في منتصف القرن الرابع عشر تفشى الموت الأسود بين أغلب سكان أوروبا، حتى أصبح تأثير «الطاعون» متأصلًا في جميع جوانب الثقافة القوطية خاصةً الفن، وهو الأمر الذي أثار خيال الكتاب والرسامين لعقودٍ لاحقة؛ مما جلب ظلالًا قاتمة إلى الفن البصري والأدب والموسيقى، وكانت صور الفناء ونهاية الكون والجحيم والشيطان والموت هي ما سيطر على العالم الفني والأدبي. فكيف ألهم «الموت الأسود» أعمالًا فنية عظيمة على مر التاريخ؟

«الوباء» في فن عصر النهضة.. جحيم بوتيتشيلي وشياطين وموت

أطلق عليه «عصر المرض والموت»، كان العام 1347 هو العام الذي دخل فيه «الموت الأسود» – كما وصف المؤرخون مرض الطاعون – إلى صقلية، وذلك بواسطة سفينة قادمة من جنوة الإيطالية. في السنوات التي تلت ذلك، فقدت القارة الأوروبية ثلث مجموع السكان. أما مدينة البندقية وحدها فقد فقدت 60% من سكانها. كان ذلك في بداية عصر النهضة، وكان عصر الرعب أيضًا الذي تسبب فيه الطاعون في بدايته؛ إذ عكف مرض الموت الأسود على العودة مدى 300 عام، حتى أصبح جزءًا منتظمًا من الحياة والموت.

في بداية عشرينات القرن السابع عشر ضربت موجة شرسة من الطاعون شعب باليرمو في صقلية، وكان هذا التفشي الكارثي هو ما ألهم الرسام الفلمنكي فان دايك لإقامة معرض بعنوان «الرسم والطاعون» بين عامي 1624 – 1625؛ إذ انتقل دايك إلى باليرمو في تلك الفترة، ليجد نفسه محاطًا بالذعر والموت، لينتج حينها مجموعة من اللوحات المتأثرة بالموتِ الأسود.

(لوحة القديسة روزاليا المستوحاة من أحداث الطاعون لفان دايك)

لم يكن فان دايك هو الوحيد الذي ختمت أعماله الفنية بختمِ «الطاعون»؛ فإذا أمعنت النظر ستجد أن الوباء الذي اجتاح أوروبا ما بين القرن الرابع عشر والقرن السابع عشر قد ألهم عشرات الفنانين الذين عاشوا فترة الموت والرعب؛ فأنتجوا مجموعة من اللوحات تحاكي الخوف البشري وقد أحكم الموت الأسود قبضته على جميع أنحاء أوروبا.

كانت اللوحات الفنية تفيض بالأرواح المعذبة والموت والنار وأحداث نهاية الزمان. ولم يكن الرسامون القوطيون مجرد هواة، أو حرفيين مجهولين، بل كانوا محترفين يحظون بتقديرٍ كبير ورعاية رجال الدين ورجال الدولة الأثرياء، لكنهم تأثروا بما خلفه الموت الأسود من فظائع، خاصةً بعد موت الآلاف من الرسامين، من بينهم عباقرة مدرسة سينيز الفنية، أمثال الرسام الإيطالي أمبروجيو لورنزيتي.

(من مجاز الحكومة الجيدة والسيئة لأمبروجيو لورنزيتي المتأثرة بالموت الأسود)

بعيدًا عن عصر النهضة، كان فن نهايات العصور الوسطى أيضًا واقعًا تحت تأثير «الطاعون»؛ فقد صور فناني العصور الوسطى هذا الوباء مثل شيطان أسود ومخلوق متوحش يلتهم الرجال في جحيمٍ ليس له حدود. إذ استلهمت صور الجحيم والموت والشياطين من كارثة الطاعون التي اجتاحت أوروبا. عن ذلك يشير المؤرخون إلى أن الصورة الرمزية كان لها دورًا في التوعية الشعبية، خاصةً في عصرٍ  تطغى عليه الأمية؛ فكان التنين يمثل الشر المحيط بالجنس البشري والثعبان هو الشيطان، واللون الأحمر الذي طغى على اللوحات كان يمثل لون الخطيئة الأصلية والجشع والشهوة. وهذا ما تستطيع أن تلمحه في إحدى تفاصيل لوحة «الجحيم» للفنان الإيطالي ساندرو بوتيتشيلي.

كان السبب وراء تلك القتامة هو الاعتقاد الذي ساد إبان العصور الوسطى بأن النهاية قريبة؛ خاصةً مع تساقط الجثث في الشوارع الضيقة للمدنِ العتيقة، باعتباره جزءًا من الروتين اليومي للعامة.

الحجر الصحي في رواية «الطاعون» ألبير كامو

في هذا الوقت بالتحديد، ومع انتشار فيروس «كورونا» الجديد، يفكر الناشرين حول العالم في إعادة طبع رواية الكاتب والفيلسوف الفرنسي ألبير كامو «الطاعون»؛ إذ بيعت أسهم الرواية بالفعل الأسبوع الماضي على منصة «أمازون» الإلكترونية، والتي تروي قصة مدينة وهران الجزائرية بعد أن أغلقت ووضعت تحت الحجر الصحي، نظرًا لتفشي وباء الطاعون.

يشير التقرير إلى أن مبيعات الرواية قد ارتفعت من فبراير (شباط) الماضي إلى 150%، كما أصبحت من أكثر الكتب مبيعًا في إيطاليا، هذا إلى جانب ارتفاع مبيعات الرواية بنسبة 300% عن العام السابق في فرنسا وحدها.

«إن الشر القائم في الدنيا يصدر دائمًا عن جهل؛ وبوسع النية الصادقة إن لم تكن نيرة متبصرة أن تحدث من الأضرار مثلما يحدث الخبث وسوء النية». *الطاعون، ألبير كامو

صدرت الرواية عام 1947 بعد ثلاث سنوات فقط من تفشي الطاعون الحقيقي داخل مدينة وهران الجزائرية، وفيها يحكي كامو بطريقةٍ أدبية قصة مجتمع معزول واقع تحت حصارٍ غير مرئي للمرض الأسود. خلق فيها ردود أفعال فردية مختلفة تجاه الأزمة من خلال مجموعة متباينة من الشخصيات من بينهم الطبيب والانتحاري والغريب الإنساني. كما أبدع كامو في وصف الطابع التجاري للمدينة وعادات سكانها، وسعيهم وراء خلطات لها خصائص وقائية من المرض، وعدم رغبة السلطات في وهران بوصف الوباء القاتم بـ«الطاعون» من أجل المحظورات المعتادة؛ حتى لا يصاب العامة بالهلع والقلق.

(ملخص رواية الطاعون – ألبير كامو)

كانت التفسيرات الخاصة لرواية كامو، تشير إلى أن الرواية ملغزة، وأن الطاعون البني الذي تفشى وانتشر كان «النازية» والاحتلال الألماني، ومقاومة المرض كانت ما هي سوى المقاومة الأوروبية للوباء النازي الذي سيطر على أوروبا وألمانيا في منتصف القرن العشرين.

«الختم السابع».. الموت الأسود في رائعة إنجمار برجمان

يعد فيلم «الختم السابع» إنتاج عام 1957 واحدًا من أهم أعمال المخرج السويدي إنجمار برجمان، وأحد كلاسيكيات السينما العالمية. وقد استلهمت قصته من أحداث تفشي الطاعون في أوروبا نهايات العصور الوسطى. يبدأ الفيلم بجزءٍ من رؤيا يوحنا «سفر الرؤيا» بالكتاب المقدس؛ فيقول: «وَلَمَّا فَكَّ الْحَمَلُ الْخَتْمَ السَّابِعَ سَادَ السَّمَاءَ سُكُوتٌ نَحْوَ نِصْفِ سَاعَةٍ، وَرَأَيْتُ الْمَلائِكَةَ السَّبْعَةَ الْوَاقِفِينَ أَمَامَ اللهِ، وَقَدْ أُعْطُوا سَبْعَةَ أَبْوَاقٍ»، وهي الفقرة نفسها التي ينتهي بها، واصفًا حال السماء وهي تستقبل الأرواح التي يحصدها الموت الأسود.

يصور الفيلم السويد خلال فترة الموت الأسود «الطاعون الدُملي»، والذي نشأ عنه في الفن ما عرف باسم «تذكار موري» أو التذكير بالموت، وقد أشار إليه برجمان في الفيلم من خلال رسام الكنيسة الذي كان مشغولًا برسمِ «تذكيرات الموت»، ويقول عنها أنه يصنع فنًا عن الموت لجعلِ الناس يفكرون، وكانت الجمجمة – وهي الرمز التذكاري الأكثر شعبيةً في الفن – حاضرة في أغلب أعماله، ويدعي أن الجمجمة الآن أكثر إثارة من امرأة عارية.

(إعلان فيلم الختم السابع)

«أن تلعب الشطرنج مع الموت»، كانت تلك هي (التيمة) أو الفكرة الأساسية للفيلم؛ الذي يصور الفارس المرهق العائد من الحروب الصليبية في زمن الطاعون، وهو يواجه الموت ندًا لند، يجالسه، ويلعب معه «الشطرنج»، في مقابل حياته. يظهر الموت في الفيلم رجلٍ غريب. شاحب اللون يرتدي رداءًا أسودًا تقليديًا وقلنسوة، ويحمل في يده منجل، يحصد به الأرواح.

استلهم برجمان موضوع فيلمه من إحدى لوحات القرون الوسطى الموجودة في الكنيسة الكاثوليكية شمال ستوكهولم، تحديدًا القرن الخامس عشر، للرسام الشهير ألبيرتوس بيكتور، والتي عرفت باسم «الموت يلعب الشطرنج»، وكانت تلك اللوحة هي المرة الأولى التي يستخدم فيها رمز «اللعبة» لوصف الموت. فكانت الصورة السينمائية أشبه برقصة موت في الكنيسة الكاثوليكية، إشادة بتلك اللوحة.

(لوحة الموت يلعب الشطرنج)

أما رداء الموتِ فكان أشبه بهذا الزي الواقي الذي ارتداه أطباء الطاعون، قناع بمنقارٍ يشبه مناقير الطيور، ورداء أسود، في البداية كان أطباء الطاعون رمزًا للحماية، إلا أنهم تحولوا بمرور الوقتِ إلى نذير شؤمٍ، فقال عنهم الأهالي: «رسل الموت»؛ إذ ما إن يظهروا في مدينة حتى يأتيها الموت والخراب، بحسب ثقافة البسطاء من أهالي أوروبا في ذلك الوقت.

يشير النقاد إلى أن إنجمار برجمان قد استخدم الطاعون موضوعًا لفيلمه فترة «الحرب الباردة»؛ إذ كان الموت المحيط والخراب والدماء بعد تفشي الوباء أشبه بتلك المخاوف التي اجتاحت العالم حينذاك مع الفزع من حربٍ عالمية ثالثة «نووية».

الموسيقى في زمنِ «الطاعون»

عندما دق الموت على الأبواب في العصور الوسطى وشعر الناس بحتمية الموت؛ انغمسوا في الحياة، في محاولة لنهلِ مسراتها؛ فكانت الحفلات الصاخبة تستمر بين سكان أوروبا حتى الصباح، يشربون النبيذ والبيرة ويستمعون إلى الموسيقى الجيدة، والتي تميزت بإيقاعاتها الجريئة لتتماشى مع عصرِ الموت الأسود؛ فسعى الفنانون الذين نجوا من وحشية الطاعون إلى استكشاف أشكال موسيقية جديدة كانت مستلهمة من الأحداث المحيطة.

(مقطوعة جيلوم دي ماتشوت)

مجموعات كبيرة من المتجولين يغنون في الشوارع بصوتٍ عالٍ، الجميع في محاولة للفرار من الموت وفي الوقتِ ذاته الاحتفاء بالحياة. كانت النتيجة هدم النظام الاجتماعي في أوروبا القرون الوسطى واندلاع الفوضى؛ حينها ازدهرت الموسيقى، واتخذت الأغاني إيقاعات أكثر تعقيدًا، وأصبحت الموسيقى وسيلة للاستمتاع الخالص.

كان الجميع يعتقد أن النهاية قد اقتربت؛ فلم تعد للممتلكات الشخصية أية قيمة، وأصبحت مقتنيات المنازل ملكية مشتركة، وانغمس الكثيرون في ملذات الحياة، أما البعض الآخر فقد عزل نفسه عن الجميع خوفًا من المرض؛ وكان من بين هؤلاء الناجين الموسيقار جيلوم دي ماتشوت، الذي استكشف أشكال موسيقية جديدة أصبحت بحلول عام 1365 أحد أكثر أشكال الأغاني شعبية.

أما الدكتور كريستوفر ماكلين أستاذ علم الموسيقى بجامعة إلينوي الأمريكية، فقد تناول في دراساته كيف استخدمت الموسيقى في الطب إبان العصور الوسطى، خاصةً خلال أحداث الموت الأسود «الطاعون»، وذلك لما للموسيقى من تأثير على المستوى العاطفي والاجتماعي. ويشير ماكلين إلى أن الموسيقى حينذاك جرى توظيفها لمقاومة الوباء وقد كانت مقطوعة «القديس سباستيان» للموسيقي جيلوم دوفاي خير دليل على ذلك؛ إذ اتخذت من قصة استشهاد القديس سباستيان – الذي صُلب على يد الإمبراطور الروماني لاعتناقه المسيحية – رمزًا تاريخيًا يمثل المعاناة من الطاعون.

(مقطوعة القديس سباستيان)

علوم

منذ 3 أسابيع
أحدها أباد نصف سكان أوروبا.. أسوأ 5 أوبئة في تاريخ البشرية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد