يشن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، حربًا اقتصادية على الصين؛ الدولة التي اعتبرها تهديدًا للولايات المتحدة، ليس بدافع أيديولوجي تجاه دولة شيوعية، كما حدث أيام الحرب الباردة، ولكن محاولة منه لإعاقة الهيمنة الصينية على الاقتصاد، والعلم، والتكنولوجيا.

صحيح أن الإنفاق العسكري الأمريكي يتجاوز نظيره الصيني بحوالي الضعف تقريبًا، لكن المسافة بين الاقتصادين تتضاءل أكثر، إذ بلغ حجم الاقتصاد الأمريكي 21.5 تريليون دولار في عام 2019، في حين وصل الاقتصاد الصيني إلى 14.2 تريليون دولار، فيما تتفوق الصين في تعادل القوة الشرائية؛ وفقًا لصندوق النقد والبنك الدولي.

وفي مقابل الحرب التي أعلنها ترامب، لوَّح الرئيس الصيني شي جين بينج بأنه لن يتردد في الرد على الولايات المتحدة – في ساحة الحرب التجارية التي نشبت بينهما منذ 2018 – وأضاف أن الثقافة الغربية تؤمن بفكرة «من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر»، أما في الصين فنحن «نرد الصاع صاعين».

الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين تتحول إلى «حرب الذهب»

انتقلت الحرب التجارية التي أشعلها ترامب عام 2018، بفرضه تعريفات جمركية جديدة على الصين، إلى «حرب الذهب»؛ إذ شهدت أسعاره ارتفاعًا كبيرًا وتذبذبات منذ ذلك الحين نظرًا لازدياد الطلب عليه كملاذ آمن في ظل التوترات السياسية بين أقوى قوتين اقتصاديتين في العالم.

العالم والاقتصاد

منذ سنة واحدة
لماذا يجب أن يستحوذ الذهب على النسبة الأكبر من استثماراتك في 2020؟

هذه الحرب الاقتصادية بين البلدين هي «العامل الأساسي في سوق الذهب، إذ يتبعها السوق ارتفاعًا وانخفاضًا، كلما انفرجت أو تأزمت هذه التوترات»، كما يوضح المحلل في بنك آي إن جي الهولندي، وارن باترسون. ويتأكد ذلك عند النظر إلى ارتفاع سعر الذهب 18% العام الماضي، فكلما ارتفعت التعريفة، ارتفع معها سعر الذهب.

وتوقع سونيل كومار كاتكي رئيس السلع والعملات في شركة «أكسيس» للأوراق المالية أن تصل أسعار الذهب إلى سقف 1900 إلى ألفي دولار للأوقية، نظرًا لعدة عوامل، على رأسها: الحرب التجارية، وعدم اليقين الاقتصادي العالمي نتيجة جائحة كورونا، إضافة إلى إقبال البنوك المركزية على شراء الذهب، والطلب على صناديق التداول في سوق الذهب.

ويتوقع بعض الخبراء أن يستمر سباق الذهب لعام قادم على الأقل، وهذا يفسر الرغبة الشديدة للاقتصادات الكبرى بزيادة مخزونها من الذهب الذي لم يفقد بريقه رمزًا لقوة الدولة.

أمريكا في صدارة سباق الذهب.. والصين تملك أكثر من المعلن

يبشر المؤلف ويليام ميدلكوب في كتابه «الانهيار الكبير: حروب الذهب ونهاية النظام العالمي»، الصادر سنة 2016، بتحوُّل في النظام المالي العالمي؛ يفتح الباب أمام عودة الذهب إلى موقعه الرائد، ركيزة أساس في النظام المالي العالمي؛ الأمر الذي لم يكن ليخفى على الولايات المتحدة التي أدركت التحديات المحدقة بالدولار ومكانته عملةً احتياطيةً للعالم، ولذلك باشرت بالتخطيط للتحول في سياساتها النقدية.

في الواقع فطنت الولايات المتحدة إلى قيمة احتياطات الذهب منذ زمن، فقفزت بمخزونها من المعدن الأصفر سنة 2000 إلى أكثر من 8 آلاف طن، متصدرة منذ ذلك الحين قائمة الدول الأكثر حيازة للذهب، ومتخطّية مجموع ما لدى الدول الثلاث التالية (ألمانيا، وإيطاليا، وفرنسا) مجتمعة.

وحجزت الولايات المتحدة لنفسها مكانًا في الصدارة أيضًا من حيث النسبة المخصصة للذهب في احتياطاتها الأجنبية المكونة من سلة العملات الأجنبية وحقوق السحب الخاصة ومركز الاحتياطي الأمريكي في صندوق النقد الدولي والذهب الذي يمثل نسبة 78.3% من هذه الاحتياطات.

صحيح أن الذهب لم يعد يدعم العملة الورقية أو الرقمية اليوم، إلا أنه يحتفظ بمكانته بصفته جزءًا من الاحتياطات النقدية في التعاملات الدولية، وبالطبع لا تغفل الصين عن هذه الحقيقة؛ إذ تشير الأرقام إلى أنها بدأت منذ فترة ليست بالقليلة بزيادة مخزونها من الذهب بوتيرة متسارعة جدًا.

وفقًا لـ«تريدينج إكونوميكس» كان متوسط احتياطات الصين في الأعوام من 2000 وحتى 2020 من الذهب 1018.41 طن، ثم سجلت أعلى قيمة لها في الربع الرابع من العام 2019، بوصول الاحتياطي إلى 1948.31 طن. وبين أبريل (نيسان) ومايو (أيار) الماضي، ارتفعت قيمة المخزون الصيني من الذهب بنحو 1.74 مليار دولار.

مقارنة الذهب الصين أمريكا
رسم بياني يوضح الفرق بين مخزون الصين (بنفسجي) من الذهب ومخزون الولايات المتحدة (قرمزى)، من سنة 2000 إلى سنة 2020، المصدر: مجلس الذهب العالمي.

بيد أن محللين من وكالة «بلومبرج» يثيرون الشكوك حول مصداقية الأرقام الخاصة بمخزون الذهب التي تعلن عنها الصين؛ إذ يرون أن حركات الشراء التي تمر عبر بيونج يانج، عاصمة كوريا الشمالية، وشنجهاي، العاصمة الاقتصادية للصين، ترجح أن القيمة الحقيقية تجاوزت ألفين وربما 3 آلاف أو حتى ستة آلاف طن. هو أمر تحدثت عنه لجنة العمل لمكافحة احتكار الذهب (GATA) منذ 2009 إذ شككت في صحة الأرقام الصادرة عن مجلس الذهب العالمي لفشلها في تتبع عمليات حيازة الذهب الصينية غير المعلن عنها.

يوضح المحللون أن هذه الضبابية في الأرقام تأتي نتيجة وجود كيانين آخرين، بجانب بنك الشعب الصيني، يشترون الذهب، وهما: إدارة الدولة للنقد الأجنبي (SAFE) ومؤسسة الاستثمار الصينية (CIC).

ما تشتريه هذه المؤسسات لا يدخل ضمن الأرقام المعلنة؛ وبذلك يكون لدى الصين ذهب أكثر بكثير مما يظهر في الإحصائيات الرسمية، وفقًا لفريق سيمون هنت للخدمات الإستراتيجية.

يقودنا هذا للتنقيب عن الإجراءات التي تتبعها الصين لامتلاك هذه الكمية المتضخمة من الذهب.

كيف تستحوذ الصين على المزيد من الذهب؟

تشتري الصين كميات كبيرة من المعروض العالمي من الذهب، وبموازاة ذلك تستثمر في عمليات الاندماج والاستحواذ على مناجم الذهب حول العالم؛ وتظهر استثمارات الصين في عمليات التعدين جلية في كونها تتصدر قائمة الدول الأكثر إنتاجًا للذهب إذ تنتج 12% من إجمالي الناتج العالمي أي حوالي 383.2 طن بينما تأتي الولايات المتحدة رابعًا بـ200.2 طن.

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، اشترت شركة «زي جين» الصينية أصول شركة «فري بورت ماكموران» في صربيا مقابل 390 مليون دولار. وفي مارس (أذار) الماضي اشترت شركة «كونتيننتال جولد»، وهي شركة كندية لها عقارات في كولومبيا، مقابل 1.3 مليار دولار أمريكي.

وفي الثامن من مايو (أيار) الماضي أعلنت شركة «تي إم أيه سي ريسورسز»، التي تمتلك منجم هوب باي على خليج كامبريدج، أنها توصلت إلى اتفاقية نهائية لبيع المنجم إلى شركة «شاندونج» جولد الصينية مقابل 230 مليون دولار.

وفي عام 2019 فقط، أنفقت الصين 30.5 مليار دولار على الاستثمارات في قطاع الذهب.

إضافة إلى ذلك تستثمر الصين في أفريقيا القارة الأغنى بالمعادن، ففي عام 2019 بلغت استثمارات الصين في أفريقيا 100 مليار دولار. ووفقًا لمعهد جنوب أفريقيا للشؤون الدولية، فإن الصين استثمرت 58 مليار دولار منها في صناعات التعدين واستخراج المعادن القارية، وهو ما يمثل ثلث الاستثمار الأجنبي الصيني المباشر.

حتى الانهيار الاقتصادي وجائحة كورونا استفادت منهما الصين، لأنهما جعلا العديد من شركات التعدين منفتحة على الاستثمار الأجنبي، وكانت شركات التعدين الصينية العملاقة جاهزة لاقتناص الفرصة، مسلحة بمرونتها وقدرتها على مقاومة الأزمات الاقتصادية.

هذا الواقع لخصه الباحث في السياسة العالمية والقانون الدولي في جامعة كولومبيا البريطانية، مايكل مايرز، قائلًا: «العديد من الشركات الصينية لديها مخزون كاف من المال، وتتمتع بمرونة تجاه الانكماش الاقتصادي».

Embed from Getty Images

ليست الصين فقط.. روسيا والهند وتركيا تشارك في السباق

ليست الصين وحدها هي من تحث الخطى لحيازة الذهب، ففي روسيا زاد البنك المركزي من احتياطاته من الذهب حتى وصلت إلى 2219.2 وفقًا للبيانات المتاحة لدى مجلس الذهب العالمي حتى سبتمبر (أيلول) 2019.

تفعل الهند الأمر ذاته؛ إذ بلغت احتياطات «البنك الاحتياطي الهندي (RBI)» في السنة المالية 2019 ما مقداره 612.56 طن. بينما اشترت الهند 40.45 طن من الذهب في السنة المالية 2019 – 2020 ليصل إجمالي حيازتها من الذهب 653.01 طن.

الحال نفسه في تركيا، التي تصدرت قائمة أكثر دول العالم شراءً للذهب هذا العام؛ وأعلن بنك «كوميرز» أن البنك المركزي التركي هو أكبر مشترٍ للذهب من القطاع الرسمي في العالم. وأظهرت بيانات صندوق النقد الدولي أن البنك المركزي التركي رفع احتياطاته من الذهب بمقدار 890 أوقية في مايو الماضي. وأضاف البنك أن مشتريات تركيا من الذهب منذ بداية هذا العام بلغت 139 طنًا. وبذلك ارتفعت احتياطات الذهب التركي من 385.45 طن في الربع الرابع من 2019 إلى 485.2 طن في الربع الأول من 2020.

الذهب ملاذ آمن في مناخ عالمي مأزوم وحروب وأزمات اقتصادية

اشتعلت في السنوات الأخيرة حرب عملات بين الاقتصادات العالمية، فأصبحت البنوك المركزية في الدول الكبرى تتسابق لإضعاف عملتها، بعد أن كانت تنسق الجهود سابقًا لمنع أي تذبذبات حادة في العملة، وهو ما يحذر الخبراء من أنه قد يدفع لانهيار النظام الاقتصادي بأكمله.

بدأت البنوك المركزية منذ عشر سنوات بزيادة مخزوناتها من الذهب، إذ تظهر بيانات مجلس الذهب العالمي أن 14 بنكًا مركزيًا حول العالم عزّز احتياطاته من الذهب حتى أكتوبر (تشرين الأول) 2019. واشترت البنوك المركزية مخزونًا من الذهب بلغت قيمته 27 مليار دولار في 2019، وهي الأعلى منذ أعلنت أمريكا التخلي عن الذهب كمعيار للعملة عام 1971.

وفي الربع الأول من 2019 هرعت البنوك المركزية لشراء الذهب؛ إذ أضافت 650 طن إلى احتياطاتها، وهو ثاني أكبر تحول بعد الـ656 طن في 2018. فيما استعادت العديد من الدول مثل: ألمانيا، وهولندا، والنمسا، ودول شرق أوروبا، مخزوناتها من الذهب من نيويورك، وباريس، ولندن، في الأعوام بين 2012 – 2019؛ في إشارة واضحة لرغبة الدول في تأمين ملاذات آمنة لنفسها في ظل التوترات السياسية والاقتصادية.

مشتريات البنوك المركزية (أخضر) مقارنة بالمبيعات (أحمر) خلال الفترة بين 1971 و2019. المصدر: مجلس الذهب العالمي.

الخروج من عباءة الدولار .. هدف الاقتصادات الكبرى بعد «الملاذ الآمن»

إلى جانب اللجوء إلى الملاذ الآمن، تسعى الاقتصادات الكبرى إلى تنويع أصولها الاحتياطية أيضًا، وهذا ما تبذل الصين فيه جهودًا حثيثة؛ إذ لا تزال بعيدة عن هذا الهدف.

على الرغم من القفزة الكبيرة التي حققتها في زيادة مخزونها من الذهب، لا يزال يمثل 3.2% فقط من قيمة احتياطاتها الهائلة من العملات الأجنبية، البالغة 3.7 تريليون دولار، 60% منها بالدولار الأمريكي (3.1 تريليون). وبينما لم تفصح الصين عن سياساتها المتعلقة بالذهب، يتوقع محلل المعادن الثمينة في بنك ستاندرد تشارترد، سوكي كوبر، أنها تحتاج إلى عامين من شراء الإنتاج العالمي للذهب لتحقيق التنوُّع المطلوب. ويبدو أنها تسير في هذا الاتجاه لمراكمة 150 طن من الذهب في العام الواحد.

العالم والاقتصاد

منذ سنة واحدة
«مذبحة مالية عالمية».. من الرابحون والخاسرون من اندلاع حرب العملات؟

بعد استعمال الدولار سلاحًا للعقوبات الاقتصادية والحروب التجارية، تسعى الاقتصادات القوية للتحرر من هيمنة العملة الأمريكية، لما تشكله من تهديد اقتصادي من جهة، وما يحيط بالدولار من أزمات وتذبذبات من جهة أخرى.

وهذا بالضبط هو أحد الأسباب الأخرى وراء رغبة الصين المحمومة لحيازة الذهب، بل إن المسؤولين هناك «يتأهبون لجعل اليوان يأخذ مكان الدولار الأمريكي في تعاملات التجارة الصينية، وامتلاك الذهب يجعل هذه الخطوة قابلة للتحقيق».

ومع التمويل الحكومي القوي، وسعي صناع السياسة في الصين لتوثيق ارتباط اليوان بالذهب؛ يبدو أن هذه الخطوة قريبة بالفعل، بحسب ما يقوله ألاسدير ماكلويد، رئيس قسم الأبحاث في «جولد موني». وفي هذا السياق، أعلنت الصين وروسيا في شهر يونيو (حزيران) الماضي الاستغناء عن الدولار الأمريكي في التعاملات التجارية بينهما، والاستعاضة عنه بالعملات المحلية، في مسعى لتأمين الوضع الاقتصادي للبلدين في مواجهة الضغوط الأمريكية.

ماذا لو نجحت الصين في مسعاها؟

نجحت الصين سابقًا في السيطرة على صناعة المعادن الأرضية النادرة في تسعينيات القرن الماضي، وأصبحت تنتج 90% من الإنتاج العالمي من هذه المعادن، وامتلكت بذلك ورقة رابحة كبرى. واليوم تسعى الصين لتدويل عملتها، والخروج من هيمنة الدولار، ويبدو أنه لا يحول بينها وبين ما تريد سوى الوقت فقط.

ولكن إن نجحت الصين في تحقيق ما تريد، فسيكون لهذا التحول آثار اقتصادية كبرى، ليس على أمريكا وحدها، بل الدول الأخرى التي ترتبط عملات معظمها بالدولار الأمريكي، ومنها الدول العربية.

للنجاة من هذه التداعيات، ينصح الخبراء بتحويل النقد التقليدي بكل العملات إلى الذهب والفضة، والاهتمام بالإنتاج، خاصة إنتاج الغذاء.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد