أول أمس، 1 يونيو (حزيران)، افتُتِح نفق السكك الحديدية الأكثر طولًا وعمقًا في العالم، في جبال الألب بسويسرا، بعد قرابة عقدين كاملين من أعمال البناء والتشييد. والنفق التوأم، البالغ طوله حوالي 57 كيلومترًا، يطلق عليه اسم نفق غوتهارد، ويفترض به أن يوفر وصلة سكك حديدية عالية السرعة، تحت جبال الألب السويسرية، ليصل بين شمال أوروبا وجنوبها.

تفاصيل المشروع

تمت المصادقة على هذا المشروع العملاق، بتكلفته البالغة أكثر من 12 مليار دولار، من قبل الناخبين السويسريين في استفتاء عام جرى خلال عام 1992، وقام المصوتون بتأييد اقتراح شهير من الجماعات المدافعة عن البيئة، لنقل جميع البضائع التي تسافر عبر سويسرا باستخدام السكك الحديدية، بدلًا من الطرق البرية الخاصة بالشاحنات.

تجاوز طول النفق الجديد، بعد افتتاحه بشكل رسمي، نفق «سيكان» الياباني للسكك الحديدية، والبالغ طوله 53.9 كيلومترًا، ليصبح النفق الياباني في المرتبة الثانية، باعتباره أطول أنفاق العالم الصناعية، وتحول نفق بحر المانش، وطوله 50.5 كيلومترًا، والرابط بين بريطانيا وفرنسا أسفل بحر المانش، من المركز الثاني إلى المركز الثالث.

رسم توضيحي لأطول سبعة أنفاق في العالم حاليًا طبقًا لموقع بي بي سي

بعد اكتمال إنشاء النفق، أصبح يمر أسفل مسافة قدرها 2.3 كيلومتر من الجبال التي تعلوه، هذه الجبال تضغط على النفق بقوة هائلة وبكتلتها بالغة الضخامة، لتتسبب في الأحوال العادية في هدمه تمامًا. من هنا كان لابد لمهندسي المشروع من حل مبتكر، وكان الحل هو تثبيت حلقات ضخمة من الصلب، في مناطق متكررة بطول النفق، بهدف منع انهياره نتيجة هذا الضغط الهائل.

ويمر النفق خلال صخور تصل درجة حرارتها في هذه المنطقة إلى 46 درجة مئوية، ولذلك كان لزامًا على المهندسين القيام بعمليات الحفر والتفجير خلال 73 نوعًا مختلفًا من أنواع الصخور، البعض منها من الصخور الصعبة بالغة الصلابة مثل الجرانيت، صخور يصعب الحفر خلالها، وبعضها كان لينًا وناعمًا بشدة كما لو أنها «قطع سكر عملاقة»، ما تسبب في مشاكل عديدة للمهندسين، حتى تمكنوا من تثبيت الخرسانة الخاصة بالنفق فيها، على الرغم من لينها.

وتمت عمليات الحفر بشكل كامل، بعدما أخرج المهندسون والعمال حوالي 28 مليون طن من الصخور، وقاموا بتفتيتها بعد ذلك، للمساعدة في إنتاج الخرسانة المستخدمة لبناء النفق، هذا الأمر وفر بالطبع الكثير من الأموال الخاصة بعمليات نقل بعض المواد الداخلة في تكوين الخرسانة، من مناطق أخرى عبر سويسرا.

الرائع أيضًا أنه تم الانتهاء من إنشاء النفق في حدود الوقت المقدر مسبقًا، وبلا تخطٍّ لحدود الميزانية المعتمدة له. ويتميز بأنه مسطح ومباشر، بدلًا من المرور عبر الجبال بشكل حلزوني، مثل نفق وطريق السكك الحديدية القديم، الذي جرى افتتاحه عام 1980.

ويتوقع أن يمر عبر هذا النفق 260 قطار شحن بضائع، و65 قطارًا للركاب كل يوم، وذلك خلال رحلة لن تطول عن 17 دقيقة لا غير، باعتبارها مدة كافية تمامًا للقطارات لقطعه، ويتم توفير تكاليف النفق بعد تشغيله ومبالغ صيانته المستمرة، عبر الضرائب على الوقود، وضرائب القيمة المضافة، وعبر رسوم الطريق للشاحنات الكبيرة، بالإضافة إلى قروض الدولة المتوقع إتمام سدادها في غضون عشر سنوات.


وطبقًا لما ذكره موقع بي بي سي البريطاني، فقد استغرق بناء النفق 17 عامًا كاملًا، ويبلغ طوله الدقيق 57.1 كيلومترًا، وتكلف ما يوازي قيمة الناتج القومي لدولة صغيرة، مثل نيكاراغوا.

وعمل في النفق 2600 موظف، توفي منهم تسعة أشخاص خلال حوادث وقعت أثناء عمليات الحفر والتشييد، واستخدمت آلة عملاقة لعمليات الحفر، بلغ طولها 410 أمتار، ما يساوي طول أربعة ملاعب لكرة القدم تقريبًا، وبلغ قطر الآلة عشرة أمتار، وتمكنت آلة الحفر هذه من تحقيق رقم قياسي عالمي، عندما وصل معدل الحفر اليومي لها في بعض الأوقات، مسافة 40 مترًا كاملة في اليوم الواحد.

واستخدمت كمية بالغة الضخامة من الخرسانة في عمليات التشييد، قدرت بحوالي أربعة ملايين متر مكعب، ما يوازي تقريبًا 84 ضعف كمية الخرسانة الموجودة في برج إمباير ستيت الأمريكي الشهير.

وسوف يسهل النفق حركة حوالي 377 ألف طن من البضائع يوميًا، أو ما يعادل 15 حاوية بضائع من حجم تلك المستخدمة في النقل البحري. واستخدم في النفق كابلات نحاسية، قدر طولها بحوالي 3200 كيلومتر، مسافة أكبر من نصف المسافة بين ولاية نيويورك الأمريكية والعاصمة البريطانية لندن.

فوائد أوروبية

وتقول سويسرا إن هذا النفق سوف يحدث ثورة كبيرة في عمليات نقل البضائع الأوروبية، فالبضائع التي تنقل حاليًا باستخدام الشاحنات الضخمة، والبالغ عددها حوالي مليون شاحنة سنوية، سوف تنقل الآن عبر القطارات، من خلال هذا النفق.

وفي حديث له بالقرب من المدخل الشمالي للنفق، قال الرئيس الاتحادي السويسري، يوهان شنايدر آمان، في كلمة وجهها للضيوف خلال عملية الافتتاح، أن هذا النفق يعد خطوة عملاقة، ليس فقط لسويسرا، ولكن أيضًا لجميع الجيران الأوروبيين.

خريطة توضح مسار النفق

ويذكر أن حفل الافتتاح تضمن مرور قطارين، في اتجاهين مختلفين، يحملان الضيوف الذين اختيروا لحضور هذا الحفل، من خلال قرعة أجريت في وقت سابق، وتحرك القطار الأول بقيادة الرئيس السويسري، بينما تحرك القطار الثاني بقيادة وزير المواصلات السويسري أيضًا.

وفي دلالة واضحة على أهمية نفق جوتهارد، حضر حفل الافتتاح عدد من القادة والزعماء الأوروبيين، كالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، ورئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي، والمستشار النمساوي كريستيان كيرن.

وسيوفر النفق الآن خط سكك حديدية رئيسًا ومباشرًا، بين كل من مدينة روتردام الهولندية شمالًا، ومدينة جنوة الإيطالية جنوبًا، وعندما يعمل النفق بكل طاقته الاستيعابية، ويدخل إلى الخدمة بالكامل، في شهر ديسمبر (كانون الأول) نهاية العام الحالي، فإن الوقت المستغرق لقطع المسافة الطويلة بين مدينة زيورخ السويسرية ومدينة ميلان الإيطالية، سيصل إلى ساعتين و40 دقيقة فقط، بدلًا من ثلاث ساعات و40 دقيقة.

وقال بنك كريدي سويس السويسري الشهير، إن الفوائد الاقتصادية للنفق تشمل تسهيل التحرك بشكل أكبر لمزيد من السلع والبضائع، ولزيادة حركة السياحة أيضًا.

صورة لمسار النفق تحت الجبال

جبال الألب

وتوصف جبال الألب، في بعض الأحيان، بالحواجز التجارية الطبيعية في أوروبا، فمنذ العصر الروماني، حُدِّدت الطرق عبر هذه الجبال على الخرائط القديمة، وهي الطرق التي قاتل التجار بقوة للمرور عبرها من أجل نقل البضائع عبر القارة الأوروبية.

وفي العصور الوسطى، خاضت فرق البغال رحلة شاقة ومرهقة، من أجل المرور عبر الألب، هذه البغال التي كانت تحمل كل شيء، من الملح إلى النبيذ والمعادن والسلع الجلدية، وكانت الحوادث عبر هذه الطرق أمرًا شائعًا للغاية، وفي فصل الشتاء كانت هذه الطرق تغلق بشكل تام نتيجة الأحوال الجوية والثلوج.

لذلك عندما جرى افتتاح أول نفق للسكك الحديدية في تلك المنطقة عام 1882، ذكر الرئيس السويسري آنذاك، شعون بافيير، وبكل إحساس ممكن بالنشوة والفرحة، أن هذا النفق هو انتصار للفن والعلم في الوقت نفسه، فجبال الألب السويسرية، الحاجز الذي تسبب في انقسام الأمم الأوروبية، قد سقطت في هذا اليوم، وأصبحت الدول أكثر قربًا من بعضها البعض، وأصبحت أسواق العالم مفتوحة على البضائع الأوروبية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد