هل تستخدم البريد الإلكتروني؟ تستخدمه في عملك؟ أم لإدارة أعمالك التجارية؟ أم لمراسلة الأصدقاء؟ أم حتى للدخول والاشتراك في المواقع والخدمات المختلفة؟ أيًّا كان سبب استخدامك البريد الإلكتروني، فأنت مدين بالشكر إلى رجل واحد خلف هذا الاكتشاف المُهم، إنه راي توملينسون.

في الخامس من مارس (آذار) الجاري، تُوفي توملينسون، صاحب علامة «@» الشهيرة، بعد أن ناهز 75 عامًا. وجاء الإعلان عن وفاة المبرمج العجوز، في تصريح لنائب رئيس شركة جوجل، فينتون سيرف.

المبرمج العجوز

اسمه الكامل رايموند صامويل توملينسون، من مواليد عام 1941 بإحدى بلدات مدينة نيويورك. وهو مبرمج أمريكي رائد في مجاله. يُعرف حول العالم بأنه صاحب الفضل ومخترع البريد الإلكتروني.

أنشأ تولينسون عام 1971 أول برنامج للبريد الإلكتروني، وذلك من خلال نظام أربانت (ARPANET)، لمشروع أطلقته وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) عام 1969، بغرض ربط الجامعات ومؤسسات الأبحاث؛ لاستغلال أفضل القدرات الحسابية الخاصة بأجهزة الكمبيوتر، وهذا النظام كان هو النواة التي شكلت لاحقًا شبكة الإنترنت.

كان هذا البرنامج هو أول وسيلة يمكن من خلالها إرسال واستقبال الرسائل الإلكترونية، بين جميع الأفراد المتصلين بشبكة أربانت. في السابق كانت عملية إرسال واستقبال الرسائل الإلكترونية مقتصرة فقط على مستخدمي نفس جهاز الكمبيوتر.

ومن أجل تحقيق فكرته هذه، قام باستخدام علامة «@» للفصل بين اسم المستخدم واسم الجهاز الخاص به، وهي الوسيلة التي ظلت مستخدمة في إرسال واستقبال الرسائل الإلكترونية منذ ذلك الحين. هذا البرنامج البدائي، أشير إليه باعتباره متسببًا في إحداث «ثورة كاملة فيما يتعلق بطريقة التواصل بين الناس بعضهم البعض».

 

المسيرة العلمية للمبرمج

درس توملينسون في معهد رينسلاير للعلوم التطبيقية، حيث شارك في برنامج التعاون مع شركة آي بي إم (IBM). وتمكن من الحصول على درجة البكالريوس في الهندسة الكهربية عام 1963.

وبعد التخرج، التحق توملينسون بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا لمواصلة تعليمه في مجال تخصصه. عمل في المعهد ضمن مجموعة الاتصالات، ليتمكن من تطوير جهاز لإنتاج كلامٍ رقميٍّ تناظري مشتركٍ؛ ليصبح هذا البرنامج هو موضوح أطروحته للحصول على درجة الماجستير في الهندسة الكهربية، وذلك عام 1965.

عام 1967، التحق بشركة بولت بيرانيك نيومان (BBN) للتكنولوجيا، حيث ساهم في تطوير برنامج تشغيل تينيكس (TENEX)، والذي كان يتضمن نظام أبرانت وشبكته بالإضافة لنظام (TELNET) للشبكات. وقام توملينسون بكتابة برنامج يسمى (CYPNET) بغرض نقل الملفات خلال شبكة أبرانت.

وقد طلب من توملينسون أن يقوم بتغيير برنامج يسمى (SNDMSG)، والذي يقوم بإرسال الرسائل لمستخدمين آخرين على نفس جهاز الكمبيوتر، من أجل أن يصبح برنامجًا يعمل على نظام أبرانت. قام توملينسون باستخدام شفرة معينة من برنامج (CYPNET) إلى البرنامج المراد تطويره، ليتم لأول مرة إرسال رسالة إلكترونية بين أجهزة كمبيوتر مختلفة.

أول رسالة إلكترونية (إيميل) يتم إرسالها في التاريخ، عبر توملينسون، كانت رسالة اختبارية ولم يتم حفظها، ووصفها في ذلك الوقت بأنها كانت رسالة غير ذات قيمة مكونة من حروف لا تحمل كلمة معينة على هيئة (QWERTYUIOP)، وقد تم اعتماد هذه الحروف العشوائية كأول رسالة إلكترونية، بخاصة وأن توملينسون ذكر أنه لا يتذكر حروف الرسالة تحديدًا.

والغريب أن برنامج توملينسون تم اعتباره برنامجًا غير مهم في البداية. وكانت عمليات تطويره لا تثير أي اهتمام لدى أصحاب العمل، لكنه تابع العمل على البرنامج لأنه اعتقد فقط أنه يبدو فكرة أنيقة لا غير.

وقد ذكر توملينسون خلال إحدى المقابلات الصحفية عام 2010، مازحًا، أنه يفضل اسم (EMAIL) بدلًا من (E-MAIL) من أجل الابتعاد عن الوصلات بين الحروف، فالمصطلح «طويل بما فيه الكفاية كي لا نستخدم فواصل بين الحروف».

الـ«@»

وقد كتب توملينسون عبر مدونته، حاكيًا عن تجربة اختراع «@»، قائلًا: «لم يكن صندوق البريد إلا ملفًا يكتب فيه المستخدم رسالته، ولا يمكن للقارئ إعادة الكتابة عليه أو تحريره، يمكنه قراءته فقط». وفي هذه الأثناء كان توملينسون قد قام بتصميم برنامج، هو (CYPNET)، لنقل الملفات بين أجهزة الكمبيوتر المرتبطة بشبكة أربانت. وكانت المشكلة التي تؤرقه أن الرسالة حتى ذلك الوقت لم تكن تحمل أي دليل على مكان مرسلها.

هنا بدأ توملينسون بالتفكير في اختيار رمز يوضع بين اسم المرسل، وبين اسم الموقع الذي تم منه الإرسال، فيقول: «تأملتُ لوحة المفاتيح، حاولت العثور على رمز لا يستعمله الأشخاص عادة ضمن أسمائهم، لم أرد أن يكون هذا الرمز رقمًا، فكان الـ@ هو ما اخترته من الرموز الموجودة على لوحة المفاتيح، إنه حرف الجر الوحيد الموجود على اللوحة». هذا الرمز يقرأ على أنه حرف الجر «at» في اللغة الإنجليزية، وهو حرف جر يدل على المكان.

ويذكر توملينسون أنه لم يتوقع أن يكون لهذا الرمز الذي اختاره، الأثر الكبير والانتشار العالمي الذي يوجد الآن، فقد أصبح هذا الرمز الآن حرفًا قائمًا بذاته، وأصبح يستخدم ضمن أسماء الشركات وعلى اللوحات الإعلانية المختلفة.

المدهش والمثير في الأمر أن توملينسون لم يقم بتسجيل اكتشاف البريد الإلكتروني باسمه، وبالتالي لم يحصل على براءة اختراع، ولو أنه أقدم على هذه الخطوة لما كان الملايين حول العالم ليستخدموا البريد الإلكتروني باعتباره اكتشافًا واختراعًا بلا مخترع، وبهذه السلاسة والانتشار بلا قيود.

ولم تقتصر إنجازات توملينسون على برنامج البريد الإلكتروني في ذاته فقط، فهو كان المحرك الرئيسي لوضع حقول العنوان والتاريخ والمرسل منه في رسائل البريد الإلكتروني. وعند وفاة توملينسون كان يعمل في ذلك الوقت ضمن شركة رايثيون الأمريكية، المتخصصة في الصناعات الدفاعية والإلكترونيات التجارية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد