كان «الجرافيتي« فن الثورة الأوحد تقريبًا، حين بدأت أولى شراراتها. بدأ، وحين احتدمت المناوشات، ازداد انتشارًا واشتعالًا، خاض المعارك جنبًا إلى جنب مع الثائرين، وكان أيضًا -مثلهم- مستهدفًا، يُستأصل ويعود، ويُستأصل ويعود، وهكذا، حتى خبا مؤخرًا نجمه، في اللحظة التي خبت فيها حرارة الثورة.

لم يكن الظهور الأول للجرافيتي في المجتمع المصري مع ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، بل كان الجرافيتي موجودًا دائمًا على الجدران، وإن لم يكن ذا طابع سياسي، فتصدرت تهنئات الحجاج والإعلانات موضوعاته. ومنذ إطلاق الشرارة الأولى للثورة، وربما قبلها قليلًا بدأ الجرافيتي في الانتشار موثقًا بخطوطه وحروفه تاريخ الثورة على الجدران. وكان ميدان التحرير وشوارعه محط اهتمام فناني الجرافيتي، وانتشار جدارياته، ثم انتشر في كافة أنحاء مصر، منذ قيام الثورة، وحتى وقت قريب، إلى أن خفت بسبب التضييق الأمني.

وثق الجرافيتي كافة أحداث الثورة منذ قيامها، وكذلك غضب الشارع، وتقلباته، وآراءه التي اختلفت في كثير من الأحيان مع من كانوا يتولون أمره، ويتحدثون على لسانه على حد سواء، وكان الجرافيتي محل حرب ضروس بين الناشطين من الفنانين الثوريين، والدولة، وليست الدولة وحدها بل أيضًا الإخوان المسلمون، وفي النهاية يبدو أن تلك الحرب لم تكن في مصلحة الإخوان بأي حال.

حملة «مفيش جدران» لهدم الجدران العازلة

بعد انتهاء مرحلة الـ18 يومًا من الاعتصام في التحرير، تحول الأمر إلى انقسام بين القوى السياسية، والشعبية على حد سواء حول كيفية إدارة الأمور، وكان الجرافيتي سلاحًا استطاع من خلاله أن يعبر الشارع عن رأيه. تحول جدار الجامعة الأمريكية إلى ما يشبه نصبًا تذكاريًّا شعبيًّا للثورة، يحفل بجداريات القناصة، وأعين المصابين، وصور الشهداء، وتحولت منطقة التحرير إلى مساحة من الجدران. وبعد أحداث محمد محمود، وحريق المجمع العلمي في أواخر عام الثورة، أغلقت العديد من شوارع التحرير بالجدران العازلة؛ كل الشوارع التي تؤدي إلى وزارة الداخلية تم إغلاقها بجدران عالية، بعد أن صارت الوزارة هدفًا للمتظاهرين.

واجه فنانو الجرافيتي ذلك بألوانهم وفُرشهم، وقاوموا الجدران العالية العازلة بحملة «مفيش جدران«، محاولين هدم الجدار، بطريقتهم الخاصة وبخيالهم. ببساطة، أكملت الرسومات على الجدران بدقة عالية باقي الطريق، حيث يبدو لمن ينظر إليه كأنه مفتوح، وقد تمت هذه الحملة الشبابية بدقة عالية دون أي تخطيط مسبق، وأمام المجمع العلمي رسمت جدارية كبيرة لكتاب وصف مصر، الذي كان قد احترق مع حريق المجمع، ودونت معه عبارة «مفيش حاجة اسمها وصف مصر»، ورسمت على جدران شارع محمد محمود وجوه شهدائه، وشهداء الثورة، وكذلك رسومات تعبر عن الصراع بين قوى الثورة، وقوى الثورة المضادة.

جرافيتي أحد الجدران العازلة

معارك الجرافيتي والإخوان

إزالة الإخوان لجرافيتي محمد محمود

رغم أن السلطات في ظل حكم المجلس العسكري -الذي حكم البلاد بعد إطاحة مبارك وحتى انتخاب الرئيس السابق مرسي- كانت تمحو باستمرار اللوحات المرسومة التي تحرض ضد الحكومة، وضد المجلس العسكري، لكنها لم تقم بمحو جداريات محمد محمود حتى وصول الإخوان للحكم، وفي سبتمبر (أيلول) 2012، تمت إزالة الجرافيتي المرسوم في شارع محمد محمود من قوات الأمن ورجال النظافة، وهو ما أثار سخط الثوار وفناني الجرافيتي على السواء، واتهموا حكومة الإخوان بالسعي وراء ذلك.

في المقابل، خرج محمد فؤاد جاد الله المستشار القانوني للرئيس مرسي حينها ليؤكد أن الرئاسة تحقق في واقعة إزالة الجرافيتي بمحمد محمود، وبالطبع توقف الأمر عند هذا الحد، ولم ينشر أي شيء يفيد وجود هذا التحقيق بالفعل من عدمه، أو نتائجه، وهو ما جعل الإخوان يخسرون مرة أخرى في نظر البعض الشارع الحقيقي للثورة.

ازالة جرافيتي محمد محمود- المصدر: الشروق

الثورة على الإخوان.. بالفرشاة والألوان

في تلك المرحلة، تأكدت خسارة الإخوان لحليفها الأقوى بالنسبة لبعض المحللين، والذي كان من الممكن أن يدعم موقفها حين تحتاج إلى داعم حقيقي، فانفصلت عن قوى الشارع بشكل تام، وأصبحت هي السلطة التي يعاديها فنانو الثورة وشبابها، خاصة بعد أحداث الاتحادية، والتي شكل الجرافيتي جزءًا من تاريخها، حيث رسم الفنانون جدارياتهم على أسوار الاتحادية معبرين عن رفضهم للإعلان الدستوري، ومطالبين بالحرية.

نُظمت عدة حملات من فناني الجرافيتي، ونجحت في التعبير عبر الكثير من شوارع القاهرة وشوارع مصر عن رفض حكم الإخوان في بداية 2013، حيث بدأت الدعوات لتظاهرات ضد حكم الإخوان، وواكبها حملات الجرافيتي على نطاق واسع «دستوركم باطل»، و«إخوان كاذبون».

وفي مارس (آذار) 2013، نظمت فاعليات لرسم الجرافيتي أمام مكتب الإرشاد، وذلك للتعبير عن رفض سياسات الإخوان في إدارة البلاد، وتأخير تنفيذ أهداف الثورة، وكان رد فعل الإخوان حينها عنيفًا في نظر البعض، حيث خرج عشرات من شباب الإخوان من مقرهم ليفرقوا المشاركين في الفاعليات، وقاموا بالاعتداء عليهم بالشوم والعصي والكراسي والسلاسل الحديدية.

لم يتوقف سيل حملات الجرافيتي التي خرجت لمعارضة الإخوان، ففي الشهر التالي للحملة السابقة، خرجت حملة جرافيتي أخرى لثوار الإسكندرية تنتقد حكم الإخوان برسم عبارة «الإسلام هو الحل.. الإخوان هم المشكلة»، لتنتشر الحملة على جدران محطات الترام والقطار، ولتغزو أيضًا جدران منازل قيادات الإخوان المسلمين بالإسكندرية، ومنهم جرافيتي بجوار منزل مدحت الحداد مدير المكتب الإداري للجماعة بالإسكندرية، وكذلك أمام مكتب القيادي الإخواني صبحي صالح بالمنشية.

اعتمدت تمرد كذلك على الجرافيتي في حملتها ضد الإخوان، وللحشد الشعبي ليوم 30 يونيو (حزيران)، وكان جرافيتي: «30 يونيو العصر.. الثورة هتحكم مصر» معلنًا عن هدف الحركة، وداعمًا، وحاشدًا كذلك للجماهير للمشاركة فيها، وكان رد الإخوان على تلك الحملات هو إزالتها، وكتابة الأدعية الدينية بدلًا منها لتهدئة الأجواء.

على الجانب الآخر، حين حاول الإخوان استخدام فن الجرافيتي، ليكون معبرًا عن الإخوان تنظيمًا سياسيًّا، بعد وصولهم للسلطة، قاموا بحملة جرافيتي بمدينة الإسكندرية تحت عنوان «الدنيا مش سودة» في أبريل (نيسان) 2013، وكان هدف الحملة بث روح التفاؤل، وترك اليأس، والإسهام في بناء مصر بحسب صانعيها. كانت الجداريات الإخوانية عبارة عن كلمات تفاؤلية مكتوبة على حوائط الإسكندرية، في منطقة فيكتوريا، مثل: «لئن تضيء شمعة خير لك من أن تلعن الظلام». لم يعتمد جرافيتي الإخوان على الرسم، بل كانت الكتابة هي أداته الرئيسية، وهو ما يبدو بشكل ما تقليديًّا للغاية، وغير جاذب، وبالتأكيد لم يكن لهذا النوع من الجرافيتي نفس جاذبية جرافيتي أيام الثورة الأولى.

في الأيام الأخيرة من عمر حكم الإخوان، وقرب نهاية شهر يونيو (حزيران) 2013، شن الإخوان حملة جرافيتي أخرى ضد الإعلام، تحديدًا الإعلام غير الرسمي، والذي كان قد شن حلمة لاذعة يراها البعض موجهة من الأجهزة العميقة في الدولة على إدارة الإخوان للبلاد، فدشن الإخوان حملة جرافيتي مضادة تهاجم الإعلاميين على الجدران، وتتهمهم بالكذب والخداع.

جرافيتي ضد الإعلاميين– مصدر الصورة: الوطن

بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح حكم الإخوان، قامت عدة حملات جرافيتي أخرى، سواء من الإخوان المسلمين، أو من غيرهم من الثوار المعارضين لسلطة 3/7/2013، وطريقة وصولها للحكم.

بعد أحداث رابعة العدوية، كان الجرافيتي يأخذ شكلًا آخر، يختلف عن سلسلته السابقة من الأحداث. فاتخذ طابعًا إخوانيًّا صرفًا، في حين أن رسومات الجرافيتي في الفترات السابقة كانت عبارة عن حلقات مستمرة في سلسلة الثورة، فتجد في تلك السلسة رموز الشهداء من 25 يناير (كانون الثاني) تحتل الجداريات، من أحداث الثورة، مرورًا بأحداث محمد محمود، ومجلس الوزراء، وشهداء ماسبيرو، وحتى خالد سعيد الذي استشهد قبل الثورة، وكان من أسباب شراراتها، تصدر وجوه الجرافيتي على مدار الوقت. لكن الحملات التي قادها الإخوان بعد رابعة كانت أحادية الاتجاه، تمثل شهداء الإخوان ومعتقلي الإخوان وما تعرض له الإخوان، فانفصلت عن السلسال الثوري الذي كان ينبغي لها أن تلحق به في نظر البعض.

جرافيتي رابعة- شباب ضد الانقلاب- المصدر: يوتيوب

لم يعط الإخوان فن الجرافيتي حقه، كونه معبرًا عن الشارع وموجهًا له أيضًا، بل كانت الجماعة ضمن من يطاردونه بالإزالة، سواء كان قديمًا مثلما حدث مع جرافيتي محمد محمود، أو حديثًا موجهًا إليهم في عداء واضح، فكانوا يزيلونه كما كانت تفعل قبلهم حكومة المجلس العسكري، بل بطريقة أشد، واعتدوا ضمن مسيرة حكمهم على إحدى فاعليات فناني الجرافيتي أمام مكتب الإرشاد.

نهاية جرافيتي محمد محمود

في سبتمبر (أيلول) 2015، قامت الجامعة الأمريكية بإزالة سور الجرافيتي في محمد محمود، وأعلنت بعد ذلك بثلاثة أيام أنها أزالته هو ومبنى كلية العلوم في إطار الخطة العامة للدولة لتجميل ميدان التحرير، ليتم تحويلها إلى حديقة، وقالت الجامعة إنها وثقت وصورت الجرافيتي الموجود على الجدران، لتقيم به معرضًا داخلها. وهكذا انتهت ببساطة رسومات الثورة التي وثقت أحداثها من محمد محمود، وأحداث مجلس الوزراء، إلى ماسبيرو، وصور الشهداء المتفرقة، رغم محاولات الفنانين المستمرة لإعادة رسمها بعد محوها مرتين قبل ذلك في مايو، وسبتمبر (أيار وأيلول) 2012.

رغم حالة الأسى التي أحدثتها إزالة الجدران، إلا أن حملات أخرى لم تشن لاستعادة حائط جرافيتي الثورة، سور محمد محمود، فتحت ظروف القمع الشديد الذي تقوم به السلطات تجاه معارضيها، وعدم وجود تلك الفرصة التي كانت سانحة فيما سبق، لتجديد الجداريات رغم إزالتها، انطمست معالم شارع محمد محمود الثورية، التي ظل فنانو الجرافيتي يجتهدون ويحاربون للحفاظ عليها.

لكن هل انتهت ثورة الجرافيتي تمامًا؟

رغم انطفاء شعلة الثورة، إلا أن بعض الأحداث تنجح في إشعال الحماس الثوري مجددًا، وهو ما حدث في قضية «تيران وصنافير». ففي يونيو (حزيران) 2016، دعت لجنة الحسيني أبو ضيف للدفاع عن مهنة الصحافة، للرسم على جدران نقابة الصحافيين جرافيتي «تيران وصنافير مصرية» وقد شارك خالد علي صاحب دعوى استرداد الجزيرتين في رسمه.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد