في السبت الموافق 30 من شهر يوليو (تموز) المنصرم، وجه البرلمان التونسي الضربة القاضية للحكومة التي يرأسها الحبيب الصيد، بعد عام ونصف من تشكيلها، حيث صوت 118 نائبًا لصالح سحب الثقة من الحكومة، في حين أيدها ثلاثة، وامتنع 27 عن التصويت.

يأتي ما حدث في ضوء أمرين: الأول هو الانتقادات الكبيرة التي لاحقت حكومة العام ونصف، حول أنها فشلت في إيجاد حلول للأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، وأزمة البطالة أيضًا، بالإضافة إلى ما يراه العديد من المراقبين من فشل في مواجهة أخطار العمليات الإرهابية التي عانت منها تونس.

وزير التكنوقراط

صرح الحبيب الصيد قبيل جلسة سحب الثقة، بأنه يعرف نتيجة التصويت مسبقًا، وأن حكومته لن تحظى بثقة البرلمان، ولكنه ود ألا يغادر بحكومته الساحة السياسية تحت الضغوط، وإنما أراد المغادرة بطريقة دستورية، حيث تعرض الثقة في حكومته على البرلمان، وهو من يقرر بقاءها من عدمه.

حين تم اختيار الصيد للوزارة، رُوج الاختيار على أن تونس تحتاج الآن إلى وزير تكنوقراط، وليس وزيرًا سياسيًّا، حتى ينشغل بالأزمة الاقتصادية الكبرى في البلاد أكثر من أي شيء آخر.

لكن الأطراف السياسية المسيطرة في تونس، لم تر أن الصيد نجح في مهمته الأساسية، فبجانب أن المشكلة الاقتصادية المتفاقمة لم تتحسن، ترى تلك الأطراف أيضًا أن الصيد لم ينجح في إيجاد حلول حقيقية للهجمات الإرهابية، منذ أن أعلنت البلاد حالة الطوارئ في نوفمبر (تشرين الثاني)، بعد هجوم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) المسلح الذي أسقط 12 قتيلًا من الحرس الجمهوري، و59 مدنيًا، أغلبهم من الأجانب، في شاطئ سوسة.

وقد شهدت حكومة الصيد، تعديلًا وزاريًّا في يناير (كانون الثاني) الماضي، بعد مظاهرات احتجاجية عنيفة شهدتها البلاد، بسبب عدم تحسن الحالة الاقتصادية، بعد كل هذه السنوات من الثورة.

بالتالي كان وضع الصيد صعبًا من الأساس، وكانت الانتقادات توجه له دائمًا، لكن تفاقم الأمر أكثر وأكثر منذ أن ظهر الرئيس الباجي السبسي على شاشة التلفاز، وأعلن اقتراحه بتشكيل حكومة وحدة وطنية، مشكّلة من مختلف الأحزاب السياسية والنقابات العمالية، بدلًا من الحكومة التي يرأسها التكنوقراط ذو الـ67 عامًا، الحبيب الصيد، وهو ما قاوم صيغته الأخير، حتى تم الاحتكام للبرلمان الذي أسقطه، حيث أكد الصيد أنه لم يكن معارضًا لاقتراح الرئيس في حد ذاته، لكنه كان معارضًا للتوقيت الذي جاء فيه.

ووجد وزير التكنوقراط نفسه في النهاية، وقد سُحب الغطاء السياسي عنه، من قبل الأحزاب الكبرى في تونس وهم: نداء تونس، والنهضة، وآفاق تونس، والاتحاد الوطني الحر.

وقال النائب عبد العزيز القطي من حزب نداء تونس، قبل التصويت: «أزمة اقتصادية كبيرة، وحكومة غير قادرة على إيجاد حلول وإعطاء أمل للتونسيين»، بينما قال رئيس الحكومة السابق علي العريض، من حركة النهضة: «إن الوقت قد حان للتغيير، لأن إنتاجية الحكومة ضعيفة جدًّا».

وبهذا ستصبح حكومة الصيد حكومة تصريف أعمال، إلى حين التوافق على تكليف شخص آخر بالمهمة، يتولى الحكومة الجديدة، التي ستتولى تطبيق خارطة الطريق، المتفق عليها بين الأحزاب السياسية، والنقابات العمالية، حيث من المتوقع أن تُعرف هوية رئيس الحكومة الجديد بعد عشرة أيام على الأكثر، وهي المهلة الزمنية التي يحددها الدستور لرئيس الجمهورية، كي يجري المشاورات مع الكتل النيابية والأحزاب لتكليف رئيس الحكومة الجديد، من أجل تشكيل حكومة جديدة بحد أقصى بعد شهر، مع إمكانية التجديد لشهر آخر.

ما وراء الحدث

«من السذاجة الاعتقاد بأن إنقاذ البلاد يتوقف على حكومة وحدة وطنية. هذا النوع من التفكير يؤكد أن مرحلة ما بعد الصيد لن تكون أفضل على الإطلاق»، هكذا ذكرت صحيفة «لو كوتيديان جورنال».

ثمّة اعتقاد بين بعض المحللين بأنه بعيدًا عن شعارات فشل الصيد وحكومته، في حل الأزمة الاقتصادية، جاء إسقاط الصيد لأسباب عميقة أخرى، متعلقة بصراع الأقطاب بالأساس، داخل حزب نداء تونس؛ ذلك الصراع الذي أدى إلى الانشقاق داخل الحزب، وخروج كتلة مهمة منه تحت قيادة الفاعل المهم محسن مرزوق.

أثناء جلسة تصويت البرلمان لسحب الثقة من حكومة الصيد، قال نائب الجبهة الشعبية، عمار عمروسية، وهي الجبهة اليسارية التي قاطعت التصويت، إن الرئيس قائد السبسي، يحكم من خلال خضوعه للوبيات الفساد ورجال الأعمال.

يرى العديد من الثوار أن تلك اللوبيات هي التي تستغل نفوذها على حساب الدولة تحت سمع وبصر الرئيس التونسي، وفي الواقع يرى العديد من الثوار أيضًا أنها هي السبب الرئيسي في عدم تحسن الحالة الاقتصادية، ومنع الثورة من تحقيق أهدافها، قبل أي حديث عن حكومة تذهب أو حكومة تأتي.

وقال عمروسية جملة خاطب بها الرئيس، استخدمها بعد ذلك شباب الثورة على مواقع التواصل الاجتماعي بكثافة، وهي: «شد ولدك.. ولدك في دارك موش في حزبك».

في الواقع ينظر العديد من المحللين إلى أن حافظ قائد السبسي، نجل الرئيس السبسي، هو من أخرج الصيد من ساحة الحكم، بعيدًا عن كل ما يقال عن الأزمة الاقتصادية، حيث كان الصيد في خصومة معه منذ وقت، وأن ذلك الإخراج جاء بغية تركيز حافظ لسلطته ونفوذه في حزب والده، وبغية أيضًا إعادة التماسك للحزب تحت سلطته، بعد الانشقاقات التي شهدها؛ حيث إن نجل الرئيس، لا يمثل نفسه فقط، وإنما يمثل أيضًا شبكة العلاقات التي تربطه برجال الأعمال ورجال الدولة العميقة في البلاد، وبهذا فقد خرج حافظ بعد إزاحة الصيد، باعتباره المنتصر الأول، والحاصل الأكبر على أرباح ما حدث.

في هذا السياق يرى أستاذ العلوم السياسية حمزة المؤدب، أن حزب نداء تونس صار عبئًا على أي شخص سيتحالف معه في الحكم، بعد تفجر صراع اللوبيات داخله، ويرى أيضًا أن التونسيين صاروا يعرفون أن ديمقراطيتهم صورية، بحسب تعبيره.

يشرح حمزة المؤدب ما حدث في الأيام الماضية بالقول: «عدم تجديد الثقة بالحكومة من طرف التحالف الرباعي، وتحميل الحبيب الصيد مسؤولية فشل حكومته في تحقيق التنمية، وانحدار العملة الوطنية، ومحاربة الفساد، في ظل هروب الأحزاب الحاكمة من المسؤولية، هو دليل على الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد.. وهذه الأزمة التي مرت بالبلاد تعكس حالة المشهد الحزبي المتردي اليوم في تونس، والمشكّل أساسًا من أحزاب لا تحتكم إلى مشاريع ولا إلى برامج أو أفكار، وبالتالي تسقط في الانتهازية والمناورة والحسابات الآنية».

ويضيف المؤدب: «حزب نداء تونس، صدّر أزماته للحكومة، وسبب عدم استقرار وعرقلة للعمل الحكومي، وكان للصراعات في داخله تداعيات كبرى على الحكومة، حرمتها من دعم سياسي وبوصلة سياسية؛ فقد تحول الحزب إلى واجهة لتسلط لوبيات المال النافذة، ولأطماع ابن وعائلة رئيس الجمهورية، فجيّره لمصلحتها، ما عمَّق الأزمة عن طريق خلق سلطة موازية فعلية في مقابل أطراف حاكمة لا تملك من أمرها شيئًا، بل مطلوب منها أن تتحول إلى واجهات لا أكثر».

ويؤكد الباحث التونسي في علم الاجتماع، فؤاد غربالي أن الصيد لم يمتلك الجرأة على كشف حقيقة الفساد كاملة أمام الشعب في جلسة البرلمان، موضحًا أن هذا ليس غريبًا عليه، حيث عمل الصيد لوقت طويل في إدارة الرئيس المخلوع «بن علي»، ورغم كل الفساد الذي عاشه في نظام «بن علي»، بتعبير غربالي، لكنه لم يسبق له الاحتجاج على ذلك.

عرض التعليقات
تحميل المزيد