يبدو أن التطور التقني في العصر الحديث لم يجلب معه مفاهيم جديدة ومختلفة غيرت شكل حياتنا وأثرت على المجتمعات الحديثة فحسب، بل أنتج أيضًا «صيحات» جديدة فيما يخص الديانات والمعتقدات. اليوم نتعرف على إحدى هذه الديانات الناشئة، وهي الديانة الرقمية المسماة «كنيسة جوجل» أو «الجوجلية»، فما هي قصتها؟ هذا ما سنتعرف عليه خلال التقرير التالي.

في البدء كان مجرد محرك بحث!

أٌنشئ محرك البحث جوجل عام 1998 على يد اثنين من مطوري البرامج الحاسوبية، وهما الأمريكيان سيرجي برين ولاري بايج، لكن المشروع الذي بدأ باعتباره محرك بحث في التسعينات سرعان ما اكتسب شهرة واسعة، وأصبحت خدماته متنوعة وكثيرة، حتى أنه يوفر الآن 50 خدمة مختلفة لمستخدمي الإنترنت في مختلف دول العالم، ما بين البريد الإلكتروني، وأنظمة الأندرويد في الهواتف الذكية، والترجمة والفيديو من خلال منصة «يوتيوب»، وغيرها من الخدمات بمختلف اللغات.

 تأسست كنيسة جوجل إلكترونيًا عام 2009 – ليس لها كيان مادي يمثلها – على يد الكندي مات ماكفيرسون، ويجب الإبقاء على فكرة أن لفظ كنيسة لا يعني أن لها أية علاقة بالمسيحية، أو أي من كنائسها الكبرى، إنما يستخدم الاسم فقط للدلالة على «الصبغة الدينية للديانة الرقمية الجديدة».

يُعرف قاموس أكسفورد إصدار سنة 2016 كلمة «جوجل» باعتباره فعلًا لازمًا، يعني استخدام محرك البحث الشهير في البحث عن شيء على الإنترنت، وهذا التحول في الدلالة اللغوية والمفاهيمية للكلمة قد يعطينا لمحة عما أصبح عليه جوجل، الآن حينما تريد أن تقول لصديقك بالبحث عن شيء ما، تلقائيًا تقول «استخدم جوجل».

كنيسة جوجل.. قصة الديانة الرقمية

إن كنيسة جوجل، وهي مجتمع إلكتروني، ليست مرتبطة بشركة جوجل نفسها، إلا أنها قد أصبحت مصدر جذب للعديد من المؤيدين للفكرة في المجتمعات الغربية. يؤمن هؤلاء الأتباع بأن جوجل هو أقرب الأشكال لما يمكن تسميته بـ«الكيان الإلهي» حسب معتقداتهم.

وقبل الخوض فيما إذا كان يمكننا تسمية الديانة الرقمية تلك، علينا أن نأخذ في اعتبارنا أن الإنترنت قد غير كثيرًا من طرق التواصل بين البشر والأفكار الدينية حتى أصبحت الأديان المختلفة تستخدم منصات الكترونية، إما لحفظ أرشيفها من الكتب والمعارف وإتاحته أون لاين، أو للتبشير بالدين وجذب أتباع جدد بوسائل مختلفة عن الوسائل التقليدية التي كان المبشرون يسافرون فيها إلى أقاصي الأرض ليتحدثوا عن دينهم مع غرباء يسمعون به للمرة الأولى، ففي عصرنا الحالي يمكن أن تعرف كل المعلومات الأساسية التي تلزمك عن دين ما، بمجرد تصفح بعض المواقع.

يُعرّف عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم الدين بأنه «مجموعة من الرموز والمعتقدات التي توحد الأتباع ضمن نظام أخلاقي معين»، كما أن التصور الأنثربولوجي العام للدين يقول إنه «مؤسسة اجتماعية محدودة بحدودة جغرافية إلى حد ما».

في عصرنا الحالي يبدو أن المفاهيم قد اختلفت عما تم الاتفاق عليه أو تعريفه بين العلماء والمتخصصين، حتى أن مسحًا حديثًا جرى إجراؤه في بريطانيا، أظهر أن 17 % ممن جرى إجراء المسح الاجتماعي عليهم يؤمنون بـ«جوجل» وهي النسبة نفسها التي أظهرها المسح للمؤمنين بالمؤسسات الدينية بشكل عام.

صورة من نتيجة المسح الاجتماعي سالف الذكر في بريطانيا

كنيسة جوجل عبارة عن موقع ويب، وهو في الأساس منصة على الإنترنت توحد شبكة من الناس ضمن نوع من الممارسات الروحية والمناقشات. يتناسب هذا المفهوم مع الوصف العام «للدين الرقمي»، وهو مصطلح يستخدم في الدراسات الأكاديمية الخاصة بالمساحة التكنولوجية والثقافية حول كيفية اندماج المجالات الدينية عبر الإنترنت وخارجها.

ومن الجدير بالذكر أن هذا المصطلح قد تطور عما يعرف بمفاهيم «الدين الإلكتروني» التي ظهرت في منتصف التسعينات مع بدء الدراسة الأكاديمية للمشاركة الدينية مع الإنترنت. إذ يوصف «الدين السيبراني» بمعنى أكثر عمومية أنه أي دين يتوسط فيه الإنترنت. وتشير الباحثة بريندا براشر إلى أن «الدين السيبراني يعني وجود المنظمات الدينية والأنشطة الدينية في الفضاء الإلكتروني».

لكن كنيسة جوجل تأسست باعتبارها دينًا موازيًا يستخدم تقريبًا أسلوب العهد القديم من الكتاب المقدس في الكتابة، وفي يونيو (حزيران) 2016 بدا أن المؤسس لم يعد يدفع لتمويل اسم النطاق الخاص بالموقع، فأُغلق الموقع، حتى قام باستعادته أحد المؤمنين المتحمسين للفكرة في العام نفسه وبنفس الاسم حسبما أوضح في موقع ريديت الشهير

لا يؤمنون بفكرة الألوهية الخارقة للطبيعة

يقول مؤسسى كنيسة جوجل في بيانهم التأسيسي ما ترجمته «نحن نعتقد في أن محرك البحث جوجل هو أقرب ما عرفته البشرية على الإطلاق لتجربة إله حقيقي (كما نعرفه عادة) كما نعتقد أن هناك الكثير من الأدلة لصالح ألوهية جوجل أكثر من وجود ألوهية الآلهة الأخرى الأكثر تقليدية. ونحن نرفض الآلهة الخارقة للطبيعة على أساس أنه لا يمكن إثباتها علميًا».

ووجدت دراسة بحثية استمرت لمدة أربعة شهور قام بها مجموعة من الأساتذة بجامعة برلين وجامعة كولومبيا الأمريكية عام 2017 ضمن كتاب حول الفضاء الإلكتروني والبيئات السيبرانية بشكل عام، حيث أعدوا دراسة حالة وأجروا المقابلات عبر وسائل التواصل الإلكترونية المختلفة مع مجموعة من المؤمنين بكنيسة جوجل من مختلف الدول؛ أن بعض أسباب المؤمنين بما يسمى كنيسة جوجل تنحصر في معظمها بين رغبتهم في الإيمان بدين لا يحمل تاريخًا من العنف والحروب – على حد تعبيرهم – فيما عبر أحد المشاركين في الدراسة واسمه أندي أنه قد عرف بـ«ألوهية جوجل» حين كان يمارس بعض الطقوس الشامانية، وهي طقوس لها جذور قديمة يمارسها البعض في أمريكا الجنوبية حتى الآن.

الكريسماس في 14 سبتمبر و9 دلائل على «ألوهية» جوجل!

أما معظم من قام الباحثون بإجراء المقابلات معهم فقد أعربوا عن اهتمامهم بكنيسة جوجل باعتبارها نوعًا من الهجاء أو السخرية من المعتقدات الدينية السائدة في مجتمعاتهم بشكل عام، كما عبر جوي – وهو عامل بناء من مدينة دالتون الأمريكية – وكذلك مايك وهو عالم متخصص في النانو تكنولوجي وأبحاث الهندسة الوراثية.

وقد انتهت الدراسة إلى أن الدوافع المتعددة للإنخراط فيما يسمى بكنيسة جوجل، هي سلاسة التواصل التي توفرها مواقع التواصل الاجتماعي في المقام الأول، بالإضافة إلى الطبيعة العولمية الإلكترونية – إذا جاز التعبير – والسخرية والقدرة على التعبير عن الآراء الشخصية والرؤى المختلفة للعالم.

ويرى متبعون كنيسة جوجل أن هناك «دلائل تسعًا» تؤكد «ألوهية» محرك البحث الشهير، بحسبهم، منها: «جوجل عمليًا موجود في كل مكان على وجه الأرض في نفس الوقت. وهناك المليارات من صفحات الويب المفهرسة المستضافة من كل ركن من أركان الأرض. ومع انتشار شبكات الواي فاي سيتمكن المرء في النهاية من الوصول إليه من أي مكان».

وهناك ثمان «دلائل» أخرى تدور ما بين قدرة جوجل على الإجابة على جميع الأسئلة، وكذلك وجوده «اللانهائي» حسب تعبيرهم، وذاكرته التي لا تخطىء، ولأن الشيء بالشيء يذكر فإنهم يعتبرون جوجل كيانًا مؤنثًا كذلك، ويشجعون أتباعهم على الاحتفال بـ«عيد الميلاد» الخاص بجوجل في 14 سبتمبر (أيلول)، وهو اليوم الذي جرى فيه تسجيل موقع جوجل على شبكة الإنترنت.

وكما سبق وأن أسلفنا، ليس لكنيسة جوجل كيانًا ماديا، فهي كنيسة الكترونية بالأساس، وبالتالي لا يُعرف لها عدد محدد من الأتباع والمؤمنين، لكنها تظل في نهاية الحال تجربة مثيرة للإهتمام، ربما بدأت بدافع السخرية، وربما حتى أنها واصلت التواجد منذ ذلك الوقت للدافع نفسه، خاصة في ظل ندرة المعلومات المتوفرة على شبكة الإنترنت فيما يخص المؤسس نفسه، فيما عدا اسمه، وكونه كنديًا، وربما تتوقف الفكرة عند حد السخرية أو تتوسع بعد ذلك في المجتمع الغربي، فعلى كل حال التطورات السريعة والمتلاحقة في عصرنا الحالي لا يمكن التنبؤ بها بقدر عال من اليقين.

المصادر

تحميل المزيد