تعرف الجاذبية في علم الفيزياء على أنها “ميل الأجسام للتحرك والانجذاب نحو بعضها البعض”. وتقول الفيزياء إن الوزن هو القوة التي تقوم الجاذبية بحثها فيحدث الانجذاب بين الأجسام.

تعد الجاذبية هي إحدى أربع قوى تهيمن على كل ذرة من ذرات هذا الكون والتي بدون إحداها فإن النظام الكوني ينهار على الفور.

تعرف على هذه القوى من هنا

كيف تطور مفهوم الجابية تدريجيًّا عبر العصور والأزمنة؟

قبل الميلاد

في عام 330 قبل الميلاد، قال أرسطو إن العناصر الأربعة وهي الأرض والماء والهواء والنار، لها مواقعها الطبيعية وإن هذه العناصر تميل إلى التحرك باتجاه هذه المواقع.

أرسطو زعم أيضًا أن الأجسام التي تحوي مقادير من الأرض أكبر من غيرها، تسقط نحو الأرض بصورة أسرع وأن سرعتها تزيد عندما تقترب من موقعها الطبيعي.

منذ القرن التاسع الميلادي

عرف العرب الجاذبية منذ القرن التاسع الميلادي وهي قوة التثاقل الناشئة عن جذب الأرض للأجسام وأطلقوا عليها اسم “القوة الطبيعية”.

الهمداني كان أول العلماء التجريبيين الذين أشاروا إلى الجاذبية بوضوح، حيث ذكرها في كتابه (الجوهرتين العتيقتين) قائلًا: “فمن كان تحتها (أي تحت الأرض عند الأسفل) فهو في الثابت في قامته كمن فوقها، ومسقطه وقدمه إلى سطحها الأسفل كمسقطه إلى سطحها الأعلى، وكثبات قدمه عليه، فهي بمنزلة حجر المغناطيس الذي تجذب قواه الحديد إلى كل جانب”.

كما ذكرها البيروني في كتابه (القانون المسعودي) قائلًا: “الناس على الأرض منتصبو القامات كاستقامة أقطار الكرة وعليها أيضًا تؤول الأثقال إلى أسفل”.

وأدرك العلماء العرب أن قوة الجاذبية تتعاظم كلما كبر الجسم فقال ابن سينا في كتابه (الإشارات والتنبيهات): “القوة في الجسم الأكبر، إذا كانت مشابهة للقوة في الجسم الأصغر حتى لو فصل من الأكبر مثل الأصغر، تشابهت القوتان بالإطلاق، فإنها في الجسم الأكبر أقوى وأكثر، إذ فيها من القوة شبيهة تلك”.

ابن ملكا البغدادي درس حركة المقذوفات ليستنتج أن “من توهم أن بين حركة الحجر علوا المستكرهة بالتحليق وبين انحطاطه وقفة فقد أخطأ. وإنما تضعف القوة المستكرهة له وتقوى قوة ثقله، فتصغر الحركة، وتخفى حركته على الطرف فيتوهم أنه ساكن”. ويضيف: “فكذلك الحجر المقذوف فيه ميل مقاوم للميل المقذوف، إلا أنه مقهور بقوة القاذف، ولأن القوة القاسرة عرضية فيه فهي تضعف لمقاومة هذه القوة والميل الطبيعي ولمقاومة المخروق… فيكون الميل القاسر في أوله على غاية القهر للميل الطبيعي، ولا يزال يضعف ويبطئ الحركة ضعفًا وبطئًا بعد بطء حتى يعجز عن مقاومة الميل الطبيعي، فيغلب الميل الطبيعي فيحرك إلى جهته”.

هذا التفسير للجاذبية الذي يربط بين الجاذبية وتغير سرعة الجسم ظل سائدًا طوال ستة قرون تالية.

القرن السابع عشر

بداية العمل على نظرية “الجاذبية الحديثة” بدأت في أواخر القرن السادس عشر وبدايات القرن السابع عشر.

قام العالم الإيطالي غاليليو بتجربته الشهيرة التي قام فيها بإلقاء كرات ذات كتل مختلفة من أعلى برج بيزا. التجربة بينت أن سرعة وصول الأجسام إلى الأرض لا تتعلق بالكتلة.

في وقت لاحق قام غاليليو بتجربة دحرجة الكرات على سطح مائل، والتي استنتج منها أن السبب الذي قد يؤدي إلى وصول الأجسام الأثقل للأرض قبل الأجسام الأخف لا يتعلق باختلاف الكتلة ولكن باحتكاك الجسم الساقط مع الهواء في الغلاف الجوي.

تجارب غاليليو أزالت تفسير ابن ملكا البغدادي؛ حيث استنتج غاليليو أن الجاذبية تمنح الأجسام عجلة محددة وليس سرعة، وأن هذه العجلة متساوية لجميع الأجسام التي تتحرك في الفراغ.

إسحق نيوتن

في عام 1687م، قام العالم الإنجليزي الشهير إسحق نيوتن بنشر نظريته الشهيرة والتي تنص على أن “الأجسام تجذب بعضها البعض طبقًا لكتلتها، وتعتمد قوة الجاذبية على مربع المسافة بين الجسمين المتجاذبين”.

نيوتن قال: “استنتجت من هذا أن القوة التي تُبقي الكواكب في مساراتها متعلقة بتربيع البعد بين مركزيهما. من هنا قارنت القوة التي تمسك القمر في مساره بالقوى على سطح الأرض ووصلت إلى نتيجة قريبة جدًّا”.

تفسير نيوتن جاء من خلال توصله إلى أن مدار حركة القمر يعتمد على نفس نوع القوة التي تجعل التفاحة تسقط على الأرض. هذه النظرية تتطلب أن يتناقص مقدار هذه القوة وأن يتناسب هذا التناقص عكسيًّا مع مربع المسافة بين الجسم ومركز الكرة الأرضية.

من هنا، قام نيوتن بدمج قانون مربع المسافة السابق مع قوانين الحركة الثلاثة التي كان قد استنتجها ليكون نظرية الجاذبية العامة، نيوتن لم يعط تفسيرًا للجاذبية، لكن نظريته هذه كانت كافية للتوصل لقوانين كيبلر الخاصة بحركة الكواكب وظاهرة المد والجزر ونظرية الاعتدال الربيعي والخريفي.

هذه النظرية كان لها الفضل في اكتشاف كواكب جديدة في المجموعة الشمسية مثل كوكب نبتون.

قانون الجذب العام لنيوتن لم يكن كاملًا، لأنه يصبح غير دقيق عندما تصبح الجاذبية قوية جدًّا أو إذا ما وصلت الأجسام لسرعة الضوء. هذا الأمر أثبته أحد علماء الفلك عندما لاحظ انحراف كوكب الزهرة قليلًا في مداره عما تفترضه نظرية نيوتن.

نسبية أينشتاين

قام العالم الشهير ألبرت أينشتاين بنشر بحثين: الأول عام 1905م بعنوان النسبية الخاصة، والثاني عام 1915م بعنوان النسبية العامة. هذان البحثان كانا سببًا في تغيير عدة مفاهيم فيزيائية بشكل ثوري من بينها مفهوم الجاذبية.

حسب نظرية نيوتن فإن الجاذبية ما هي إلا “قوة”. لكن طبقًا لأينشتاين فإن الجاذبية هي “مجال” وخاصية من خصائص المكان. نظرية النسبية تقول إن الجاذبية عبارة عن انحناءات في الفراغ تتسبب بها الكتلة، وكلما كانت كتلة الجسم أكبر كلما كان انحناء الفضاء أو الفراغ حوله أكبر.

النسبية تشير إلى أن الأجسام ذات الكتلة الأقل سوف تقع في الانحناء الذي صنعه الجسم الرئيسي ذو الكتلة الأكبر، وبالتالي فإن الجسم الرئيسي سيقوم بأسر الأجسام الصغيرة في مجال جاذبيته.

ونتيجة لهذا التغيير الثوري في مفهوم الجاذبية – بالإضافة لدمج الزمن كبعد رابع– فإن النظرية النسبية أصبحت واحدة من أشهر نظريتين في القرن العشرين مع نظرية الكم.

فكرة أينشتاين في الجاذبية كانت عبر سعيه لوصفها بطريقة مستقلة عن حركة من يقوم بملاحظتها.

جاذبية أينشتاين هذه لا تؤثر على الأجسام فقط لكنها تؤثر أيضًا على كل أشكال المادة والطاقة على حد سواء.

تفسير الجاذبية طبقًا لأينشتاين

تقول النظرية النسبية إن وجود الأجسام العملاقة مثل الشمس والكواكب لا يسبب انحناءً في المكان المحيط فقط، لكنه يسبب انحناءً فيما يسمى “الزمكان”، وهو الأبعاد المكانية الثلاثة مضافًا لها بعد الزمن.

تخيل أنك أتيت بملاءة أو غشاء من المطاط المشدود ثم ألقيت كرة فوقه فإنها ستتدحرج بشكل مستقيم. لكن إذا ما كانت هناك كرة موضوعة في منتصف الملاءة فإنها ستسبب إنحناء في سطح الملاءة يتسبب في أن الكرة المتدحرجة ستتخذ مسارًا باتجاه الكرة الثابتة.

تخيل أن الملاءة غير مرئية بالنسبة لنا، سنقول في هذه الحالة إن الكرتين قد انجذبتا لبعضهما البعض، لكن الحقيقة هي أن هذا الانجذاب سببه انحناء في الزمكان حول إحدى الكرتين.

من هنا فإن الأرض لا تتأثر بقوة جذب صادرة من الشمس، لكنها تتبع الانحناءات الموجودة في الزمكان حول الشمس.

المصادر

عرض التعليقات