تراجع المعدن الأصفر  إلى ما دون حاجز  1300 دولار، الثلاثاء الماضي، لأول مرة منذ تصويت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، في يونيو (حزيران) الماضي، بينما يستمر  الدولار في الصعود للشهر الثاني، وسط تكنهات برفع مجلس المحافظين للنظام الاحتياطي الفيدرالي، أسعار الفائدة، بحلول ديسمبر (كانون الأول) هذا العام.

وبدا أن كلًّا من لوريتا مستر، محافظ البنك الفيدرالي في كليفلاند، وجيفري لاكر رئيس بنك ريتشموند الفيدرالي يؤيدان زيادة سعر الفائدة، خاصةً مع صدور بيانات العمل الأمريكية الاثنين الماضي، بمؤشرات أعلى مما كان متوقعًا.

وأظهرت البيانات تراجع أعداد المتقدمين لإعانات البطالة بواقع خمسة آلاف طلب عن العام الماضي، وقد يعزز تقرير رواتب القطاعات غير الزراعية الرسمي المقرر، الحصول على أدلة إضافية بشأن الاقتصاد، وهو ما يعني انخفاضًا أكبر للذهب، وارتفاعًا أكبر للدولار.

وتُعد واحدة من الأسباب التي أدت إلى انخفاض أسعار الذهب، ارتفاع الدولار أمام الجنيه الإسترليني، وذلك بعد ظهور خطة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى النور، وهو ما أطاح العملة البريطانية إلى أدنى مستوياتها منذ 31 عامًا أمام الدولار الأمريكي، بالإضافة إلى ارتفاع أسهم «دويتشه بنك»، وهو ما خفّض القلق  بخصوص قدرات البنك، وقلل من أهمية الذهب كجنة آمنة للمدخرات.

اقرأ أيضًا:  العجوز المصرفي «دويتشه بنك» يشكل أكبر خطر على النظام المالي العالمي

ويشكل الذهب وأسعاره أهمية كبيرة لدى المستثمرين، وذلك لارتباطه بعدة عوامل تؤثر في زيادة وتراجع السعر، أهمها سعر الدولار والنفط، وعوامل أخرى ترتبط بالأحداث السياسية والاقتصادية المهمة في العالم، لارتباط بيع وشراء المعدن النفيس باحتياج المستثمرين والأفراد لغطاء آمن من تبدل سعر الصرف للعملات الرئيسية، خاصةً الدولار.

ويرجع ارتباط الذهب بالاقتصاد إلى كونه المعدن الذي كانت ترتبط به العملات، وسعر صرفها، وتواجدها، وتوفرها في السوق، فقديمًا، كانت النظم الاقتصادية تعتمد على ما يسمى «الغطاء الذهبي»، وهو نظام يكون فيه الذهب الأساس في تقييم قيمة العملة النقدية للدولة، حيث تقوم الدول بتثبيت سعر البيع والشراء للذهب، وتقوم بتقييم عملتها من خلاله، وكان أول من استخدم هذا النظام هي المملكة المتحدة في عام 1821، لكنه اختفى مع تخلي الدول عنه منذ ثلاثينات القرن الماضي.

وكانت أول الدول التي قامت بتبديل الغطاء الذهبي بنظام التثبيت هي الولايات المتحدة، حتى اختفى هذا النظام تمامًا في السبعينات، لكن ظل المعدن النفيس مهمًا، وذلك لقدرته على الحفاظ على سعره وثباته في أوقات التضخم، وارتباط أسعار الصرف للعملات الرئيسية خاصةً الدولار بها؛ مما يجعله حاويةً بديلةً للثروات في أوقات الاضطراب الاقتصادي.

الدولار والذهب.. لماذا يتعاكسان؟

يقول عامر عمران، في مقاله على موقع مركز روابط للدراسات، إن العلاقة بين الطلب على الذهب والدولار الأمريكي، تتمثل في التعامل معهما كمادتين بديلتين، يزداد الطلب على إحداهما عندما يرتفع سعر الأخرى، ذلك أن الذهب يعتبر أحد أهم مصدات الدفاع عن المدخرات من التغير في أسعار صرف العملات، ولذا يمكن للمستثمرين أن يشتروا الذهب للتغطية على المخاطر الناتجة من ضعف الدولار، وبالتالي العملات الأخرى، والتي تحدد سعر الدولار من خلال معدل صرفه بها.

 

وتعود هذه الرابطة إلى ما بعد اتفاق «بريتون وودز»، وهو الاتفاق الذي أسس لربط العملات بالدولار،  بعد أن كان ربطها بالذهب، محددًا سعر أوقية الذهب بـ33 دولارًا أمريكيًّا، وهي السياسة التي أدت إلى ارتفاع معدلات التضخم عالميًّا.

وتؤدي عوامل مثل صدور بيانات سوق العمل الأمريكي إلى ارتفاع سعر صرف الدولار؛ مما يؤدي بالضرورة إلى انخفاض أسعار الذهب، ففي أغسطس الماضي ومع دور بيانات سوق العمل الأمريكي الذي أظهر ثبوت نسب البطالة عند 4.9%، وصدور 255 ألف وظيفة في السوق الأمريكي، وهو ما أدى إلى انخفاض سعر الذهب نتيجة تلك البيانات من 1365 إلى 1335 دولارًا أمريكيًّا، كما أن التكهنات بزيادة المجلس الفيدرالي لسعر الفائدة، تؤثر بالسلب في سعر الذهب.

النفط والذهب

هما السلعتان الأغلى من بين كل السلع التي تباع وتشترى حول العالم، وبشكلٍ ما، يستطيع كل من الذهب والنفط تحديد قيمة اقتصادات الدول، ولهما دور رئيسي في كثير من التوترات السياسية في العالم، خاصةً النفط.

وجزء من ارتباط الناس بالذهب كونه أنفس المعادن وأكثرها قيمةً، لذا يسعى الجميع أفرادًا ومستثمرين إلى شراء  الذهب واقتنائه، ولأهمية النفط وتأثيره في باقي السلع، بما فيها الذهب، سواء في تكلفة النقل أو في تكلفة الإنتاج، لدخول النفط في عددٍ كبيرٍ من الصناعات بمشتقاته المختلفة، فإن زيادة سعر النفط يؤدي إلى زيادة في أسعار الذهب، ولهذا، نرى تراجع أسعار الذهب في هذه الفترة مرتبطًا بتراجع ليس بالجديد لأسعار النفط.

 

بالإضافة إلى أن ارتفاع أسعار النفط يزيد من الناتج المحلي الإجمالي للدول، الأمر الذي يزيد بالتبعية القوة الشرائية للمواطن، فيرتفع الطلب على الذهب سواء لأغراض الادخار، أو لأغراض الزينة.

وفي بعض الأحيان يلجأ المضاربون الكبار في البورصات العالمية للذهب، إلى رفع أسعاره؛ رغبةً منهم في امتصاص الزيادة التي حدثت في حصيلة العائدات البترولية، والناتجة من ارتفاع أسعار البترول.

وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن ارتفاع أسعار الذهب، والبترول له عوامل ومحددات ترتبط بمدى الارتفاع، أو الانخفاض في أسعار كلٍّ منهما، تخرج عن نطاق العرض والطلب.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد