هل يمر الوقت في كل الأماكن بالمعدل نفسه؟ قد يبدو هذا سؤالًا غريبًا، لكن الإجابة عنه أكثر غرابة مما يعتقد كثير من الناس. لنوضح الأمر أكثر عبر تغيير صيغة السؤال ونعطي مثالًا، إذا وقفنا أمام ناطحة سحاب، فهل يمر الوقت في الجزء العلوي من هذا المبنى بشكل أسرع أم أقل مقارنة بالجزء السفلي؟ أم أنه لا يوجد فرق على الإطلاق؟

إذا سألنا هذا السؤال للناس، فربما ستكون أغلب الإجابات أنه لا يوجد فرق على الإطلاق، وربما تكون إجابتهم هذه مليئة بالسخرية أو الاندهاش من هذا السؤال العجيب. في الحقيقة، عندهم حق، فنحن لا نشعر بالفعل بأي فارق في مرور الوقت على الإطلاق.

لكن الإجابة الحقيقية عن هذا السؤال هي أنه بالفعل يوجد فرق في الوقت، بل يمر الزمن أعلى ناطحة سحاب أسرع من الزمن في الطابق السفلي، إذ يمر الوقت بشكل أسرع كلما ابتعدنا لأعلى بعيدًا عن سطح الأرض. هذا التأثير تنبأت به النظرية النسبية العامة لأينشتاين، ويعرف باسم «تمدد زمن الجاذبية». فما هو هذا التأثير؟ وما علاقة الجاذبية به؟

تمدد زمن الجاذبية

كما نعرف، فإن النظرية النسبية العامة كانت قائمة على نظريات غير تجريبية ومعادلات رياضية، دون دليل عملي. لاحقًا، بدأ علماء في خوض بعض التجارب لإثبات بعض تنبؤات وفرضيات هذه النظرية، وهو ما حدث بالفعل؛ إذ تأكد العلماء من دقة كل ما جاء فيها تقريبًا، وربما كان آخر إثبات هو «موجات الجاذبية» التي شغلت العالم منذ عدة أعوام.

الأمر نفسه انطبق على تأثير «تمدد زمن الجاذبية»، الذي تنبأ به أينشتاين في نظريته النسبية العامة ثم تحقق منها باحثون عدة مرات بالتجارب. يحدث تأثير «تمدد زمن الجاذبية» لأن الأجسام ذات الكتلة الكبيرة تخلق مجال جاذبية قويًّا حولها، والسؤال: ما علاقة الجاذبية بالزمن؟

الجاذبية وانحناء الزمان

مجال الجاذبية في الحقيقة هو عملية انحناء للمكان والزمان (الزمكان)، أي إن الأجسام ذات الكتل الكبيرة تخلق حولها انحناء في الزمان والمكان، وكلما كانت الأجسام أكبر، كانت الجاذبية أقوى، وزادت منحنيات الزمكان، وزيادة انحناء الزمان يعني أن الوقت يمر أبطأ.

ولأن الزمان نسبي، بحسب نظرية أينشتاين، فيجب أن نلاحظ أمرًا مهمًّا هنا، تباطؤ الزمن سيلاحظه فقط الشخص الواقع بعيدًا عن مجال الجاذبية، بينما لا يوجد فرق للمراقب داخل مجال الجاذبية نفسه، ولنبسطها أكثر، تخيل وجود ثلاثة أشخاص، أنت مع صديقين لك. دخلت أنت والصديق الأول إلى داخل مجال الجاذبية القوية، بينما ظل الصديق الثاني يراقبكم من بعيد، بالنسبة لك، فستلاحظ أن الوقت يمر عليك بمعدل طبيعي، وعندما ينظر صديقك الأول لك، سيلاحظ مرور الزمن لك وله بمعدل طبيعي.

علوم

منذ 3 شهور
هذا ما صرنا نعرفه عن أسرار عنصر «ألبرت أينشتاين» الخفية!
`

لكن الأمر سيختلف اختلافًا كاملًا لصديقك الثاني الذي يراقبكم من مكان بعيد عن مجال الجاذبية الذي دخلتم إليه. بالنسبة له، سيشعر بمرور الزمن بشكل طبيعي، لكنه سيلاحظ أن مرور الزمن لكم يحدث ببطء. معنى هذا أنه لو كان عمركم جميعًا في سن العشرين، ومر 5 أعوام بالنسبة للصديق الثاني، فسيكتشف أن عمره أصبح 25 عامًا بينما أصبح عمرك أنت وصديقك الأول 21 فقط، وستشعر أنت وصديقك بمرور عام واحد فقط وليس خمسة بالفعل.

بالنسبة لأي شخص موجود في مجال الجاذبية القوي، سيلاحظ أن ساعة يده تسير بشكل طبيعي لكنه سيلاحظ أن ساعة يد صديقه الموجود في الجاذبية الأقل تسير بشكل سريع، والعكس صحيح، ستتساءل هنا بالتأكيد عن أي الساعتين بها مشكلة؟ لكن في الواقع أن كلا الساعتين تعملان بشكل طبيعي. الوقت نفسه يتباطأ ويتسارع بسبب الطريقة النسبية التي تعمل بها الكتلة على تشويه المكان والزمان.

فوق المبنى وأسفله

القاعدة تقول إنه يحدث تمدد زمن الجاذبية كلما كان هناك اختلاف في قوة الجاذبية، مهما كان هذا الاختلاف صغيرًا، ولنعود هنا إلى ناطحة السحاب التي تحدثنا عنه؛ إذ يمتلك كوكب الأرض الكثير من الكتلة، وبالتالي الكثير من الجاذبية، لذلك فهي تسبب انحناء في الزمان والمكان حولها بدرجة تكفي لقياسها.

وعندما يبتعد الشخص عن سطح الأرض حتى ولو لمسافة أمتار قليلة، تصبح قوة الجاذبية على هذا الشخص أضعف، وربما نحن كبشر لا نلاحظ ذلك بوضوح، لكن في القياسات الدقيقة متناهية الصغر، تظهر هذه الاختلافات حتى لو انتقل الإنسان من الطابق الأول إلى الطابق الثاني من المبنى، فهذا يعني ارتفاع لعدة أمتار قليلة، وبالتالي يحدث نقص ضئيل للغاية في قوة الجاذبية.

هذا الفرق في الجاذبية بين ذلك الذي نشعر به على ارتفاع ثلاثة أمتار فوق سطح الأرض والشعور به على ارتفاع ستة أمتار أصغر من أن نلاحظه بحواسنا البشرية، لكن الفرق كبير بما يكفي لتلتقطه الآلات الحساسة، ونظرًا إلى أن قوة الجاذبية تضعف مع كل خطوة نأخذها خلال صعود الدرج، فإن معدل تقدم (تسارع) الوقت يزداد أيضًا مع كل خطوة، فالأشخاص الذين يعملون في الطابق السفلي من ناطحة سحاب هم يسافرون حرفياً للمستقبل مقارنةً بالأشخاص الذين يعملون في الطابق العلوي، وذلك لأن الزمن يمر في الأسفل أسرع.

لكن التأثير ضئيل للغاية، فهو صغير جدًّا لدرجة أنه لن يكون ملاحظًا في الحياة اليومية. تتساءل عن مقدار الفرق في الوقت؟ حسنًا، هو لا يتعدى أجزاء من النانو ثانية فقط لا غير. هذه القياسات التي سجلت بالفعل، تتطابق بشكل جيد مع تمدد الوقت الذي تنبأت به نسبية أينشتاين.

هذا التمدد الزمني (اختلاف الوقت) الناجم عن جاذبية الأرض كبير بما يكفي بالنسبة للأقمار الصناعية الخاصة بنظام تحديد المواقع العالمي (GPS) التي تدور في مدارات عالية حول الأرض، والتي تلجأ إلى تعديل ساعاتها الداخلية من أجل مراعاة وقتها الذي يمر أسرع من الوقت على الأرض، وبالتالي تحديد مواقع «GPS» على الأرض بدقة.

الثقوب السوداء.. المثال البارز

كما ذكرنا، كلما كانت كتلة الجسم (وليس حجمه) كبيرًا، ظهر انحناء الزمان والمكان ظهورًا أكبر وتباطأ الوقت بشكل ملحوظ، ورغم ضخامة كتلة كوكب الأرض فإننا نلاحظ أن الفروق في تمدد الزمن ليست كبيرة وتقدر بأجزاء ضئيلة من الثانية.

لكن الأمر يختلف كليًّا إذا ما ذهبنا إلى الأجرام السماوية الأكبر في كتلتها من الأرض. بالطبع، في هذا الكون لن نجد أجسامًا أكبر كتلة من الثقوب السوداء، والثقب الأسود هو مكان في الفضاء يتميز بجاذبيته الهائلة لدرجة أن حتى الضوء لا يستطيع الهروب منه.

سر الجاذبية الكبيرة لهذه الأجرام هو كتلتها الكبيرة للغاية لكنها مضغوطة في الوقت ذاته في مساحة متناهية الصغر. تخيل مثلًا أن تضغط كوكب الأرض في حجم سيارة صغيرة، ولأن الكتلة كبيرة جدًا بغض النظر عن الحجم، تتسبب هذه الثقوب في توليد مجال جاذبية هائل يتسبب في انحناء الزمان والمكان بشكل أكثر وضوحًا، وبالتالي تمدد الوقت لأي إنسان يوجد في مجاله.

إذا كنت شاهدت فيلم interstellar الشهير، فستلاحظ هذه الظاهرة عندما ذهب بطل الفيلم إلى كوكب يدور في نطاق جاذبية ثقب أسود عملاق، اكتشف أن ساعة واحدة يقضيها على سطح الكوكب توازي مرور 7 سنوات على كوكب الأرض.

علوم

منذ 4 سنوات
كيف تعرف أنك تشاهد فيلم لـ«كريستوفر نولان» دون أن تقرأ التتر؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد