«يمكن القول إننا تأخرنا عن المشاركة في هذه اللعبة. لكن أن تأتي متأخرًا أفضل من ألا تأتي أبدًا».

هذا التصريح الذي نقلته صحيفة «فاينانشال تايمز» عن نيك أودونوهو، رئيس مؤسسة تمويل التنمية (CDC) البريطانية، يلخَّص اهتمام المملكة المتحدة بالقارة الأفريقية، خاصة مع ما يُحَتِّمه الخروج من الاتحاد الأوروبي مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) الجاري، من تشكيل مجموعة جديدة من التحالفات والترتيبات التجارية الدولية. 

وتأتي «قمة الاستثمار البريطانية-الأفريقية 2020»، التي انطلقت في لندن يوم 20 يناير الجاري، خطوة على درب هذه الدبلوماسية الاقتصادية الجديدة. ورغم استثنائية الحدث؛ فإنه حلقة ضمن سلسلة جهود مكثفة تبذلها المملكة المتحدة لحجز مقعدٍ متقدِّم لنفسها في القارة التي تحتشد فيها القوى العالمية كما لو كانت متجرًا يتكالب عليه  المتسوقون في يوم «الجمعة السوداء».

تجسد هذا الاهتمام في تعيين 400 موظف على مدار العام الماضي، في مناصب تتعلق بمجالات التجارة والأمن والتنمية عبر شبكتها الدبلوماسية الأفريقية، بحسب إيما واد سميث، مفوضة أفريقيا في وزارة التجارة الدولية.

محطات رئيسية في العلاقات التجارية بين بريطانيا وأفريقيا

بحلول أواخر الثمانينيات، تراجعت العلاقة بين المملكة المتحدة وأفريقيا؛ حتى لم يذهب سوى حوالي 3٪ فقط من صادرات بريطانيا إلى أفريقيا، ولم يأت سوى حوالي 2٪ من واردات المملكة إلى القارة. وبحلول أواخر التسعينيات من القرن الماضي، حلت المساعدات محل التجارة باعتبارها محور العلاقة بين المملكة المتحدة وأفريقيا. 

لكن منذ عام 2002، استثمرت المجموعة البريطانية لتطوير البنية التحتية الخاصة أكثر من 1.95 مليار جنيه إسترليني في 146 مشروعًا للبنية التحتية في جميع أنحاء القارة، وزادت الاستثمارات المباشرة البريطانية في أفريقيا بواقع الضعف منذ عام 2008، بحسب مؤسسة «كونسينسس إيكونوميكس». 

تضاعفت الاستثمارات المباشرة البريطانية في أفريقيا منذ عام 2008. المصدر: «كونسينسس إيكونوميكس»

وفي عام 2017، أنشأت حكومة المملكة المتحدة فريقًا تجاريًا بقيادة إيما واد سميث، مفوضة أفريقيا في وزارة التجارة الدولية، بهدف مساعدة الشركات البريطانية على الوصول إلى الأسواق الكبيرة والصغيرة عبر القارة. 

وعندما زارت تيريزا ماي كينيا عام 2018، كان الرئيس الكيني أوورو كينياتا يعي أنها أول زيارة يقوم بها رئيس وزراء بريطاني إلى شرق أفريقيا منذ أكثر من ثلاثة عقود.

نتيجة لهذه الجهود، ارتفع حجم التجارة البريطانية مع القارة بنسبة 13.8% العام الماضي إلى 36 مليار جنيه إسترليني، في حين زاد الاستثمار الذي يهيمن عليه قطاع الطاقة بنسبة 7.5% ليصل إلى 38.7 مليار جنيه إسترليني، وفقًا لوزارة التجارة الدولية (DIT)، لتصبح بذلك ثاني أكبر مستثمر من أعضاء مجموعة الدول الصناعية الكبرى السبع في القارة.

وأصبح للدول الأفريقية أسهمًا مدرجة ومتداولة في بورصة لندن أكثر من أي بورصة دولية أخرى. فيما تهدف مؤسسة تمويل التنمية (CDC) إلى ضخ ما يصل إلى ملياري جنيه إسترليني من الاستثمارات البريطانية الجديدة في جميع أنحاء أفريقيا، بحلول عام 2022، بحسب الإحصائيات التي نشرتها مجلة «أفريكان ريبورت». 

هل يُفرش طريق بريطانيا بالورود بعد الـ«بريكست»؟

لطالما روَّج مؤيدو خطة «بريكست»، للمزايا العديدة التي يرون أن بريطانيا ستنعم بها بمجرد انعتاقها من ربقة الاتحاد الأوروبي، وليس أقلها تمكينها من التفاوض بشأن صفقاتها التجارية -ومنها مع الدول الأفريقية- وفق شروطها الخاصة، بعيدًا عن قيود الكتلة. 

ويروق لرئيس الوزراء بوريس جونسون التفاخر بالاهتمام الذي أولاه لأفريقيا خلال فترة شغله منصب وزير لخارجية المملكة المتحدة لمدة عامين، من 2017 وحتى 2019، عندما زار 11 دولة في ربوع القارة.

وعلى الوتر ذاته يعزف وزير الدولة للتنمية الدولية، ألوك شارما، الذي يكاد التفاؤل يفيض من تصريحاته، متوقعًا أن تسير قاطرة العلاقات البريطانية-الأفريقية بسرعةٍ كما لو كانت «مشحونة بوقود الطائرات النفاثة». 

بيدَ أن أنهار السمن والعسل التي يُوعَد بها البريطانيون، ربما لن تكون بهذا السخاء الشديد في عاجل الأيام، والطريق التي ينتظر بريطانيا بعد خلعها عباءة الاتحاد الأوروبي قد لا يكون مفروشًا بالورود.

دولي

منذ 4 شهور
هكذا يخطط جونسون لمستقبل بريطانيا بعد تنفيذ «البريكست»

وكلمة السر هي عدم اليقين، الذي هو عدو الاستثمار. وخلف المصافحات والابتسامات التي وزعها القادة الذين حضروا قمة لندن، كان هناك فيل أو أكثر في الغرفة، تجسيدًا للصعوبات التي تلوح في الأفق. فـ«التجارة صعبة. وإبرام الاتفاقيات التجارية أصعب. والمفاوضات التجارية المطلوبة لإبرام تلك الاتفاقيات أكثر تعقيدًا بأضعاف مضاعفة»؛ حسبما خلص تقرير نشرته «بي بي سي». 

والمملكة المتحدة نفسها تدرك ما ينتظرها بعد خروجها من تحت مظلة الاتحاد الأوروبي من صعوباتٍ ليس أقلها أن الدول الأفريقية ستمتلك قدرة ضغط أكبر للحصول على امتيازات أفضل خلال المفاوضات مع بريطانيا، وهي العملية التي يُرَجَّح أن تكون مُعَقَّدة، وتتطلب وقتًا طويلًا وموارد كبيرة.

طلاق «البريكست» لن يكون بائنًا على الفور

بعيدًا عن الدندنات السياسية، ستظل المملكة المتحدة عضوًا في الاتحاد الجمركي والسوق الموحدة في الاتحاد الأوروبي حتى نهاية العام الجاري؛ ما يعني أن العلاقات التجارية بين المملكة المتحدة وأفريقيا ستظل كما هي دون تغيير خلال عام 2020، لأنها ستخضع لشروط صفقات الاتحاد الأوروبي الحالية مع القارة.

وبعد عام 2020، من المقرر أيضًا أن تبقى الترتيبات التجارية بين العديد من البلدان الأفريقية والمملكة المتحدة، عقب خروجها بالكامل من الاتحاد الأوروبي، كما هي دون تغيير؛ وفقًا لعدد من «اتفاقيات استمرارية (التجارة)»، التي تنص على أن تظل الشروط التجارية (التعريفات والحصص والمعايير وما إلى ذلك) كما هي الآن بين عدد من الدول الأفريقية والتكتلات التجارية والاتحاد الأوروبي.

على سبيل المثال، عقدت المملكة المتحدة «اتفاقية استمرارية» في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي مع الاتحاد الجمركي لأفريقيا الجنوبية (SACU)، الذي يضم خمس دول، هي جنوب أفريقيا وبوتسوانا وناميبيا وليسوتو وإسواتيني (سوازيلاند سابقًا)، بالإضافة إلى موزمبيق، وهو اتفاق يهدف إلى تمكين الشركات من مواصلة أعمالها التجارية بعد «بريكست» دون أي حواجز إضافية. 

وهذا النوع من الاتفاقات، الذي يتيح للمملكة المتحدة الحفاظ على الشروط التجارية المعمول بها بموجب صفقات الاتحاد الأوروبي، وهو لا يقتصر فقط على أفريقيا، بل يضم حوالي 40 صفقة تغطي حوالي 70 دولة. 

ما هو موقع أفريقيا على خارطة الجهود التجارية البريطانية بعد «البريكست»؟

بالنظر إلى الوزن النسبي للتبادلات التجارية، وعوائدها المتوقعة، يُرجح أن توجه المملكة المتحدة نصيب الأسد من جهودها لإبرام أفضل اتفاقات ممكنة مع الاتحاد الأوروبي، الذي سيظل شريكها التجاري الأقرب والأكبر. 

على امتداد الاهتمام ذاته، يرجح أن تجعل المملكة المتحدة من أولويتها القصوى مد جسور التعاون التجاري مع دول بحجم الولايات المتحدة والصين وكوريا الجنوبية وأستراليا، مما يعني أن الدول الأفريقية ستحل متأخرًا، في قائمة الاهتمامات التجارية البريطانية، حسبما يظهره الرسمان البيانيان التاليان:

حجم التجارة (بالمليار دولار) بين المملكة المتحدة وأهم شركائها التجاريين في أفريقيا (إحصائيات 2016). المصدر: مكتب الإحصاءات الوطني  «بي بي سي»

حجم التجارة (بالمليار دولار) بين المملكة المتحدة وأهم شركائها التجاريين في العالم (إحصائيات 2018). المصدر: إدارة التجارة الدولية- «بي بي سي»

صحيحٌ أن الطرح النظري يقول إن بإمكان المملكة المتحدة السماح بوصول أكبر إلى السوق البريطانية بعد «بريكست» أكثر مما تسمح به بموجب الترتيب الحالي، وهو أمر يمكن لصناع النبيذ في جنوب أفريقيا، على سبيل المثال، الاستفادة منه. لكن بالمثل، يمكن لنظرائهم الفرنسيين دفع حكومتهم للضغط على مفاوضي بروكسل لإدخال نبيذهم إلى السوق البريطانية، بشروط تفضيلية أكثر مما يمكن أن يقدمه نظراؤهم الجنوب أفريقيين. 

اقتصاد بعض دول أفريقيا قد يتأثر إذا ما أُصيب الاقتصاد البريطاني

إذا عطس اقتصاد المملكة المتحدة نتيجة إصابته بالركود؛ فقد يصاب اقتصاد جنوب أفريقيا -تحديدًا- بالزكام، باعتبارها أهم شريك تجاري لبريطانيا في القارة. وإذا كان هذا هو حال اقتصاد بقوة جنوب أفريقيا، فكيف سيكون مصير الاقتصادات الأفريقية الأخرى الأضعف؟ 

(صادرات جنوب أفريقيا من النبيذ في عام 2018. المصدر: WineNet

وقد يُحَتِّم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تدشين بنية تحتية جديدة للتعامل مع بعض الواردات. لنضرب على ذلك مثلًا تجارة الزهور، التي هي أحد أكبر الصادرات التي تجلب عملات أجنبية لكينيا، وتوفر 100 ألف وظيفة مباشرة، ومليونَي فرصة عمل غير مباشرة.

في الوقت الحالي، تدخل أزهار كينيا إلى الاتحاد الأوروبي من خلال السوق الضخمة في أمستردام. ومن هناك، ينتهي المطاف بـ18٪ منها في المملكة المتحدة، لكن ماذا سيحدث بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؟

 (صادرات الزهور الكينية إلى الاتحاد الأوروبي. المصدر: مجلس الزهور الكيني

يمكن أن تظل ترتيبات التعريفة الصفريّة سارية، بموجب «اتفاقيات الاستمرارية»، لكن قد تبرز مشكلات من نوع آخر تتعلق بالبنية التحتية لنقل الزهور جوًا إلى المملكة المتحدة مباشرة، وهي بنية ليست متطورة مثل بنية مسار نيروبي – أمستردام، حسبما أشار مجلس الزهور الكيني.

ماذا بعد «قمة الاستثمار البريطانية -الأفريقية 2020»؟

تمخضَّت «قمة لندن 2020» عن صفقات تجارية بين الشركات البريطانية والشركاء الأفارقة، تربو قيمتها على 6.5 مليار جنيه إسترليني، وتشمل قطاعات البنية التحتية والطاقة وتجارة التجزئة والتكنولوجيا. 

لكن نهج المملكة المتحدة تجاه أفريقيا لا يزال «يفتقر إلى الاتساق»؛ ففي حين تقول لندن «إنها ملتزمة بتعزيز علاقاتها التجارية مع القارة»، لا تعدو قمة الاستثمار الأخيرة سوى حدث يعقد لمرة واحدة. 

وإذا كانت بريطانيا تدّعي أنها مهتمة بالقارة بأكملها، فلماذا وجهت الدعوة لـ 21 دولة أفريقية؟ ولا يزال الدافع وراء ذلك غامضًا، وإن صرّح أحد كبار المسؤولين الحكوميين بأنهم يريدون التركيز على البلدان التي تتمتع بعلاقات قوية أو ذات إمكانات أكبر. 

والواقع يتحدَّى هذا الطرح؛ إذ كان من بين المدعوين غينيا ورواندا، وهما الدولتان اللتان تبلغ إجمالي قيمة تبادلهما التجاري مع المملكة المتحدة أقل من 30 مليون جنيه إسترليني سنويًا، بينما استبعدت دول أخرى تتمتع بعلاقات تجارية أقوى مع بريطانيا، مثل ناميبيا وزيمبابوي.

ورغم الإحصائيات المبشرة التي تروج لها الحكومة البريطانية، ثمة حقيقة أساسية محرجة تتمثل في أن التجارة بين المملكة المتحدة وأفريقيا تراجعت من 4.2٪ في عام 2012 إلى حوالي 2.5٪ في العامين الماضيين.

والحقيقة الأخرى ذات الدلالة هي أن معظم العلاقات التجارية البريطانية إنما تنحصر مع حفنة صغيرة من البلدان، إذ تمثل جنوب أفريقيا ونيجيريا والجزائر أكثر من نصف إجمالي التجارة البريطانية-الأفريقية.

الحقيقة الثالثة هي أنه بينما تحرص المملكة المتحدة على تقديم أوراق اعتمادها لأفريقيا باعتبارها شريكًا تجاريًّا من الوزن الثقيل، فإنها تركز على مجالات قليلة، أبرزها التكنولوجيا والبنية التحتية.

دولي

منذ 5 شهور
مهندس «البريكست» الذي اخترق السياسة البريطانية ووضع جونسون في الواجهة

المصادر

تحميل المزيد