منذ أن بدأت مسيرة نجاحها الأسطورية عام 1998، مرورًا بسقطات ونجاحات شتى؛ والعالم ينظر لشركة «جوجل» باحترامٍ قد لا ينافسها فيه سوى أسماء معدودة، ورغم الأصوات التي تتعالى يوميًّا محذرة العالم من كَمّ البيانات الشخصية التي تمتلكها «جوجل» عن كل مستخدميها؛ إلا أن أغلب تلك الأصوات لا تلبث أن تضيع في خِضمّ عالم الإنترنت المتسارع، وبين العديد من سياسات الخصوصية التي تحاول «جوجل» بشكل دوري أن تعدّلها، وتحسّنها في سبيل طمأنة المستخدم.

ولكن كل تلك المجهودات التي تبذلها «جوجل» من أجل البقاء على القمَّة لم تكفِ وحدها لجعلها الكيان «المثالي»، فلقد واجهت الشركة في السنوات العشر الأخيرة أكثر من قضية أثارت الجدل، كان من أهمها أزمة «جوجل» مع الصين عندما حجبت الحكومة أكبر محرك بحث في العالم واستبدلته بمحرِّك بحث Baidu إثر الخلافات بينها وبين سياسات «جوجل» البحثية التي رفضت حجب صور تُدين الحكومة الصينية، ثم أزمة أخرى عام 2017 إثر تسريب إحدى المذكرات العنصرية ضد المرأة من داخل الشركة والتي قامت بعدها «جوجل» بفصل الموظف المسئول عنه؛ ومؤخرًا كشفت العديد من التقارير عمّا قد يدور حوله الجدل بشأن الشركة في الفترة القادمة.

«مشروع مارفن».. تقنيات «جوجل» قريبًا في جعبة الجيش الأمريكي

نشرت العديد من التقارير في مارس (آذار) من العام الحالي والتي تشير إلى مشروع تعاون وشراكة ما بين «جوجل» ووزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، كان أول تلك التقارير ذلك الذي نشره موقع «جيزمودو» الأمريكي حول ما يسمى بـ«مشروع مارفن» العسكري والذي أعلن عنه بشكل رسمي في أبريل (نيسان) من عام 2017 والذي بمقتضاه سوف تتعاون «جوجل» مع الجيش الأمريكي ممثلًا في وزارة الدفاع الأمريكية لتطوير برنامج ذكاء اصطناعي لتحليل الصور الملتقطة بواسطة الطائرات من طيارات (الدرونز) والتي تستخدمها القوات الجوية الأمريكية في مهمات الاستطلاع والتجسس وقصف الأهداف المحدودة أحيانًا.

طائرة عسكرية أمريكية بدون طيار (درون)

المشروع الذي لا يزال في طور التجريب من المفترض أن يساهم في تحديد الأغراض في الصور العسكرية والتي لم يتم التعرف عليها مسبقًا ولا تتواجد في قاعدة بيانات وزارة الدفاع الأمريكية، وبحسب المذكرة الرسمية الصادرة عن البنتاغون إنه تم الدفع بتعجيل العمل على المشروع مارفن والذي أطلقت عليه وزارة الدفاع الأمريكية أيضًا اسم «Algorithmic Warfare Cross Functional Team AWCFT – الفريق الفعال المتداخل للحرب الخوارزمية»، الجدير بالذكر أن وزارة الدفاع الأمريكية قد أنفقت ما يقرب من 7.4 مليار دولار على تطوير برامج الذكاء الاصطناعي بحسب ما نشره موقع جريدة «وول ستريت جورنال» في مارس «آذار» من العام الحالي 2018.

الأصوات تتعالى والاستقالات تبدأ.. موظفو «جوجل» يثورون

في رد فعل لم يستغرق الكثير من الوقت، نشرت «الجارديان» البريطانية مقالًا بعنوان «مسيرة جوجل نحو بيزنس الحرب يجب أن يتوقف»، تناولت فيه ردود الأفعال الداخلية للشركة الكبرى، حيث ذكرت أن خبر مشروع مارفن العسكري بين الشركة ووزارة الدفاع الأمريكية قد بلغ الكثير من موظفي الشركة، الذين بدأوا بدورهم في إعلان رفضهم لهذا التعاون، كما نشرت «نيويورك تايمز» خطابًا مفتوحًا وقَّع عليه ما يزيد عن 3100 من بين 85000 موظف من موظفي «جوجل» يعارضون فيه هذا التعاون العسكري بين شركتهم والجيش الأمريكي.

بينما نشرت «جيزمودو» تقريرًا مُكملًا لسابقه أوردت فيه أن هناك تقريبًا 12 موظفًا في الشركة قد قدموا استقالتهم احتجاجًا على هذا المشروع، وتحديدًا «استخدام الذكاء الاصطناعي في بيزنس الحروب»، إذ أكد بعضهم في تصريح خاص للموقع أن المديرين التنفيذيين في الشركة صاروا أقل شفافية في التعامل مع موظفيهم حيال القرارات المثيرة للجدل، وصاروا أقل اهتمامًا بالاستماع إلى موظفيه، واعتراضاتهم.

Embed from Getty Images

سوندر بيشاي الرئيس التنفيذي لـ«جوجل»

وأضاف آخرون أن عمل الذكاء الاصطناعي في تحديد الصور والتعرُّف على الأغراض الواردة في الصور التي تلتقطها طائرات الاستطلاع والقصف يجب أن تكون «مهمة بشرية» وليست مهمة الذكاء الاصطناعي لأن تلك مسئولية خطيرة، ولا يجب أن يتورط فيها عملاق التقنية بأي حال من الأحوال، الجدير بالذكر أنه بحسب أحد التقارير الاستراتيجية فإن تصنيف الأغراض والتعرف عليها دون الذكاء الاصطناعي ومشروع مارفن مهمة شاقة ولن يستطيع العنصر البشري مهما كانت قدراته أن يقوم بها بمفرده.

الإعلام يدعم.. و«جوجل» تدافع عن شراكتها

وفي متابعة لرد الفعل لموظفي «جوجل» أعلنت أكثر من منصة إعلامية تضامنها الكامل مع أولئك الموظفين الذين اتخذوا مقعد المعارضة لسياسة الشركة مثل «الجارديان» البريطانية التي أكدت في تقريرها دعمها الكامل لانسحاب الشركة من بيزنس الحرب، وأوردت الخط الزمني القصير لردود الأفعال لتلك الصفقة بما فيها دعمها لآراء أكثر من 700 خبير تكنولوجي اجتمعوا على معارضتهم لتلك الصفقة، وتأييدهم لموقف موظفي الشركة، بجوار موقع «جيزمودو» الذي كان أول من أثار القضية بشكل واسع في الإعلام الإلكتروني.

Embed from Getty Images

مقر «جوجل» الرئيسي

وقد صرّح المتحدث الرسمي باسم «جوجل» لجريدة «دايلي إكسبريس» البريطانية أن: «تلك التقنية هي في الأصل بغرض تحديد الأغراض في الصور للمراجعة من قبل البشر، وهي مُعدة بهدف إنقاذ الحيوات، أي إن استخدام الآلات التي تتعلم بشكل طبيعي في السياق العسكري عادة ما ينتج عنه قلق مشروع، كما أن «جوجل» منخرطة بالكامل في مناقشة هذا الأمر الهام حتى خارج دائرة الخبراء».

وفي لقاء لـ«دايان جرين» الرئيس التنفيذي للتخزين السحابي في «جوجل» دافعت عن شراكة المؤسسة مع البنتاجون، وقالت إنه من الخطأ أن نصف المشروع بأنه «نقطة تحول»، هذا علاوة على أنها تعمل مع الحكومة بالفعل منذ مدة طويلة، وأضافت أن الإدارة التي تترأسها –التخزين السحابي- لم يكن لها إلا نصيب ضئيل من تلك الصفقة، وأن التقنية القائمة على مسح الصور بواسطة الدرونز والتعرف إلى الأغراض فيها هي في المقام الأول بهدف «إحالتها» للأفراد العسكريين، والبرنامج ليس من مهامه «تحديد الأهداف».

بعد صمود قصير المدى.. جوجل: لن نجدد الشراكة

بعدما تعرضت جوجل لتلك الحملة شديدة اللهجة والصلابة من قبل موظفيها، ووسائل الإعلام المختلفة، وبحسب موقع «جزيمودو» الذي كان أول من فتح ملف الشراكة العسكرية بين الشركة ووزارة الدفاع الأمريكية؛ صرحت «دايات جرين» الرئيس التنفيذي للتخزين السحابي في جوجل بعد اجتماع مع قادة الشركة وصُناع القرار في الأول من يونيو «حزيران» 2018 أن الشركة لن تجدد عقد شراكتها لبرنامج «مافين» العسكري، وبحب المصادر التي صرحت للموقع الإخباري؛ فإن العقد الحالي للشركة مع البنتاجون سوف ينتهي في العام 2019، ولن يتم بعدها تجديد العقد.

وفي سياق تصريحات «جرين» الأخيرة قالت إن الشركة واجهت رد فعل عنيف جرّاء تمسكها القوي بتطوير التكنولوجيا «العسكرية»، وأن الشركة سوف تعلن عن سياسات، وأخلاقيات عمل جديدة الأسبوع القادم فيما يختص بتطوير واستخدام تقنية الذكاء الاصطناعي، بينما امتنع المتحدث الرسمي لجوجل من التعليق على التصريحات التي جاءت على لسان «دايان جرين»، مما يعني أن الشركة تخلت عن أرباح كان من المفترض أن ترتفع من 15 مليون دولار إلى 250 مليون دولار سنويًا؛ وهي المبالغ التي كشفتها بعض رسائل البريد الإليكتروني المُسربة من داخل جوجل بحسب ما نشره موقع إنترسيبت الأمريكي في الأول من يونيو «حزيران» وبالتزامن مع قرار التراجع من قبل الشركة.

مهلًا.. «جوجل» قالتها من قبل!

ربما مرت تصريحات دايان جرين الأولى بشأن عمل «جوجل» مع الجيش الأمريكي مرور الكرام على بعض الذين لم ينتبهوا للأمر من قبل، لكن بالعودة إلى عام 2012 وتحديدًا في أحد المؤتمرات السنوية لـ«جوجل» والذي أقيم في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2012، فقد أعلنت الشركة عن برنامجها الخاص بتوظيف العسكريين السابقين بعنوان VetNet أي «شبكة المحاربين السابقين» والذي يعمل على مساعدة أفراد الجيش الأمريكي السابقين في إيجاد وظائف لهم.

Embed from Getty Images

أحد منتديات «جوجل» للعسكريين السابقين في ولاية شيكاجو

كانت تلك واحدة من أهم الخدمات التي ساهمت في إلحاق العسكريين السابقين بوظائف داخل وخارج «جوجل»، وكما ذكر تقرير «بيزنس إنسايدر» عام 2013 أن تلك المبادرة من قبل «جوجل» كانت «لاستغلال الكفاءات العسكرية» في مجالات عدة، وتحديدًا ما يقرب من 130 ألف جندي أمريكي يغادرون الخدمة سنويًا قال عنهم ديفيد مكيوان كبير الضباط الإداريين في الجيش الأمريكي أنهم «يستحقون أن يتم إعادتهم إلى المجتمع».

بالإضافة إلى أن رئيس وحدة عمليات المستخدمين في «جوجل» وقتها (2013) هو طيار حربي أمريكي سابق، إلى جانب ذلك ترأس أحد كبار الضباط البحرية الأمريكية السابقين قسم الطاقة المتجددة في مشروع الشركة المسمى Loon الخاص بإطلاق مناطيد هوائية لتزويد أماكن بعينها بالإنترنت اللاسلكي «واي فاي» خلال الأزمات والكوارث، وبحسب قول رئيس مشروع توظيف العسكريين السابقين «كاري لورينو» أنهم في الشركة يوظفون العسكريين السابقين لما يحملونه من قيمة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد