هل روسيا والغرب على وشك العودة إلى المنافسة الشكلية لحقبة الحرب الباردة؟ مارك جاليوتي لا يعتقد ذلك، ويرى أن التشبيه الأكثر فائدة هو: اللعبة الكبرى؛ ذاك الصراع الحر الذي شهده القرن الـ 19 بين بريطانيا العظمى وروسيا على آسيا الوسطى.

وفجأة دارت عجلة الحوار حول نشوب حرب باردة جديدة بين روسيا والغرب، بينما خرجت القرم بهدوءٍ من الحسبان، على اعتبار أنها “مفقودة”، في المستقبل المنظور، وانتقل التركيز الدبلوماسي إلى منع المزيد من التحرك -ربما المدمر- في شرق أوكرانيا. صحيحٌ أنها استعارةٌ مُتَفَهَّمة، لكنها، برغم ذلك، خطيرة. فقد كانت الحرب الباردة، بسبب الصراعات بالوكالة وسياسة حافة الهاوية، مستقرة نسبيًا، بل كانت عملية ملتزمة بالقواعد. وفي خضم هذا “السلام الساخن” الجديد، قد يكون التشبيه الأفضل ربما، وإن كان أقل إثارة للارتياح، هو “اللعبة الكبرى”؛ هذا المصطلح الذي يعود إلى فترة المنافسة الإمبريالية في القرن التاسع عشر بين بريطانيا وروسيا على آسيا الوسطى.

“السلام الساخن”

كانت الحرب الباردة تقوم على بديهيتين أساسيتين؛ الأولى: أن كل الكتل الغربية والسوفييتية كانت منخرطة في صراعٍ أساسي ووجودي؛ وبرغم كل الحديث عن التعايش السلمي، كان كل فريقٍ يرى أيديولوجية الآخر متناقضة. وهذا ما جعلها “حربًا”، مهما انصرفت طاقتها صوب أشكال وميادين أخرى للمنافسة، شملت كل شيء بدءًا من الصراعات بالوكالة إلى مباريات الهوكي. وفي نهاية المطاف، كانوا يتنافسون من أجل الشيء ذاته: لا أقل من شكل ومستقبل العالم. ومع ذلك، في عصر الأسلحة النووية والحرب الصناعية المدمرة، قدّرت موسكو وواشنطن المخاطر المشتركة الناجمة عن صراع مفتوح، وبالتالي أبقيتا الحرب “باردة”.

لكن هذا العصر الجديد مختلف؛ حيث سيرغب الغرب في أن تكون روسيا ديمقراطية ليبرالية رأسمالية بدلا من النموذج التعددي-الأوليجارشيّ الهجين الحالي، لكن ليست هناك رغبة حقيقية بما يكفي لتغيير الحكم أو النظام. بدلا من ذلك، يستنكر الغرب نزعات معينة في تعامل موسكو مع بقية العالم. وبالمثل، على الرغم من أن فلاديمير بوتين يحتقر بالفعل بعض جوانب الثقافة والسياسة الغربية، فليست لديه مصلحة في تصدير النموذج الروسي إلى أنحاء العالم. بدلا من ذلك، يسعى للتأكيد على أن تحصل روسيا على “الاحترام” -النفوذ- الذي يشعر أنها تستحقه في مجالس العالم، وكذلك الهيمنة على ما يراه مجال نفوذها الشرعي في أوراسيا. هذه هي الطموحات التي تصطدم عندما تكون تصعد أوكرانيا -على سبيل المثال- إلى المسرح، لكنها أقل تعارضًا بكثير من وجهات النظر المانوية العالمية التي تعود إلى حقبة الخمسينيات والثمانينيات.

عمليات متداخلة

ومع ذلك فإن مثل هذه التصادمات في المصالح والنظرة العالمية سوف تحدث، ربما بانتظام متزايد. ويعكس هذا، في أحد جوانبه، جهود بوتين لإحباط المعارضة الداخلية المحتملة ببعض السرد الرخيص عن الضغط الخارجي والانتصارات الروسية -سيرك لتحويل الأنظار بعيدًا عن نقص الخبز مستقبلًا- لكنه يعكس كذلك التداخل الحتمي للمصالح الوطنية في عصر الاتصالات السياسية والاقتصادية المعولمة. فللغرب مصالحه في الجوار الروسي، فضلا عن تعاملاته مع حلفاء الروس وخصومهم التقليديين على حد سواء، من سوريا إلى اليابان. إلى جانب ذلك، أصبح بوتين، منذ عودته إلى كرسي الرئاسة في عام 2012، أكثر قومية وحزمًا في آرائه على نحوٍ متزايد.

لن تفكر روسيا، للحظة، في تحدي الناتو عسكريًا؛ فالفكرة سخيفة. لكن كما رأينا في عمليات الاستيلاء على القرم، وحتى الحملة الإلكترونية ضد إستونيا، فإن موسكو مستعدة للعمل بحزم حين تشعر أنها تستطيع أو يجب أن تفعل، وتقوم بذلك بأفضل الطرق: عسكرية، سياسية، خفية، اقتصادية، أو بالقوة الصلبة أو الناعمة.

إحدى السمات الخاصة باللعبة الكبرى الأصلية أنه كان ثمة تمييز حقيقي بين أدوات الصراع والمنافسة التقليدية، مثل الحروب والبعثات الدبلوماسية والمعاهدات، وبين أدوات العالم غير الرسمي بدءًا من زعماء العصابات المدعومين وصولًا إلى استخبارات الطرف الثالث الخاصة. ورغم أنه حتى خلال الحرب الباردة، كان هناك مكان للمرتزقة وأفراد العصابات والقتلة، يجب القول إن الكثير جدًا من هذا كان له دور هامشي. حتى الحروب بالوكالة التي خاضها الجنود غير النظاميين، مثل المجاهدين المقاومين للسوفييت في أفغانستان والفيت كونج في فيتنام، كانت بشكل أو بآخر تحظى باعتراف الرعاة.

الآن، وعلى الرغم من ذلك، فإن الإجراءات المفتوحة التي تتخذها الدولة في هذه اللعبة الكبرى الثانية، وبعثات وكلاء الدولة التي يمكن إنكارها وأنشطة العملاء المرتزقة (من قراصنة الكمبيوتر إلى أمراء الحرب المحليين)، تمتزج بسلاسة أكبر بكثير. وعلاوة على ذلك فإن طبيعة تلك العمليات تتراوح ما بين البعثات العسكرية واستعراض القوة، من خلال التجسس والتخريب، وصولا إلى التقويض والتضليل اللذين تمارسهما الأبواق المأجورة والشركات الوهمية. وقد استعار جون سندلر مصطلح “الحرب الخاصة”، من أدبيات الكتلة السوفييتية القديمة، لوصف هذا النوع من الصراع.

فاعلو الدولة غير الرسميين

أحد العناصر الرئيسية في اللعبة الكبرى الثانية هو استخدام الأطراف الفاعلة غير الحكومية، الحقيقية أو الظاهرية، التي هي في الواقع لا تمثل شيئًا من هذا القبيل. فعندما أكدت موسكو أن ما يسمى “الرجال الخضر الصغار”، الذين أحاطوا بالمباني الحكومية والمطارات في القرم لم يكونوا أكثر من متطوعين محليين للدفاع عن النفس -رغم أزيائهم العسكريّة الروسيّة، وأسلحتهم الروسية، ومركباتهم العسكرية الروسية- كان هذا مجرد خيال علمي دبلوماسي، ولون من الماسكيروفكا والخداع الاستراتيجي. وقد منح هذا الروس وقتًا محدودًا من الارتباك وعدم اليقين في كييف والغرب (هل هذه مبادرة محلية بحتة دون إذن؟ هل هؤلاء مرتزقة؟) كانوا بحاجة إليه للاستيلاء على شبه جزيرة القرم في انقلاب غير دموي تقريبًا.

ومع ذلك، لا يشير هذا إلى ممارسة روسية حقيقية في توظيف “القوات الرسمية غير الرسمية” لجمع معلومات استخباراتية، وممارسة الضغط السياسي، وربما التهديد والإكراه. لكن بدءًا من المساعدين القوزاق الذين يقومون بدوريات في سوتشي إلى “القراصنة الوطنيين” الذين شُجِّعوا على قصف الخوادم الإستونية في عام 2007 ومثيلتها الجورجية في عام 2008، مرورًا بعصابات ذئاب الدراجات البخارية الليلية، تمتلك روسيا مجموعة قوية من هذه القوات، حتى قبل النظر في عناصر جهازها الأمني التي يمكن إنكارها.

ورغم ذلك، ليس هذا طريقًا أحادي الاتجاه. ففي سوريا، يدعم الغرب مجموعة من حركات التمرد، ضد الحليف الروسي، مثلما فعل في أماكن أخرى. الأكثر إثارة للجدل هو الادعاء الروسي بأن المجتمع المدني والمنظمات المشابهة الممولة من الخارج والمكرَّسة لنشر قضايا الديمقراطية والشفافية والمساءلة، هي في الواقع مجموعة من “العملاء الأجانب” -الذين يجب أن يعلنوا عن أنفسهم الآن على هذا النحو، بالقانون- ذوي الصلاحيات الضارة في الواقع، بينما قد تكون النوايا الغربية جيدة في ذلك. لكنهم يناضلون ضمنيا من أجل تغيير النظام، وبالتالي يمكن اعتبارهم بيادق في اللعبة الكبرى الثانية مجرد مثل المنظمات الوهمية الروسية والشركات ذات الصلة بالدولة (الروسية) في الغرب.

وبعد كل شيء، يعتبر هذا أحد الآثار الجانبية الضارة لصعود اللعبة الكبرى الجديدة. فكل شيء يمكن أن يكون وكيلًا محتملًا في الصراع، لذلك يمكن الخطر في أن يُنَظر إلى كل شيء في هذا الضوء، من الصحافة  إلى المنح الدراسية، ومن الاستثمار في الأعمال التجارية إلى السياحة. وبعيدا عن تقسيم أوكرانيا، ونظم العقوبات الناشئة (ووسائل التي ستستخدمها النخب الروسية لتجاوزها) وتحميس الناتو، من المرجح أن يكون جنون العظمة للأسف هو أحد موروثات بداية اللعبة الكبرى الثانية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد