الغذاء يملأ الأسواق، إذًا البلد غني. مجاعة تفتك بالمواطنين، معناها أن البلد فقير. لكن إذا كان الغذاء يملأ الأسواق والمجاعة تفتك بالمواطنين في بلد واحد فمعناه أنّك في أيرلندا حيث مجاعة أيرلندا الكبرى، تلك الكارثة التي ضربت أيرلندا طوال ست سنوات، من عام 1845 حتى عام 1851. ومات في تلك السنوات العجاف مليون مواطن، وفر من البلد 2.5 مليون مواطن، بحسب المصادر التاريخية.

لا شيء ليُروى إذًا. مجاعة سببتّها آفة ضربت المحصول الغذائي للدولة، فالذنب يقع على الآفة. إذ يُمكن أن نُحمّل الآفة الزراعية التي أصابت محصول البطاطس الأيرلندي سبب المجاعة؛ لكنّها ستكون شريكًا ضعيفًا مقارنةً بالشريك الأكبر الضالع في هذه الجريمة.

تاريخ وفلسفة

منذ 8 شهور
كانوا من أكلة لحوم البشر.. ما لا تعرضه أفلام السينما عن تاريخ بريطانيا

لأن أيرلندا في تلك الحقبة لم تخل من الغذاء، ولم تعدم الوسائل القادرة على الحد من أضرار المجاعة، لكن في تلك الحقبة كان من يعيش على محصول البطاطس هم فقراء الدولة والعُمّال والمزارعون وغيرهم من أصحاب المهن الذين يعيشون على الكفاف. وكان أجر عملهم هو الحصول على البطاطس لا المال، لذا لم يكن لديهم مال لشراء أي غذاء من الطعام التي تضج به أسواق أيرلندا.

لكن أصحاب البيوت التي يسكنها العمال والفقراء كانوا يحصلون على الإيجارات بالنقد لا البطاطس. النقد البسيط الذي كان العمال يتحصلون عليه من بيع محصول البطاطس الذي يدخرونه. لكن بعد أن هلكت البطاطس هلك المال، ولم يرضَ أصحاب العقارات بتأخر الإيجارات فباع الأيرلنديون المحاصيل الزراعية الأخرى لتسديد الإيجارات، لكن نفد المال مرةً أخرى فطردوهم، لتبدأ سلسلة هجرة جماعية سوف تُغير التوزيعة السكانية للبلد كاملًا.

بريطانيا التي تحتل وتحكم

لم تتدخل الدولة أيضًا لمنع عمليات التهجير، أو تنظيمها، أو توفير مخيّمات، أو أماكن عامة لإيواء الناس، فاجتمع عليهم التهجير والجوع وارتفعت بالتبعية وتيرة الوفيّات، بل المفاجأة أن الموقف الوحيد الذي تتدخلت به الدولة كان سلبيًا. إذ كان القرار تخفيض تدابير الإغاثة بشكل جذري عام 1847، أي في منتصف المجاعة تمامًا. كان غرض القرار أن يقوم دافعو الضرائب بتسديد تكاليف العمليات الإغاثيّة بدلًا من الدولة. هذا القرار العنيف كان سببًا جديدًا في زيادة أعداد الوفيّات.

إذًا لم تكن الآفة وحدها هى السبب، كما أن أيرلندا لم تكن الدولة الشريرة في هذه الرواية؛ بل المملكة التي لا تغيب عنها الشمس، بريطانيا العظمى.

فمنذ عام 1801 وأيرلندا تقع تحت الحكم المباشر لبريطانيا. وفي تلك الفترة كان سكان الريف الأيرلندي يزدادون عددًا بمعدل 2% سنويًا، فبلغوا 8 مليون فرد عام 1847. انقسم سكان الريف لفقراء وأغنياء، الأغنياء يأكلون البطاطا واللبن بصفة أساسية، وتلقوا تلقيحًا ضد الجدري ورعاية صحيةً مناسبة، أما الفقراء فلم يحصلوا على أي شيء سوى البطاطس.

عمدت بريطانيا على جعل أيرلندا مجرد أرض للزراعة فحسب، فلم تصل الثورة الصناعية إلى أيرلندا. تضاعف عدد السكان مع نقص الفرص الصناعية القادرة على احتوائهم أغضبت الأيرلنديون فثاروا. ثار الأيرلنديون ضد الأغنياء المُسيطرين على معظم الأراضي الزراعية، وثاروا على نظام الإيجارات وعدم وجود قانون ينظمه،  وثاروا أيضًا ضد الكنسية والعشور التي كانت تجمعها منهم إجبارًا.

فتدخلت بريطانيا لحل البرلمان الأيرلندي تهدئةً للمواطنين، ووعدت أنها سوف تمنح كل المواطنين حقوقهم. بالفعل حققت بريطانيا بعض الإنجازات، منها أنها أعطت للكاثوليك حق التصويت في الانتخابات البلدية. فنرى دانيال أوكونيل، القومي الكاثوليكي، قد أصبح اللورد الحاكم لدبلن عام 1841. لكن حين قاد أوكونيل حراكًا لإلغاء الاتحاد مع بريطانيا والمطالبة بالاستقلال والحكم الذاتي لأيرلندا سحقه الجيش البريطاني عام 1843.

مجاعة أيرلندا الكبرى.. كل عام يصبح الأمر أسوأ

يمكن القول إذًا إن القبضة الخانقة للحكومة البريطانية وتجريفها للحياة الصناعية في أيرلندا كانت سببًا إضافيًا زاد من أعداد ضحايا المجاعة المأساوية. فالآفة التي انتشرت من أمريكا الشمالية حتى وصلت أوروبا قتلت 100 ألف فرد فقط في كامل أوروبا، لكنّها قتلت مليونًا كاملًا في أيرلندا وحدها.

حين فسد محصول البطاطس في العام الأول للمجاعة أدرك الفلاحون أن سلسلة تدميريةً قد بدأت ولم يعرفوا كيف ستتوقف. في العام الأول فسد نصف المحصول ولم يعد صالحًا للأكل إطلاقًا، لكن لم يبدأ البشر في الموت بعد، فهناك النصف الآخر يمكن الاعتماد عليه.

لكن في العام التالي اُضطر المزارعون لاستخدام بطاطس العام الماضي بذورًا للعام الجديد، فلم تنتج الحقول أي محصول. لم تعد أجساد الفقراء قادرة على التحمل، وزادهم الشتاء القارس عذابًا. أدى سوء التغذية لانتشار أمراض مثل التيفود. ورُوي عن قرى كاملة كانت تُصاب بالحمى نهارًا فلا يطلع عليها القمر إلا وأهلها موتى.

خرج الريفيّون والمزارعون إلى المدن يتسولون الغذاء، فمنحتهم الحكومة البريطانية أعمالًا مقابل الغذاء. لكن ظروف العمل كانت قاسية على الأصحاء، فبالتأكيد كانت مُميتة على من عانوا الجوع والمرض لعامين، فمات غالبهم لتزداد أرقام ضحايا هذه المجاعة. أماكن العمل تلك تسببت في موت 6 آلاف فرد عام 1845، ثم 66 ألفًا عام 1847، وبقية إحصائيات وفيات السنوات اللاحقة حتى نهاية الخمسينيّات كانت بعشرات الآلاف.

عام 1848 بدأت الآفة في الانحسار وشهد محصول البطاطس تحسنًا ملحوظًا، لكن لم يُترجم ذلك التحسن في أعداد المُشردين. إذ شُرد في ذلك العام قرابة نصف مليون مواطن في أكثر من 70 ألف عملية إخلاء وتهجير جماعي. من أبرز الأسماء التي يُخلدها الأيرلنديون الرائد دينيس ماهون، إقطاعي هجّر 1500 أسرة من أراضيه أثناء فترة المجاعة. لاحقًا قتل السكان ماهون انتقامًا منه.

الإمبراطورية العظمى لم تكن شريكةً بالصمت فقط

عمليات التهجير كانت تتم بإشراف بريطاني مباشر، فمع كل أسرة كان يخرج فرد شرطة بريطاني كي يضمن أن لا يعودوا مرة أخرى. كما حرصت الإمبراطورية البريطانية على إحراق وتدمير البيوت التي يخرج منها أصحابها كي تتأكد أنهم لن يعودوا إليها أو يطالبوا بها لاحقًا، فكل قريةٍ أُخرج أهلها كانت تصبح ترابًا.

الحكومة البريطانية اتخذت موقفًا رسميًا بعدم التدخل، لكن ذلك لم يعنِ أنها رفعت يدها بالكامل عن أيرلندا. بل منعت العديد من المبادرات الإنسانية، لذا يُعتبر تشارلز تريفيليان، وزير الخزانة والمسئول عن عمليات الإغاثة متسببًا في جريمة المجاعة أكثر من الآفة التي ضربت محصول البطاطس.

فقد قامت الحكومة البريطانية بنشر قوات خاصة لحراسة الطعام والمواد الغذائية التي تُصدر من أيرلندا لبريطانيا لضمان عدم وصول أيدي الأيرلنديين الجائعين لها. كذلك زادت الحكومة من صرامة قانون الأشغال العامة الذي يعتمد على العمل مقابل الغذاء، بالرغم من وصول العمالة الأيرلندية لحالة قاتلة من الضعف والهُزال.

ألغت الحكومة المساعدات المالية المباشرة من حكومة لندن إلى حكومة أيرلندا. وألغت الحكومة كذلك البرنامج الإغاثي المُسمى مطبخ الحساء في أوج المجاعة. كانت فكرة مطابخ الحساء قد بدأت في يناير (كانون الثاني) 1847، بعد عامين من بدء المجاعة، لكن في أغسطس (آب) من العام نفسه خافت الحكومة البريطانية من أن يعتمد الأيرلنديون عليها مصدرًا للغذاء فألغوا الفكرة نهائيًا.

وفي يونيو (حزيران) من العام نفسه، قررت بريطانيا بشكل نهائي عدم استخدام أي أموال امبراطورية للتخفيف من أعباء المجاعة. فقد اهتدت السياسة البريطانية أنها تعاني من تمرد فقراء أيرلندا بصفة مستمرة، وأنها في كل تمرد تتكلف جنودًا وأموالًا لإخماد ثورتهم، فلماذا تتكلف الآن أموالًا إضافية لتتكلف بعد ذلك أموالًا أخرى في قتلهم، الآفة والمجاعة تكفلتا بالأمر.

فقد أنفقت الحكومة في سنوات المجاعة كاملة مبلغ 9.5 مليون جنيه استرليني، هذا المُبلغ اقتطع من أموال الضرائب التي تجمعها بريطانيا من أيرلندا والتي بلغت 300 مليون جنيه استرليني في تلك السنوات الست فقط. المفارقة أنها أنفقت 10 مليون جنيه استرليني على زيادة الوجود العسكري في أيرلندا من 15 ألف جندي إلى 30 ألف جندي للحفاظ على الأمن في نفس الحقبة.

العثمانيون يتدخلون والملكة تمنع الإغاثة وأيرلندا تتذكر

حققت مجاعة أيرلندا الكبرى النتائج التي رغب بها مهندسو السياسة البريطانية. فقد مات 15% من السكان، وتسببت آثار المجاعة في انخفاض أعداد السكان من 8 مليون مواطن عام 1840 إلى 4 مليون فقط عام 1900. كما أوشكت اللغة الأيرلندية على الانقراض فبعد أن كان يتحدث بها أكثر من نصف السكان قبل المجاعة لم يعد يتحدث بها سوى 15% من السكان الآن، وتحول عدد ضخم من السكان عن الكاثوليكيّة إلى البروتستانية من أجل طبق حساء.

لكن قرر العالم أخيرًا التدخل، وفي المقدمة كان العثمانيّون. الملكة فيكتوريا أرادت أن تحمي خزينتها فأرسلت رسائل استغاثة إلى ملوك وقادة العالم تناشدهم التبرع لإغاثة الجوعى. الأيرلندون الموظفون في شركة الهند الشرقية جمعوا 14 ألف جنيه استرليني، أما الولايات المتحدة وأستراليا فتبرعوا بـ170 ألفًا. الملكة فيكتوريا ذاتها تبرعت بألفيّ جنيه استرليني. وتبرع الهنود الحمر بمبلغ 700 جنيه استرليني.

الرسالة التي أرسلها وجهاء أيرلندا للسلطان العثماني شكرًا منهم واعترافًا بجهوده – المصدر: مواقع التواصل الاجتماعي

بينما أعلن السلطان العثماني عبد المجيد الأول أنه ينوي التبرع بـ10 آلاف جنيه استيرلني، أي ما يُعادل 1.3 مليون دولار أمريكي آنذاك، وحوالي 8 مليون ليرة تركية حاليًا، عن شخصه بجانب ما يدفعه شعبه. الأمر الذي أزعج الملكة فيكتوريا؛ إذ لم تتبرع هي سوى بألفيّ جنيه. فحوّلت انزعاجها لرسالة تطلب منه فيها تخفيض المبلغ لألف واحد. وافق السلطان العثماني وأرسل الألف المطلوبة، لكنّه أرسل معها ثلاث سفن محملة بالأطعمة.

مارست بريطانيا سلطتها الراغبة في إبادة الأيرلنديين ومنعت دخول السفن لميناء بلفاست ودبلن، لكن السفن استطاعت الوصول لميناء دروجيدا، ومن ثم دخلت إلى أيرلندا. رغم حالة الإنكار البريطاني للحادثة الظاهرة في اختفاء ذكر الواقعة في مختلف الأدبيّات البريطانية التي تُؤرخ للحادثة؛ إلا أن رسالة محفوظةً في الأرشيف العثماني تؤكد مساهمة العثمانيين في تخفيف حدة المجاعة. الرسالة أرسلها وجهاء أيرلندا للسلطان العثماني اعترافًا بجهوده وشكرًا له عليها.

بمرور السنوات الست بدأت الآفة في التراجع وازدهر محصول البطاطس مرةً أخرى. لكن مجاعة أيرلندا الكبرى لم تُمح من أذهان الشعب الأيرلندي، ولا من تاريخه مثلما مُحيت من أذهان الشعب البريطاني. فعندما زارت ماري مكاليس، رئيسة أيرلندا، تركيا عام 2010 أحيت ذكرى المجاعة في خطابها وخصتّ بالشكر الشعب العثماني لموقفه من مجاعة أيرلندا الكبرى.

كما قالت: إن الهلال والنجمة الموجودان في علم تركيا قد باتا شعارًا لمدينة دروجيدا في أيرلندا. وقالت إنهما يظهران أيضًا في شعار فريق دروجيدا يونايتيد لكرة القدم. كذلك تضع مدينة دروجيدا لوحة شكر للدولة العثمانية على مبنى البلدية القديم الذي استُضيف فيه البحارة العثمانيون الذين أتوا مع السفن الثلاث.

تاريخ

منذ شهر
«المجاعة السوداء».. عندما قضى الجوع والمرض على خُمس سكان الجزائر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد