هل سيُضيق الاتحاد الأوروبي الخناق على جوجل؟ من الجائز الاعتقاد بذلك، خاصة وأن الُمشرعين الأوروبيين يستعدون لإعداد لائحة اتهامات بخرق قانون المنافسة تجاه عملاق البحث، في حين أن المشرعين الأميركيين توصلوا إلى تسوية مع جوجل قبل عامين. أضف إلى ذلك الجهود التشريعية الأوروبية لإجبار جوجل على السماح للمستخدمين بحذف مدخلاتهم من سجلات تاريخ عمليات البحث.

لقد اتضح أن للأمر بعدًا ثقافيًا، فقد حققت جوجل اختراقًا عظيمًا للسوق الأوروبية أكثر من الولايات المتحدة، ولهذا فإن الأوروبيين مغرمون بجوجل بشدة، على عكس أسيادهم البيروقراطيين. لكن قانون منع الاحتكار الأوروبي يركز على حماية المنافسين وليس المنافسة، على عكس القانون الأميركي. وهنا تكمن قصة توضح ما الذي يجعل القيم الأوروبية تختلف عن نظيرتها الأميركية.

إن قانون مكافحة الاحتكار معقد للغاية، ومَن يفتقرون للخبرة يعرضون أنفسهم للخطر. إلا أنه من الجدير بالذكر أن المادة 82 من معاهدة إدارة أنشطة الاتحاد الأوروبي تختلف عن قانون منع الاحتكار الأوروبي، الذي يستند إلى التفسير القضائي لقانون شيرمان الصادر في العام 1890.

تحظر أحكام المعاهدة الأوروبية “إساءة استخدام وضع احتكاري في السوق المشتركة”. هذا الحظر الذي يفرض على شركة ما تسميه المحكمة الأوروبية “مسئولية خاصة بعدم السماح لسلوكياتها بإضعاف المنافسة الحقيقية”.

تعتبر هذه اللغة أكثر حدة من الواردة في القانون الأميركي، الذي يركز على حظر السلوكيات غير التنافسية التي تلحق الأذى بالمستهلك. والنهج الأوروبي يعني ضمنًا أن الهيمنة على السوق نفسها يمكن أن تكون مصدرًا لانتهاك القانون، حتى إذا كانت الشركة المهيمنة لا تحاول خرق قانون مكافحة التنافسية. وقد جادلت مسودة مرفوعة أمام المحكمة العليا من قبل وكالات مكافحة الاحتكار التابعة لحكومة الولايات المتحدة قبل عقد من الزمن بأن قانون شيرمان لا يعتبر قانونًا “لمكافحة الاحتكار” على الإطلاق.

قبل عقد من الزمن، كان من الشائع لدى الناشطين في مجال مكافحة الاحتكار القول بأن قانوني الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة اختلفا بشكل حاد نتيجة لاختلاف القيم، فالقانون الأمريكي يحمي المنافسة نفسها لصالح المستهلكين، في حين يفضل قانون الاتحاد الأوروبي وجود تنافسية في الأعمال التجارية ويحفظ الحقوق.

إن تلك النظرية الاقتصادية الأكثر تطورًا تؤدي إلى التقارب بين المعايير الأميركية والأوروبية. ومع ذلك، فإن الفرق بين موقف المشرعين الأمريكيين تجاه جوجل ونظرائهم الأوروبيين يشير بقوة إلى استمرار الاختلاف.

لماذا يجب أن يظهر هذا الاختلاف في القيم؟ إنه من المغري أن نستنتج أن الثقافة السياسية للاتحاد الأوروبي تؤكد فائدة الفاعلين العمالقة المتعددين الذين يتنافسون مع بعضهم البعض، مثل الكثير من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. ومن هذه الزاوية الثقافية، يبدو جوجل مثل الولايات المتحدة نفسها: لاعبًا مهيمنًا إمبراطوريًا يهدد وضعه من المهيمن قدرات الفاعلين الذين قد يرغبون في المنافسة.

إن قيم حرية التعبير عن الرأي وحرية تبادل المعلومات الخاصة بالولايات المتحدة لم تعثر على نفس القدر من الشعبية في أوروبا كما كان الحال مع تكنولوجيا المعلومات نفسها. فاستعداد الاتحاد الأوروبي للحد من تدفق المعلومات، على سبيل المثال من خلال منح الأفراد الحق في حذف معلومات محرجة عن أنفسهم، هو في هذا المعنى جزء من القيود الأوروبية المفروضة على خطاب الكراهية التي لن يكون مسموحًا بها في الولايات المتحدة.

وعندما يتعلق الأمر بالمعلومات، يميل الأميركيون للاعتقاد بأن الحكومة يجب أن تسمح بأي نتيجة يسمح بها السوق الخاص. وهذا، في نهاية المطاف، هو قلب نداء أوليفر وندل هولمز الشهير لاستعارة سوق الأفكار لتبرير حرية التعبير بموجب التعديل الأول.

من الناحية العملية، ليس على جوجل أن تشعر بالذعر. فالعقوبات الأوروبية المفروضة على الاحتكار هي أقل حدة وأكثر نبلاً من العقوبات الأمريكية المفروضة على انتهاك قوانين مكافحة الاحتكار. فأوروبا لا يوجد لديها قانون يوازي قانون منع الاحتكار الجنائي الأميركي، وليس هناك أي ضرر مضاعف سيفرض على أولئك الذين يظهرون أي انتهاك للقانون. بل يمكن القول، بأن العقوبات الضعيفة هي السبب في أن أوروبا لديها معايير أكثر حدة لانتهاك القانون.

إلا أن الإجراءات التي من المتوقع أن يتخذها الاتحاد الأوروبي ضد جوجل هي تذكير للشركات الأمريكية بأن الأيديولوجية الأمريكية التي قد تساند دون وعي منتجاتها وصناعاتها لا ينظر إليها بشكل جيد عبر الحدود.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد