تستمر إسرائيل في ضرباتها الخاطفة ضد تنظيم «حزب الله» اللبناني على غير أرضه (سوريا)، ويستمر الحزب في الوعيد والتهديد بالرد وقصف «مفاعل ديمونا النووي»، في صراعٍ يشبه صراع «القط والفأر».

لكن على الأرض خطوات إسرائيل تسبق خطوات الحزب المنشغل في القتال بسوريا، إذ أعلنت في الأيام القليلة الماضية عن إقامة مدينة تحاكي المدن اللبنانية، وذلك ضمن سياسة التدريب العسكري على القتال في الأماكن المكتظة التي تنتهجها إسرائيل، فرغم إجماع المراقبين على أنه بعد 11 عامًا من آخر قتال بين الطرفين، كلاهما لا يريد حربًا، يطرح «ساسة بوست» تساؤله: ما الذي ستفرضه التطورات الأخيرة بين الطرفين؟ هل حرب المدن  قريبة بينهما؟

«الرسائل العنيفة» بين إسرائيل وحزب الله

لم يعد بالإمكان إحصاء الضربات الجوية المعلنة التي تنفذها إسرائيل ضد حزب الله في سوريا، ولا العمليات السرية التي تنفذها الوحدات الخاصة التابعة لهيئة أركان الجيش الإسرائيلي، والتي تعرف بـ«لواء العمق»، حسب موقع «يسرائيل بالس».

عناصر من الجيش الإسرائيلي

ولم تقتصر تلك الضربات على شخصيات ومواقع تابعة للحزب، فقد ضربت إسرائيل قواعد لجيش نظام الأسد في القنيطرة وجنوب سوريا، تحت ذريعة أن حزب الله يخطط لاتخاذها مقرات له، ناهيك عن اتخاذ خطوات استباقية كثيرة، كمشروع إقامة جدار أمني جديد على مساحة عدة كيلومترات على الحدود مع لبنان، وتحديدًا قرب رأس الناقورة، يتوقع أن يبلغ ارتفاعه 6 أمتار، وبتكلفة قد تصل إلى 100 مليون شيقل (الدولار يعادل 4 شيقل).

التحركات السابقة وغيرها نابعة من التهديد الاستراتيجي الذي تراه إسرائيل في توجهات حزب الله نحو الحصول على أسلحة وخبرة أكثر نتيجة مشاركته في القتال بسوريا، إذ تعتقد إسرائيل بأن هذا القتال مكّن الحزب من تدشين بنى عسكرية وتنظيمية في الجنوب السوري، وتقدّر إسرائيل امتلاك الحزب 15 ألف صاروخ وأنظمة موجهة قادرة على إصابة العمق الإسرائيلي، وقد حققت هذه التحركات شيئًا من أهدافها، حيث تشير وكالات الاستخبارات الغربية إلى أن إيران اضطرت مؤخرًا لبناء مصانع تحت الأرض في لبنان لإنتاج الصواريخ لصالح حزب الله، بسبب صعوبة نقل السلاح للحزب في ظل الهجمات الإسرائيلية.

يقول المدير السابق لمركز موشيه ديان لدراسات الشرق الأوسط، ايال زيسر : «لا أحد يريد مواجهة شاملة، لكن السنوات الأخيرة أثبتت أن الطرفين لا يرتدعان عن تبادل الرسائل العنيفة»، مضيفًا في مقاله المنشور بصحيفة «إسرائيل اليوم» (حزب الله يستعرض عضلاته من جديد): «هذا الأمر الذي يعني الاستعداد للدخول إلى أخطار على أمل أن يتوقف أحد الطرفين في اللحظة الأخيرة، ولكن هذا لم يكن في السابق، ومن هنا ينبع الخوف مما هو قادم».

إسرائيل.. رائدة تدريبات «حرب المدن»

امتلأت الجدران بكتابات باللغة العربية، ورسومات بعضها للأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله، وأخرى لقادة من الحزب، إنها مدينة تشبه المدن اللبنانية وتراعي الطوبوغرافيا الجبلية للجنوب اللبناني على وجه التحديد، أنشأتها إسرائيل مؤخرًا على أرض الجولان، بغرض إجراء تدريبات عسكرية داخل المدن.

جنود إسرائيليون في تدريب عسكري (المصدر: وكالة أسوشيتد برس)

 بناء مدينة تحاكي مواقع تابعة لحزب الله من قبل إسرائيل ليست بالعملية المستغربة، فإسرائيل لديها خبرة عملية مديدة في عملية محاكاة الأهداف وبناء نماذج لها بهدف التدريب عليها، وذلك بهدف الحصول على أفضل نتائج في تدريبات جنودها و عناصرها، وقد حرصت إسرائيل في السنوات الأخيرة على تغيير هيكلية التمارين التدريبية من أجل محاكاة أفضل لحالات القتال ضد حزب الله وحركة المقاومة الإسلامية (حماس).

يؤكد موقع «والاه» الإسرائيلي أنه سيبدأ استخدام هذه المدينة في التدريبات العسكرية مع مطلع العام 2018، وستتيح تدريبات ميدانية لفرق من سلاح الهندسة والمدرعات والمدفعية، ونقل الموقع عن الجيش الإسرائيلي إن: «هذه البلدة تشكل ثورة في عالم تدريبات الجيش واستعداداته للمواجهات العسكرية، إذ سيُبنى مركز تدريب للقتال للقوات البرية ضمن منشآت لمحاكاة ساحة القتال، ومركز للتدريبات لقطع المصفحات العسكرية، والثالث يحتوي على منشآت محاكاة للقتال في مواجهة قوات العدو، مع عتاد يحاكي عتاد عناصر حزب الله وحماس».

رسم توضيحي للمدينة (المصدر: وكالة معا الفلسطينية)

وتعكف إسرائيل على فعل كل شيء يمكنها من خوض حرب المدن وتحقيق أهدافها، فكما قال ضابط في القوات البرية لـ«هآرتس» العبرية: «علينا أن نكيف تماريننا، وهناك جهود جبارة لإنشاء مناطق تدريب أكثر ملاءمة»، وفعليًا هي ماضية في اتخاذ خطوات، كتطوير مدفع جديد، مدفع «دوهر» الأمريكي الأوتوماتيكي ذي القطر ١٥٥مم، فهو مدفع يستطيع إطلاق قذائفه حتى مسافة ٤٠كم، يناسب حرب المدن لدقة إصابته، أما فيما يتعلق بـ«القوات الحمراء»، باعتبارها أحد وسائل المحاكاة لمقاتلي حزب الله القتالية، فتعمل إسرائيل على إنشاء القوات الحمراء في كل فرقة عسكرية، وفيها يقوم الجيش الإسرائيلي بمحاكاة حزب الله في كل شيء، كأن يستخدم بندقية كلاشنيكوف، ويرتدي عناصره كوفية وجلابة، كما أن الأنفاق التي شكلت أحد الدروس المستفادة لإسرائيل من العدوان على قطاع غزة في العام(2014)، فرضت نفسها على هذه التدريبات، فبُنيت الأنفاق في جميع قواعد تدريب ألوية الجيش الإسرائيلي (باستخدام حاويات الشحن) لتكرار القتال تحت الأرض.

يذكر أنه في عام 2007، قامت إسرائيل ببناء «بلدة عربية» متوسطة الحجم داخل قاعدة عسكرية في صحراء النقب بجنوب إسرائيل بغية التدريب على القتال داخل المدن، وكانت على غرار مدينة رام الله، فضمت منازل ومخيمات للاجئين ومساجد وطرقًا ضيقة متعرجة، كما يوجد في إسرائيل أكبر موقع في العالم للتدريب على حرب المدن هو موقع «كتساعوت»، الذي يتكون هذا المعسكر من(600) مبنى، منها مسجد ذو مآذن ومبان ذات طوابق متعددة، وأزقة أحياء شعبية، وأجهزة اتصالات متقدمة.

إسرائيل تقضم المزيد من الأراضي السورية

يشكل إنشاء هذه المدينة في الجولان السوري المحتل خطورة كبيرة، حيث يعني وجودها تكريسًا أكثر للاحتلال الإسرائيلي، هذا الاحتلال الآخذ بالتمكن أكثر من الأراضي السورية عبر إنشاء قاعدة للتدريبات العسكرية بشكل ثابت، تسهل على إسرائيل شن العمليات الحربية في مناطق جبلية كلبنان.

أسلحة إسرائيلية في الجولان السوري

تقول الإعلامية المهتمة بالشأن الإسرائيلي في الجولان «سما نصار» أن إسرائيل تفكر بجدية بأخذ المزيد من الجولان عبر انتهاج الضغط العالمي، وتضيف : «حزب الله منهك بالقتال في سوريا ومصرّ على الاستمرار فيه لأخذ مستحقاته من الحرب، لذلك لا أستبعد حدوث تصفية حسابات في سوريا ولعبة عض الأصابع، إذ من الممكن أن يتمخض عن هذا الصراع سيطرة إسرائيلية على مناطق بالقنيطرة مقابل أن يأخذ الحزب مناطق أخرى بطوق العاصمة دمشق وهكذا».

وتوضح نصار لـ«ساسة بوست» أن: «إسرائيل تمتلك سلكًا مخابراتيًّا كبيرًا في الجنوب السوري بالتحديد في القنيطرة، وهي ماضية نحو المزيد من التعمق في هذه المنطقة تحت ذريعة مجابهة حزب الله»، وترى نصار في الربط بين اسم حماس مع حزب الله عند الحديث عن المدينة سابقة الذكر، أنه جاء لتأكيد أن مصدر السلاح لكلا الطرفين واحد وهو إيران التي تريد إسرائيل الضغط عليها أكثر.

هل تندلع حرب بين حزب الله وإسرائيل؟

«ينبغي على القوّات المشاركة أن تدرك أنّ هذا التدريب قد يكون الأخير قبل الحرب»، هذا ما قاله قائد قاعدة إلياكيم العسكرية، الكولونيل «كوبي فالر»، وهو يتحدث عن جنود إسرائيليين يتدربون في تلك القاعدة الواقعة على الحدود الإسرائيلية الشمالية.

جندي من قوات الأمم المتحدة يتفقد قذيفة على حدود لبنان مع إسرائيل

فعلى الرغم من الإجماع الغالب عند المراقبين بعدم رغبة كلا من حزب الله وإسرائيل بمواجهة عسكرية، إلا أن شبح حرب جديدة بينهما ليس مستبعدًا، فإسرائيل التي تتجنب توجيه ضربات إلى قوافل حزب الله داخل لبنان وتقتصر على ضربه في سوريا ماضية بتحركاتها العسكرية والتجهيزية نحو الضغط على الحزب، بضوء أخضر من إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، فتلك الإدارة التي وجهت ضربة عسكرية في سوريا، ستمنح دعمًا لم يسبق له مثيل لإسرائيل في حال نشوب أي صراع، وهي التي قبلت المطالب الإسرائيلية بتقليص نفوذ حزب الله وإيران في سوريا، وقد ظهر تخوف هذين الحليفين من أي صفقة تهدف لتهميش دورهما في سوريا، الأمر الذي يثير احتمال حدوث أي رد فعل يفضي إلى حرب واسعة، وقد جاء في صحيفة «الإندبندنت» البريطانية أنه : «بعد 11 عامًا فقط من آخر جولة حربية بينهما، خلفت أضرارًا كبيرة عند الجانبين، تثار مخاوف من أن حربًا شعواء ستندلع بين حزب الله وإسرائيل»، وحسب الصحفية التي قالت إنها لم تلاحظ من قبل هذه الدرجة العالية من القلق، فـ«إسرائيل في الحرب المقبلة ستقصف البنى التحتية اللبنانية والسكان المدنيين».

من جانبه، يستبعد المحلل العسكري السوري «راني جابر» وجهة النظر الدارجة حول احتمالية وقوع صدام كبير وقريب ضد حزب الله في لبنان أو سوريا، وإن ظهر بناء المدينة سابقة الذكر خصيصًا لمواجهة الحزب، ويقول : «التدريبات التي ظاهرها التدريب والتجهيز لمواجهة ضد حزب الله قد تكون في الواقع تجهيزًا لمعركة متوقعة ضد طرف آخر قد يكون حماس أو الفصائل المختلفة التي تنشط في الشرق الأوسط ضمن مسرح الصراع المعقد الناتج عن جملة الظروف الحالية».

ويشدد «جابر» خلال حديثه لـ«ساسة بوست» على أن إسرائيل لم تخرج عن السياق العام للاستراتيحية العسكرية للدول العظمى في المنطقة، فهي لن تتورط بشكل مباشر في عمليات توسع (على الأقل في المرحلة الحالية) فهي لا تحتاج ذلك، بل أنها –حسب جابر- تستفيد من التغيرات المهمة في بنية المنطقة وإمكانية إنشاء أحزمة عازلة حولها، تسمح لها بعزل أي تهديدات خارجها.

المصادر

تحميل المزيد