيث توجد أعداد كبيرة من المسلمين الأفارقة. وفي هذه الحالة، هل يمكن القول إن الاستثمار العربي في أفريقيا يتمتع بامتياز واضح على الاستثمارات الصينية؟

الشكل (4):

الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتدفقة من الصين ودول مجلس التعاون الخليجي إلى أفريقيا ما بين عامي 1995 و2011، بالمليار دولار.

يقودنا هذا التساؤل إلى إلقاء نظرة فاحصة على تدفقات الاستثمار في الدول الأفريقية ذات الأغلبية المسلمة، حسبما يوضح الشكل (4)، والذي يثبت وجود ارتباط وثيق بين تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة من دول مجلس التعاون الخليجي على الدول ذات الأغلبية المسلمة في أفريقيا، كما ترتبط تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر على أفريقيا مع اتجاه تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر من الصين خلال الإطار الزمني ما بين عامي 2004 و2008.

لسنوات عديدة، تناول الاقتصاديون الغربيون التجارة والاستثمار باعتبارهما قوة دولية من أجل الخير. وفي رأيهم أن الدول التي يربطها تبادل تجاري، لا تخوض حربًا ضد بعضها. بيدَ أن ما لم يأخذوه بعين الاعتبار بجدية، وما أثبته التاريخ مرارًا وتكرارًا، هو أن الدول المتنافسة تخوض حربًا ضد بعضها، خاصة حين يكون هناك تهديد يتعلق بندرة الموارد.

الاستثمارات الصينية والعربية المعاصرة في أفريقيا جديدة نسبيًا، وتتنافس مع نظيرتها الأوروبية والأمريكية الشمالية العتيدة. ومن الناحية الاستراتيجية، يصبح تأمين الموارد الأفريقية قضية أمنية حينما يُنظَر إلى تدفق إحدى الاستثمارات الغربية باعتبارها تهجيرًا، ربما بشكل غير عادل للاستثمارات الأخرى. ويمكن للعديد من المنظمات الاقتصادية الدولية المتداخلة معالجة بعض هذه القضايا. لكن من الناحية الواقعية، لا تعدو هذه المنظمات كونها نمورًا ولكن بلا أنياب. فالكلمة الفصل في الخلافات الدولية للحرب، التي يمكن إشعالها باستغلال الطبيعة المنقسمة للأنظمة السياسية الحاكمة في أفريقيا. ونسجًا على منوال الصراعات بالوكالة التي تعود إلى سنوات الحرب الباردة، يمكن أن تسفك الفصائل الأفريقية الدماء الأفريقية، سرًا أو جهرًا؛ لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية أجنبية.

من أجل ذلك، ينبغي دراسة العلاقة بين المنافسة الاقتصادية والاستقرار السياسي والأمني في أفريقيا القرن الـ 21، بعمق أكبر. وفي الوقت الحاضر، يبدو أن المصالح الغربية ونظيرتها الأفريقية تسيران بنظام الطيار الآلي، في مناخ سعيد بالحديث عن الصعود الأفريقي، وسيظل المشهد هكذا حتى يولد بالفعل شيء غير متوقع من رحم السعي “غير الضار” وراء الربح..

من المثير للاهتمام ملاحظة أن التاريخ لا يكرر ذاته بالضرورة بطريقة ميكانيكية، لكن دروس الأجيال السابقة التي لم يتعلم منها أحد تميل إلى التكرار مستقبلاً.

عرض التعليقات
تحميل المزيد