ميرفت عوف 5
ميرفت عوف 5

يكون الحظ كبيرًا حين يتمكن أي من المحاصرين في ملاجئ الغوطة الشرقية من الحصول على «ساندويشة لبنة»، الصغار والكبار يدركون حينها أن عليهم البقاء يومًا كاملًا على هذا المقدار من الطعام الذي وفرته بصعوبة إحدى الجمعيات الخيرية.

يحدث ذلك فيما يبقى 60% من سكان المحافظة من دون طعام، لأن لا أحد يستطيع توفير الطعام لهم، وهو وضع لحقَ حتى بالجرحى والمرضى الذين لا تتوفر لهم إلا وجبة واحدة يومية هي «شوربة العدس»، كما أن المجتمع الدولي الذي يعجز عن التحكم في الأوضاع السياسية بسوريا، أيضًا هو عاجز عن وقف عرقلة دخول القوافل من قبل النظام السوري وروسيا، وهو يكتفي بالتنديد والاستنكار لهذا الفعل فيما يموت المحاصرون بسبب فقدان الدواء والطعام.

سكان الغوطة يفقدون الوعي بسبب الجوع

«أسر كاملة لا تأكل إلا وجبة واحدة على مدى أيام»، بهذه الكلمات حاول أحد سكان مدينة «دوما»، أكبر مدن الغوطة الشرقية وصف الوضع الإنساني هناك، حيث بات الناس من حوله يفتقدون حتى المياه الصالحة للشرب، فهم في الغالب يقتاتون على ما توفر من خضروات وأحيانًا على الحشائش.

سوري يحاول إنقاذ طفل بعد غارة جوية على الغوطة الشرقية.

ففيما كان النظام السوري يفرض على المحافظة حصارًا محكمًا منذ منتصف أكتوبر (تشرين الأول) عام 2013، شن وبدعم روسي حملة عسكرية على الغوطة الشرقية في 18 فبراير (شباط) 2018، فزاد التصعيد العسكري من معاناة سكان الغوطة الذين كانوا يعتمدون أصلًا على مساعدات دولية تدخل بشكل متقطع، وعلى الزراعة المحلية، وأحيانًا يأتون بالمواد الغذائية عبر طرق التهريب، لذلك فالآن يقبع نحو 70 ألف شخص في دوما تحت وطأة الحاجة الماسة إلى مساعدات عاجلة، بينهم أكثر من 60% دون طعام، ولا تستطيع الجمعيات أن تؤمن لهم أي مساعدة، فالكثير من العائلات تمر عليها نحو 48 ساعة دون أن تأكل وجبة مشبعة، والمحظوظ من سكان الغوطة هو من يستطيع تأمين القليل من الحشائش، كالسلق أو الفجل أو البقدونس أو الكسبرة أو البصل الأخضر، فيما  يعتبر الأرز والبرغل والعدس والحمص والسكر نادر الوجود.

وقد زادت مستويات سوء التغذية الحاد – أخطر مراحل سوء التغذية – 10 أمثالها في الشهور الستة الماضية بين أطفال الغوطة الشرقية، وحسب برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، فإن سكان الغوطة: «يعانون من نقص شديد في الغذاء لدرجة أنهم يأكلون القمامة ويفقدون الوعي بسبب الجوع ويجبرون أطفالهم على التناوب على تناول الطعام».

سيارة للأمم المتحدة في الغوطة الشرقية.

 تقول أم لطفل رضيع لم يكمل شهره الرابع تتواجد في الغوطة الشرقية: «لم نعد نستطيع تأمين وجبة الطعام الوحيدة التي نعيش عليها في معظم الأيام، هذه الوجبة غالبًا ما كانت شوربة، مؤلفة من قليل من الأرز أو البرغل أو العدس مع كثير من الماء، وبعض الأحيان قد يكون إلى جانبها القليل من الخبز ونحاول العيش على ما يتوفر من حشائش قابلة للأكل»، وتضيف لـ«العربي الجديد»: «لم أعد قادرة على إرضاع صغيري بسبب قلة الطعام. نحاول تأمين حليب البقر أو اللبن وخلطه بالماء للرضيع، ولكنني أشعر بأن وزنه يتناقص، حتى بدأت أخشى على حياته».

إمعانًا في تعميق المأساة.. النظام يمنع الدواء

في القافلة الأولى التي دخلت الغوطة الشرقية بعد بدء قوات النظام السوري هجومها العسكري في 18 فبراير الماضي، سُحبت المعدات الطبية من هذه القافلة، وأبلغت الأمم المتحدة وشركاؤها بأنه لم يسمح بتحميل الكثير من المواد الصحية التي كان من المفترض إرسالها إلى دوما، وكذلك لم يسمح  باستبدال مواد حيوية أخرى بها.

إذا ما حصل ومررت قوات النظام بعض قوافل المساعدات  الأممية فهي تقوم باستبعاد حقائب الإسعافات الأولية واللوازم الجراحية وعلاجات الغسيل الكلوي والإنسولين، ولذلك قالت منظمة الصحة العالمية إن نحو 70% من الإمدادات التي نقلت من مخازن منظمة الصحة العالمية إلى شاحناتها استبعدت خلال عملية التفتيش التي يقوم بها النظام، ويهدف النظام جراء منع إدخال المساعدات الطبية إلى الإمعان في تعميق مآسي المدنيين المحاصرين في الغوطة، ومن ثم الضغط على فصائل المعارضة كي تقبل توقيع وثيقة استسلام تفضي إلى إخلاء غوطة دمشق الشرقية من سكانها.

ووسط هذه الإجراءات تعاني الكوادر الطبية في الغوطة من نقص في الأدوية والمستلزمات الطبية، وتعجز عن القيام بواجبها تجاه الجرحى الذين يصلون يوميًا إلى المستشفيات، كما يفتقد الجرحى والمرضى الطعام الصحي المناسب، فكل ما يمكن توفيره لهم هو وجبة واحدة فقط يوميًا، فـ«شوربة العدس» هي وجبة الجرحى والكادر الطبي أيضًا، بينما يقدم اللبن المخلوط بالماء للأطفال المصابين، حيث تمكن المستشفى من الاحتفاظ ببقرتين في بساتين المدينة، تتغذيان على العشب، فيما يعطي الأطباء من أصيب في بطنه، وخضع لتدخّل جراحي، سيرومات تحتوي على الأملاح والسكر.

تقول المديرة العامة لمنظمة أطباء بلا حدود «ميني نيكولاي»: «بشكل يومي نلاحظ شعورًا متزايدًا باليأس وفقدان الأمل، وما يفعله زملاؤنا الأطباء يفوق حدود ما يمكن لأي شخص القيام به. فقد استُنزفوا إلى درجة الانهيار إذ لا يحظون إلا بأوقات قليلة من النوم»، وتضيف «نيكولاي»: «هم في خوف مستمر من القنابل والمدافع التي تضرب مواقعهم بشكل مباشر، إنهم يبذلون ما بوسعهم لتقديم ما يشبه الخدمة الطبية لكن كل شيء يقف ضدهم إلى حد هائل. كما أن الوضع، إضافة إلى شروط الحرب القاسية والصارمة التي فرضها أطراف النزاع تدفعهم لفعل المستحيل».

لماذا تعرقل روسيا والنظام إدخال المساعدات؟

«قافلة اليوم تأجلت»، هذا ما أعلنته في الثامن من مارس (آذار) الجاري، المتحدثة باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي «يولاندا جاكمت»، وهي تتحدث عن وضع قافلة مساعدات كانت في طريقها إلى الغوطة الشرقية المحاصرة.

قوافل مساعدات إنسانية للغوطة (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي).

الحال متكرر، ففي الخامس من هذا الشهر أيضًا اضطرت قافلة المساعدات الأممية التي دخلت إلى الغوطة للخروج قبل تفريغ حمولتها بعد تلقيها إيعازًا بالخروج من النظام السوري وروسيا اللذين حافظا على نفس وتيرة القصف منذ دخول القافلة إلى الغوطة، ونقلت حينها وكالة «الأناضول» عن عضو المجلس المحلي لمدينة دوما، بيان ريحان قوله إن: «أفراد القافلة تعرضوا لضغوط من النظام وروسيا للخروج من الغوطة، وبعدها بساعة وصلهم إيعاز بالانسحاب المباشر من المنطقة فخرجوا بسرعة وحتى دون تنسيق مع فصائل المعارضة التي رافقتهم خلال جولتهم».

وتظهر هذه التحركات إصرارًا من قبل النظام السوري وروسيا على عرقلة دخول قوافل المساعدات إلى الغوطة، على اعتبار أن منع المواد الغذائية هو سلاح حربي يهدف لتجويع المحاصرين، ويستغل النظام الصمت الدولي في ارتكاب المزيد من جرائمه ضد الإنسانية بفرض الحصار والتجويع، إذ لم يتمكن المجتمع الدولي من إجبار النظام على العمل على التطبيق الفوري للبندين الثاني عشر والثالث عشر من القرار الدولي (2254)، ورفع المعاناة عن المحاصرين، ويلخص مدير الدفاع المدني السوري، رائد الصالح، خطوات النظام الهادفة لعرقلة المساعدات، فيقول: «بعد إعطاء السلطات السورية كافة الموافقات الأمنية تقوم بسحب معظم اللوازم الطبية من شاحنات الأمم المتحدة وتمنع دخول حقائب الإسعافات الأولية ولوازم الجراحة والغسيل الكلوي وعبوات الإنسولين، الأمر الذي يعد فضيحة مدوية للأمم المتحدة في الغوطة».

ويضيف: «النظام لا يعطي الوقت الكافي لتفريغ الشاحنات، كما شهدت معظم قرى وبلدات الغوطة ما عدا دوما عمليات قصف مكثفة بالصواريخ أثناء تواجد قافلات الإغاثة، وكذلك أمر الروس بإخلاء دوما بشكل عاجل دون إفراغ باقي الشحنات»، مؤكدًا بقاء تسع شاحنات لم تفرغ حمولتها من المساعدات.

عمال إغاثة يفرغون موادَّ غذائية (المصدر: جيتي).

وفيما يتعلق بالدور الروسي الذي يعلن بين الفنية والأخرى عن هدنة لمدة ساعات بغية خلق ما يسمى بـ«ممرات آمنة» لخروج المدنيين وإدخال المساعدات، يقول الكاتب الصحافي المتخصص بالشأن الروسي «طه عبد الواحد»: «هم يدركون (الروس) أن دخول مواد غذائية وطبية تشكل عوامل صمود للمدنيين بالدرجة الأولى، ولذلك يحاولون بذرائع واهية منع تحرك المساعدات الإنسانية».

ويشير «عبد الواحد» لـ«عربي 21» أن: «روسيا تسعى لتشكيل أكبر ضغط على الغوطة وتأمل بأن يستسلم الناس ويخرجون، وهي تسعى جاهدة لكسر صمود الغوطة، وبالدرجة الأولى من خلال الضغط على المدنيين، تحت أي ثمن، وربما على الأرض تظهر روسيا الأمر وكأن النظام خلف منع القافلة كي لا توجه لها الاتهامات مباشرة، لكن باعتقادي أن روسيا ما عادت مكترثة في الوقت الراهن برد الفعل الدولي».

المجتمع الدولي عاجز حتى عن حماية أفراد الإغاثة!

«النظام السوري يجب أن يحاسب على التدهور المتواصل للوضع الإنساني في الغوطة الشرقية، وهذا ينطبق على استخدام نظام الأسد أسلحة كيماوية كما على الهجمات على المدنيين وعرقلة المساعدة الإنسانية»، هذا ما قاله المتحدث باسم الحكومة الألمانية «شتيفن زايبرت»، فيما قال مستشار الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة «يان إيجلاند» أمام دبلوماسيين من 23 دولة يحضرون اجتماعًا في جنيف: «أنتم تتقاعسون عن مساعدتنا لمساعدة المدنيين في سوريا، القانون الدولي لا يحترم في الغوطة الشرقية».

في الحقيقة، المجتمع الدولي لا يستطيع محاسبة النظام السوري وروسيا على منعهما دخول المساعدات إلى الغوطة، وهو يقتصر في جهده على مناشدة النظام السوري وروسيا بوقف الهجوم من أجل السماح بدخول المساعدات، وحتى في حال سماح النظام بدخول المساعدات فالمؤسسات الدولية ليس باستطاعتها إعطاء أية ضمانات لحماية أي مدني أو عامل إغاثة يعمل على تقديم المساعدات، كما أن هناك صعوبة في عملية تدخل الدول الأوروبية في عملية توزيع المساعدات الإنسانية لنحو 400 ألف شخص محاصر بالغوطة، وهم بأمس الحاجة للطعام والدواء من أجل إنقاذ حياتهم، ولذلك يقول النشطاء السوريون إن ما تقدمه الأمم المتحدة من مواد إغاثية ومساعدات يكاد لا يذكر، فحصة ما يقارب 40 شخصًا قدرت بنصف كيلو عدس، مائة غرام من دبس البندورة، مائتي غرام من السمنة، نصف كيلو من السكر، نصف كيلو من الأرز.

بل تذهب مصادر في المعارضة السورية للتأكيد على أن الأمم المتحدة تتبع سياسة غير متساوية في عملية توزيع المساعدات، فهي تدخل مساعدات لمدن وقرى في الغوطة الشرقية دون أخرى، الأدهى ما حصل في 11 مارس الجاري، حين أظهرت تسجيلات مصورة تداولها نشطاء سوريون وصول أغذية فاسدة منتهية الصلاحية إلى الغوطة الشرقية ضمن قافلة المساعدات الأممية، وحمل السوريون مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) في دمشق المسؤولية المباشرة عن وصول هذه المواد التالفة، كما أنهم لم يستبعدوا قيام النظام السوري الذي يقوم بتفتيش المساعدات بتبديل بعض المواد ومصادرة أخرى، خاصة أن له صلة بانتقاء الموظفين في هذا البرنامج.

هذه ليست المرة الأولى لوصول مساعدات أممية تالفة، ففي عام 2016 وصل مدينة حمص السورية بقوليات تالفة، وكذلك وصل مدينة الزبداني (ريف دمشق) في العام ذاته أرز مخلوط بروث الحيوانات، فيما وصل مضايا (ريف دمشق) بسكويت منتهي الصلاحية في عام 2015.