مر أكثر من خمسة أسابيع على الانتخابات التشريعية التي عرفها المغرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2016، وما يزال حزب العدالة والتنمية، الفائز في هذه الانتخابات، عاجزًا عن تشكيل حكومته الائتلافية؛ مما أدخل البلاد في حالة انسداد سياسي، لم تتجاوزه حتى الساعة.

كيف وصلت عملية تشكيل الحكومة إلى نفق مسدود؟

عيّن العاهل المغربي محمد السادس مباشرة بعد إجراء الانتخابات التشريعية رئيس حزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران من أجل تشكيل الحكومة، وذلك وفق الدستور المغربي، الذي ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من بين أعضاء الحزب الفائز بالحصة الكبرى من المقاعد البرلمانية، ثمَّ بعد ذلك يختار رئيس الحكومة المعيَّن تشكيلته الوزارية بالتشاور مع الملك.

غير أن عبد الإله بنكيران يواجه صعوبةً شديدةً في تشكيلة حكومة لها أغلبية برلمانية، إذ حظي حزب العدالة والتنمية بـ125 مقعدًا برلمانيًّا من أصل 395، ومن ثمّة كان عليه لزامًا البحث عن شركاء من أحزاب أخرى، لجمع تشكيلة ائتلافية ذات أغلبية في مجلس النواب.

وكما كان متوقعًا، توجه عبد الإله بنكيران لحليفه السابق حزب «التقدم والاشتراكية» اليساري الحاصل على 12 مقعدًا برلمانيًّا، وزكى كتلته بحزب «الاستقلال» الوطني الفائز بـ46 مقعدًا في البرلمان، الأخير الذي أعلن فجأة انضمامه لتحالف حزب العدالة والتنمية، بعد الخصومة الشديدة بين الحزبين خلال الولاية السابقة.

ليصل بذلك مجموع مقاعد هذا التحالف 183 مقعدًا برلمانيًّا، بينما يتطلب الوصول للنصاب القانوني، من أجل تشكيل حكومة ذات أغلبية نيابية، 198 مقعدًا، وهو ما يعني لزوم البحث عن شركاء حزبيين آخرين.

لكن هناك تكتلًا آخر، بقيادة حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الاتحاد الدستوري، بالإضافة إلى الحركة الشعبية، كَوّن كتلة سياسية، تربط مصيرها ببعضها، حيث يشترط عزيز أخنوش، الرئيس الجديد لحزب التجمع الوطني للأحرار، للانضمام للحكومة، دخول حزب الاتحاد الدستوري، وطرد حزب الاستقلال، في حين تشترط «الحركة الشعبية» وجود حزب التجمع الوطني للأحرار مع حزب الاتحاد الدستوري.

الأمر الذي وضع عبد الإله بنكيران في ورطة سياسية، خاصةً وأنه لا يستطيع التضحية بحليفيه، فصرَّح قائلا: «قد نتمكن من تشكيل الحكومة وقد لا نتمكن، وعزيز أخنوش جاءني بشروط لا يمكن أن أقبلها»، متهمًا الكتلة السياسة الأخرى بـ«الابتزاز».

وكان الملك محمد السادس، قد علق حول عملية تشكيل الحكومة المتعثرة، خلال خطابه من من دكار بمناسبة الذكرى الـ41 للمسيرة الخضراء، قائلًا: «الحكومة المقبلة لا ينبغي أن تكون مسألة حسابية، تتعلق بإرضاء رغبات أحزاب سياسية، وتكوين أغلبية عددية، وكأن الأمر يتعلق بتقسيم غنيمة انتخابية».

كيف يقرأ المحللون هذا التعثر؟

يعتقد العديد من المحللين، من بينهم الباحث في العلوم السياسيّة عبد الرحيم العلام، أنّ الوضع الجاري حاليًا لا يمكن قراءته «خارج سياق محاولات القصر لتحجيم الإسلاميّين»، مضيفًا للمونيتور: «حزب التجمّع الوطني للأحرار ينفّذ سياسات وأجندات معروفة منذ نشأته». وإعلان تحالفه مع الاتّحاد الدستوريّ، والآن تنسيقه مع الحركة الشعبيّة لم يأتيا من فراغ، بل هما محاولة لتدارك ما فشل فيه حزب الأصالة والمعاصرة سابقًا.

يورد عبد الرحيم العلام أيضًا في تصريحه أن السلطة في المغرب «تريد حزبًا إداريًّا قويًّا  مقرّبًا منها في المعارضة، وحضورًا أقوى لأحزابها داخل الحكومة أيضًا، فالقصر لا يمكن أن يسمح أبدًا بأن تكون هناك حكومة تتألّف من الإسلاميّين والأحزاب الوطنيّة التاريخيّة بمفردها».

فيما يرى الخبير السياسيّ عمر الشرقاوي المشهد الراهن بأنه أشبه «بسوق كبير لا يتوافق فيه العرض مع الطلب»، ففي الوقت الذي يبحث فيه بنكيران إضافة أحزاب أخرى لتحالفه، كي يتمكن من تشكيل حكومة أغلبية، لا يرغب في نفس الوقت بالتضحية بحليفه القديم حزب التقدم والاشتراكية، كما لا يريد التخلي عن حزب الاستقلال، الذي يجمع حزمة قوية من المقاعد، وبالتالي الوصول إلى نفق مسدود.

وهناك من يرى أن تعثر تشكيل الحكومة المغربية، جاء نتيجة إصرار بعض الأطراف السياسية في المغرب على إقصاء حزب الاستقلال من تشكيلة الحكومة، كمحولة انتقام منه لانقلابه فجأة على خط المعارضة السياسية، الممثلة في حزب الأصالة والمعاصرة بالأساس، خلال الفترة الأخيرة، وكذا لتجرئه على اتخاذ مواقف غير معتادة في وجه السلطة.

ما هي السيناريوهات الممكنة بعد حالة الانسداد السياسي؟

أمام الوضعية السياسية الراهنة، تبدو خيارات عبد الإله بنكيران محدودةً للوصول إلى حكومة أغلبية، إذ من جهة يُصرّ على الوفاء بتعهّداته لشركائه، حزب التقدم والاشتراكية وحزب الاستقلال، ومن جهّة أخرى يسعى إلى إرسال تطمينات إلى القصر لضمان استمرار التعايش في الولاية الثانية، ومن جهة ثالثة لا يريد أن يكون رئيس حكومة متحكم فيها من طرف حزب آخر، غير حزب العدالة والتنمية.

https://www.youtube.com/watch?v=fxnf6JTlj14

من الناحية القانونية، فإن الدستور المغربي لا يطرح حلولًا أمام هذه المعضلة، كما أنه لم يحدد آجالًا معينة لتشكيل الحكومة، ما يعني أن عبد الإله بنكيران أمام خيارين إما النجاح في الوصول إلى حكومة ائتلافية بغض النظر عن الخسائر، وإما إحالة الأزمة إلى الملك مباشرة، ليتكفل باختيار أعضاء الحكومة، أما خيار إعادة الاقتراع فيبدو فرضية مستبعدة، بالنظر إلى تكلفتها المالية والسياسية للبلاد.

لكن تبقى فرصة تشكيل حكومة أغلبية لدى عبد الإله بنكيران قائمة، في حالة التحاق حزب الاتحاد الاشتراكي (الفائز بـ 16 مقعدًا) بالتحالف الثلاثي، أو بتراجع الحركة الشعبية عن تمسكها بكتلة حزب التجمع الوطني للأحرار، والاتحاد الدستوري.

بينما إن تعذر ذلك، يصبح تشكيل حكومة ذات أقلية برلمانية الخيار الوحيد أمام عبد الإله بنكيران، لكن ذلك غير وارد، بالنظر إلى أنها ستواجه عرقلة شديدة في عملها الحكومي من طرف نواب المعارضة السياسية في القبة البرلمانية، الذين سيمثلون أغلبية نيابية آنذاك.

أما القبول بشروط عزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، ومشاركة حزب الاتحاد الدستوري في التشكيلة الحكومية، فهو خيار مرفوض سلفًا بالنسبة لعبد الإله بنكيران، الذي اعتبر ذلك ردة عن الديمقراطية، وخيانة للإرادة الشعبية، بحسب تعبيره.

لكن رغم الوضعية الصعبة يبدو عبد الإله بنكيران مفاوضًا بارعًا، إذ يصر على عدم التنازل عن السلطة لنفوذ الأحزاب الإدارية، المقربة من القصر، حتى لو قاده الأمر إلى الانسحاب، حيث سبق أن قال: «إذا فشلت في مهمتي سأخبر الملك وسأعود إلى بيتي»، وهو ما يفهم في الحقيقة أنه تهديد منه للدولة العميقة بانسحاب حزبه الفائز بأغلبية الأصوات من المشهد السياسي ككل، إن لم يسمح له بتشكيل حكومته وفق شروطه، وهو ما لا يصب في صالح الاستقرار، ولا يخرج المشهد على النحو الذي يريده القصر.

وعلى الأرجح، ربما يكون الأقرب للحدوث، أن يؤول الأمر في الأخير إلى الملك محمد السادس، الذي سيعين حكومة ائتلافية برئاسة عبد الإله بنكيران، ينحدر أعضاؤها من كافة الأحزاب السياسية المتواجدة في الساحة، بالإضافة إلى تكنوقراطيين، ضمانًا لتوازن المشهد السياسي في المغرب.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد