كانت هناك حادثة سابقة لرجل بريطاني ترك سيارته ال«بي إم دبليو» تتأرجح على حافة جرف في منطقة يوركشاير، كان ضحية مبكرة لهذه الظاهرة. ثم جاء السياح اليابانيون الذين قادوا سيارتهم مباشرة إلى المحيط في محاولة للوصول إلى جزيرة أسترالية، والمرأة البلجيكية البالغة من العمر 67 عامًا التي قامت برحلة ملحمية إلى العاصمة البلجيكية بروكسل عبر العاصمة الكرواتية زغرب، والتي كانت تتساءل فقط عما إذا كانت ستبتعد عن مسارها عندما تغيرت علامات المرور في الشارع وأشارت نحو كرواتيا.

هذه السيدة اعتادت على القيادة لمسافة 38 ميلًا حتى تصل إلى مدينة بروكسل انطلاقًا من مدينة «Solre-sur-Sambre» الصغيرة، لكن عندما وضعت العنوان الذي تريد الذهاب إليه أشار جهاز الملاحة لمكان في مدينة زغرب الكرواتية لتقود السيدة لمدة 901 ميل خلال يومين.

فقدان الإدراك السليم

كانت هناك بالفعل أدلة على أن نظام الملاحة عبر الـ«GPS» يمكن أن يتسبب في فقدان السائقين لحسهم وإدراكهم السليم. الآن، تمكن العلماء من الكشف بالضبط عما يحدث في الدماغ عندما يتحول الناس من استخدام الخرائط التقليدية إلى نظام الملاحة عبر الأقمار الصناعية «satnav».

ووجدت الدراسة أن نشاط الدماغ المميز المرتبط بمحاكاة الطرق المختلفة الممكنة للرحلة يبدو غائبًا تمامًا عندما يتبع الشخص التوجيهات الإلكترونية لأنظمة الملاحة الحديثة، بدلًا من التخطيط بشكل مستقل للطريق الذي سوف يقود خلاله.

هوغو سبيرز، عالم الأعصاب الذي قاد العمل في هذه الدراسة في كلية لندن الجامعية، أوضح أنه عندما يكون لدينا التكنولوجيا التي تقول لنا أي طريق نسلكه للذهاب إلى وجهتنا، فإن هذه الأجزاء من الدماغ – ببساطة – لا تستجيب لشبكة الشارع. وبهذا المعنى، تقوم أدمغتنا بوقف اهتماماتها المتعلقة بإدراك الشوارع المحيطة بنا.

قد تفسر هذه النتائج الرحلات الكارثية التي تنتج أحيانًا عن خلل في نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، وهي ظاهرة يشير إليها الحراس في حديقة وادي الموت الوطنية في ولاية كاليفورنيا باسم «الموت بواسطة نظام تحديد المواقع العالمي – death by GPS». هذا الانسحاب أو الانفصال العقلي عن البيئة المحيطة يمكن أيضًا أن يشرح لنا السبب حول لماذا الناس الذين يعتمدون باستمرار على نظام الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية، يمكنهم الكفاح وعصر أذهانهم بشدة من أجل تذكر الاتجاهات على الطريق الذي اعتاد القيادة عبره عدة مرات من قبل.

في هذه الدراسة، طلب من 24 متطوعًا خوض برنامج محاكاة والتنقل عبره من منطقة سوهو في وسط لندن في الوقت الذي يخضعون فيه لعملية مسح دماغي. في بعض الأوقات، كان المتطوعون يعملون على مسارهم يدويًا، بينما في تجارب أخرى جرى توجيههم إلى أين يذهبون من قبل نظم الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية.

عندما دخل المتطوعون الذين كانوا يتنقلون يدويًا إلى شارع جديد، شوهدت طفرات في النشاط العصبي الخاص بمنطقتي الحصين في الدماغ، وهي منطقة مرتبطة بالذاكرة والملاحة، بالإضافة إلى طفرات من النشاط في قشرة الفص الجبهي، التي تشارك في التخطيط وصنع القرار. ومع زيادة عدد الخيارات الملاحية، ازداد نشاط الدماغ في هذه المنطقة، ولكن لم يجرِ الكشف عن مثل هذه الزيادات من النشاط عندما كان الناس يستخدمون نظام الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية لإيجاد طريقهم.

الخريطة الداخلية

وقال سبيرز إن الدخول إلى مفترق طرق مثل مفترق طرق «Seven Dials» في لندن، حيث تجتمع سبع شوارع، من شأنه أن يعزز النشاط في الحصين، في حين أن طريقًا مسدودًا من شأنه أن يقلل من نشاطه. وأضاف «إذا كنت تواجه صعوبة في التنقل في مجموعة الشوارع الموجودة في المدينة، فمن المرجح أنك تضع ضغوطًا عالية على الحصين وقشرة الفص الجبهي.

وتقترح الدراسة، التي نشرت في مجلة ناتشر كوميونيكاشنز «Nature Communications»، أننا نتجول عن طريق إنشاء خريطة داخلية لبيئتنا تسمح لنا بحساب أقصر الطرق إلى وجهتنا. وقال سبيرز «تتناسب نتائجنا مع النماذج التي يحاكي فيها الحصين الرحلات على المسارات المستقبلية الممكنة، بينما تساعدنا قشرة الفص الجبهي على تخطيط تلك الطرق التي ستصل بنا إلى وجهتنا».

واستنادا إلى النتائج الجديدة حول كيفية التنقل، قام الفريق البحثي أيضًا بتحليل شبكات الشوارع للمدن الكبرى في جميع أنحاء العالم لتقييم مدى سهولة التنقل بينها. لندن، مع شبكتها غير المنتظمة من الشوارع المتعرجة والأزقة، يبدو أنها «تفرض ضرائب خاصة» على الحصين. وعلى النقيض من ذلك، ستكون هناك حاجة إلى بذل جهد عقلي أقل بكثير للتنقل في مانهاتن في نيويورك، حيث يعني تخطيط الشبكة أنه في معظم التقاطعات، يمكنك الذهاب مباشرة أو إلى اليسار أو إلى اليمين.

وقال دين بورنيت، عالم الأعصاب في جامعة كارديف، إن النتائج قد تساعد في تفسير الأعمال السابقة التي أظهرت أن سائقي سيارات الأجرة في العاصمة البريطانية لندن لديهم منطقة حصين أكبر وأكثر نشاطًا من الشخص العادي، في حين أن سائقي الحافلات في لندن، الذين يتبعون طرق محددة مسبقًا بدلًا من العمل على الاتجاهات حسب الوجهة، لا تظهر لديهم هذه الاختلافات.

وقال «معظم الناس يديرون وجودهم طبيعي دون فرض ضرائب على مهاراتهم الملاحية كثيرًا (يقصد دون ضغوطات زائدة يقومون بها)، ولكن تشير بيانات سائق سيارة أجرة أنه كلما كنت تفعل ذلك، أصبحت أفضل في ذلك الأمر، إذ إن الدماغ يتطور لتسهيل ذلك في المقابل». وأضاف أنه إذا كنت تريد أن تصبح أفضل في الملاحة المكانية، يجب عليك تجنب استخدام نظم الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية كلما كان ذلك ممكنًا. لكن إذا كنت ترغب فقط في الوصول إلى وجهتك مع أقل قدر من القلق أو الجهد ممكن، فعليك أن تستخدم هذه التكنولوجيا.

GPS

النظام العالمي لتحديد المواقع هو نظام فضائي تملكه حكومة الولايات المتحدة، وتقوم بتشغيله القوات الجوية للولايات المتحدة. وهو نظام عالمي للملاحة بالأقمار الصناعية يوفر معلومات تحديد الموقع الجغرافي والوقت إلى جهاز استقبال نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) في أي مكان على الأرض أو بالقرب منها حيث يوجد خط رؤية دون عائق لأربعة أو أكثر من الأقمار الصناعية الخاصة بنظام تحديد المواقع العالمي.

هذا النظام يعمل بشكل مستقل عن أي مستقبلات هاتفية أو تلك الخاصة بالإنترنت، على الرغم من هذه التقنيات يمكن أن تعزز فائدة المعلومات لتحديد المواقع. ويوفر النظام قدرات تحديد المواقع الحرجة للمستخدمين العسكريين والمدنيين وفي الأمور التجارية في جميع أنحاء العالم.

أنشأت حكومة الولايات المتحدة النظام، وتحافظ عليه، وجعلته متاحًا بحرية لأي شخص لديه جهاز استقبال. ومع ذلك، يمكن للحكومة الأمريكية أن تنكر بشكل انتقائي الوصول إلى النظام، كما حدث للجيش الهندي في عام 1999 خلال حرب كارجيل.

عرض التعليقات
تحميل المزيد