«الكساد الجنسي الكبير».. لماذا صار الأمريكيون أكثر زهدًا في العلاقة الحميمية؟

بلغت نسبة البالغين الأمريكيين الذين لم يمارسوا الجنس طيلة العام الماضي أعلى مستوياتها على الإطلاق في عام 2018، وهو ما يعزز اتجاهًا مستمرًا منذ ثلاثة عقود يتسم بالشيخوخة السكانية، وعزوف عدد أكبر من الأشخاص عن ممارسة العلاقة الحميمية.

رغم الحجم الهائل لصناعة الإباحية، ورواج مختلف أنواع المثيرات عالميًا، تكشف الدراسات الحديثة تراجع النشاط الجنسي في الولايات المتحدة، حتى في أوساط الشباب والمراهقين مقارنة بأقرانهم في الأجيال السابقة. بعدما توارت المحظورات خجلًا، وفُتِحَت أبواب الحريات الشخصية على مصراعيها، وهيمنت الثقافة الجنسية على الحياة العامة، لماذا يجد الأمريكيون أنفسهم في خضم «ركود جنسي»؟

وإذا كانت نسبة الأمريكيين الذين يقولون إن ممارسة الجنس بين البالغين غير المتزوجين «ليس خطأ على الإطلاق» وصلت إلى أعلى مستوياتها في التاريخ الأمريكي، فلماذا هذا العزوف المتزايد عن العلاقة الحميمية على المستوى الوطني؟ وكيف يمكن التوفيق بين هذا الاتجاه وحقيقة أن الشباب الأمريكي أقل تدينًا، وأكثر استرخاءً وميلًا لممارسة الجنس عما كانوا عليه من قبل، كما أنهم أكثر استعدادًا للتجربة. جزئيًا بسبب طوفان الإباحية المجانية التي يتلقونها على الهواتف الذكية؟

أثار هذا الاتجاه دهشة ألكسندرا سولومون، أخصائية علم النفس الإكلينيكية التي تدير دورة «الزواج 101» الشهيرة في نورث وسترن، بحسب أسبوعية «الإيكونوميست»، وعلق عليه دبليو برادفورد ويلكوكس، مدير «مشروع الزواج الوطني» بجامعة فرجينيا، قائلًا: «بعد حوالي 50 عامًا من الثورة الجنسية، فإننا نشهد اليوم عزوفًا عن الجنس في أوساط الشباب. لم يكن أحد، بمن فيهم أنا، يتوقع هذا».

أبناء غير شرعيين وعشق ممنوع.. الحياة الجنسية السرية للآباء المؤسسين لأمريكا!

اتجاه متواصل منذ ثلاثة عقود

في حين أن الناس قد لا يتحدثون بشفافية كاملة عندما يتعلق الأمر بإخبار الباحثين عن وتيرة ونوعية ممارساتهم الجنسية – حتى في بلاد الحريات المطلقة – إلا أن الأدلة المستقاة من مصادر متعددة تشير إلى أن «الركود الجنسي» في الولايات المتحدة حقيقي. فقد بلغت نسبة البالغين الأمريكيين الذين لم يمارسوا الجنس طيلة العام الماضي أعلى مستوياتها على الإطلاق في عام 2018، وهو ما يعزز اتجاهًا مستمرًا منذ ثلاثة عقود يتسم بالشيخوخة السكانية، وعزوف عدد أكبر من الأشخاص عن ممارسة العلاقة الحميمية.

تشكف بيانات «المسح الاجتماعي العام (GSS)»، التي تُجمَع كل عام تقريبًا وتغطي عينة تمثيلية على المستوى الوطني من الأمريكيين الذين تزيد أعمارهم عن 18 عامًا، أن 23% من البالغين في الولايات المتحدة، أو ما يقرب من واحد من كل أربعة أشخاص، لم يمارسوا الجنس في العام السابق، وهو رقم قياسي. وقد خلُصَت الدراسة الاستقصائية الوطنية لسلوك مخاطر الشباب لدى طلاب المدارس الثانوية في الولايات المتحدة العام الماضي أن النشاط الجنسي لدى المراهقين كان في أدنى مستوى له منذ أن بدأ المسح قبل 20 عامًا.

منذ عام 2008 تضاعفت نسبة الرجال الذين تقل أعمارهم عن 30 عامًا، والذين لم يبلغوا عن ممارستهم العلاقة الحميمية ثلاث أضعاف تقريبًا، لتصل إلى 28%، وهي زيادة أكبر بكثير من الزيادة البالغة 8% التي أبلغ عنها في أوساط أقرانهن الإناث.

تحاول لورا ليندبرج، عالمة الأبحاث الرئيسية في «معهد جوتماتشر» في نيويورك والمتخصصة في الصحة الجنسية والإنجابية للمراهقين، أن تنظر إلى النصف الممتلئ من الكوب: «نشهد الآن مشاركة أقل في الكثير من الممارسات، بما في ذلك أشياء بسيطة مثل رخص القيادة. ومن المأمول أن يمثل التأخير في ممارسة الجنس بأوساط المراهقين لأول مرة قدرتهم المتزايدة على تقرير ما إذا كانوا يريدون ممارسة الجنس ومتى».

مسيرة مؤيدة للمثليين في أمريكا

ما أسباب عزوف الأمريكيين عن العلاقة الحميمية؟

لكن الخبراء الذين يدرسون عادات المواطنين في غرف النوم يرصدون عددًا من العوامل الأخرى المثيرة للقلق التي قد تقف وراء هذا «الجفاف الجنسي الأمريكي العظيم»:

1- شيخوخة العلاقة الحميمية تغزو الولايات المتحدة.. حتى في أوساط المراهقين

العمر هو أحد هذه العوامل؛ حيث ارتفع عدد السكان الذين تبلغ أعمارهم 60 عامًا من 18% من إجمالي السكان في عام 1996 إلى 26% في عام 2018، وفقًا للمسح. الشريحة التي أبلغت عن عدم ممارستها الجنس تحوم حول نسبة 50%، لكن تأثيرها الصافي يمتد على المستوى الوطني ليقلل من احتمالية ممارسة الجنس بين إجمالي السكان، حسبما كتب كريستوفر إنجراهام، الذي عمل سابقًا في «معهد بروكنجز» و«مركز بيو للأبحاث»،  في صحيفة «واشطن بوست».

لكن التغييرات في الطرف الآخر من الطيف العمري قد تلعب دورًا أكبر؛ حيث زاد عدد الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا، وأبلغوا عن عدم ممارستهم الجنس في العام الماضي بأكثر من الضعف خلال السنوات العشر الأخيرة، بين عامي 2008 و2018، إلى 23%. وبشكل عام قال 40% فقط من المراهقين إنهم مارسوا الجنس في عام 2017، مقارنة بـ48% من الأشخاص الذين شملهم الاستطلاع في ذات السن قبل عقد من الزمن.

 2- مثبطات جنسية.. مخالب الاكتئاب تغرس أظفارها في المجتمع الأمريكي

بموازاة ذلك زادت مشاعر اليأس والإحباط بين هذه الشريحة العمرية من 28.5% إلى 31.5% بين عامي 2007 و2017. لم يؤكد المسح ما إذا كان الاتجاهان مرتبطان أم لا، لكن مخالب الاكتئاب تغرس أظفارها أكثر في المجتمع الأمريكي على كل حال. وقد خلُصَ تحليل لبيانات التأمين الصحي في عام 2018 أن تشخيصات الاكتئاب آخذة في الازدياد في كل فئة عمرية بالولايات المتحدة، لكنها ارتفعت بشكل أسرع بين المراهقين والشباب.

ارتفعت تشخيصات الاكتئاب الشديد بنسبة 63% بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 12 إلى 17 (من 1.6% إلى 2.6% بين عامي 2013 و2016) و47% بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 إلى 34 (من 3 % إلى 4.4%). ومن المعروف أن «مثبطات إعادة امتصاص السيروتونين (SSRIs)»، وهي الفئة الأكثر شيوعًا من مضادات الاكتئاب، لها آثار جانبية جنسية. ويؤكد الدكتور إيان كيرنر، المتخصص في شؤون الجنس «أن عددًا أكبر من المراهقين والشباب الذين رأيتهم أثناء عملي يتناولون تلك المثبطات، وهم يعانون حتمًا من آثار جانبية جنسية، بما في ذلك تخفيف الرغبة الجنسية بشكل كبير».

3- إذا حلّ الضغط والقلق ارتحلت الرغبة الجنسية

إذا لم يكن الاكتئاب هو المسؤول تحديدًا عن هذا «الركود الجنسي» في الولايات المتحدة، فإن التوتر والقلق لا يساعدان أيضًا. يقول كيرنر: «لطالما لعبت الضغوط والقلق دورًا في تثبيط الرغبة الجنسية.. أعتقد أن شباب اليوم – على الأقل استنادًا إلى ما أراه أثناء عملي – يعانون من الكثير من التوتر والقلق، سواء فيما يتعلق بالعمل أو المجتمع، في عصر وسائل التواصل الاجتماعي».

لذلك ينصح بالتفكير في البيئة التي تجعل الجنس ممتعًا: «إذا كانت هناك الكثير من الضغوط في بيئتك، فكر في التخلص من بعض هذه الضغوط. إذا لم يكن هناك ما يكفي من الإثارة أو الأشياء التي تثير اهتمامك، فكر فيما يحرك رغبتك، وتواصل بانفتاح مع شريكك».

4- الخيال يقهر الواقع في العلاقة الحميمية

يقول كيرنر: «إن الجنس المنفرد أصبح مقبولًا اجتماعيًا أكثر مما كان عليه من قبل، لذلك يمكن أن ذلك يلعب دورًا أيضًا في العزوف عن العلاقة الحميمية الطبيعية. في الفترة من 1992 إلى 2014، تضاعفت نسبة الرجال الأمريكيين الذين قالوا إنهم يمارسون العادة السرية في أسبوع معين، إلى 54%، وارتفعت نسبة النساء بأكثر من ثلاثة أضعاف، إلى 26%».

صحيحٌ أن الإباحية لا تؤدي إلى خفض النشاط الجنسي بشكل مباشر، بل يميل مشاهدو هذه المقاطع إلى ممارسة الجنس أكثر، بحسب جين توينج أستاذة علم النفس بجامعة ولاية سان دييو، لكن يبدو أن هناك شريحة كبيرة من الأشخاص الذين يجدون في الإباحية كفايتهم، حتى يبدو الجنس الحقيقي غير ضروري. لماذا المخاطرة بالرفض، أو الإصابة بالأمراض المنقولة جنسيًا، أو صداع العلاقات العاطفية، أو الاضطرار إلى مقابلة شخص ما، بينما يمكنك مشاهدة الصور والفيديوهات الإباحية في إطار من الخصوصية داخل غرفة نومك وتفعل ما يحلو لك بطريقتك الخاصة؟

يمثل هذا المنطق تحوُلًا مذهلًا حتى بمقاييس الحضارة الغربية التي كانت لها اعتراضاتها على ممارسة العادة السرية منذ وقت ليس بالطويل، ناهيك عن المخاوف التي يثيرها المتخصصون والنشطاء بشأن آثارها. سواء كان التحذير صادرًا من عالم النفس فيليب زيمباردو، مدير تجربة سجن ستانفورد الشهيرة، متحدثًا عن الفشل أكاديميًا واجتماعيًا وجنسيًا في أوساط الشباب، أو جاري ويلسون الذي يدير موقعًا حول تأثيرات الإباحية، متحدثًا ليس فقط عن الإدمان، ولكن أيضًا عن تغيرات هيكلية في الدماغ، وضعف الانتصاب.

 5- البطالة لا تؤثر على الإنتاج فقط.. بل على الأداء الجنسي أيضًا

يرى الباحثون أيضًا وجود علاقة بين نشاط القوى العاملة والعلاقات الجنسية المستقرة، ويربطون بين انخفاض مشاركة القوى العاملة بين الشباب، خاصة في أعقاب الركود الأخير، وبين العزوف عن ممارسة الجنس في أوساط هذه الشريحة، حسبما تشير جين توينج. أظهر المسح الأمريكي، على سبيل المثال، أن 54% من الأمريكيين العاطلين عن العمل ليس لديهم شريك عاطفي ثابت، مقارنة بـ32% من العاملين.

6- ممارسة الجنس مع الغرباء في منزل الوالدين ليس محببًا

على عكس المتوقع، أظهرت الدراسات أن الشباب الأمريكيين يميلون إلى العيش مع والديهم أكثر من النساء في ذات الفئة العمرية. في عام 2014، على سبيل المثال، كان 35 % من الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا يعيشون في منزل والديهم، مقارنة بـ29% من النساء في هذه الفئة العمرية.  تقول توينج: «عندما تعيش في  منزل والديك، فمن الصعب على الأرجح أن تجلب شركاء جنسيين إلى غرفة نومك». أما عندما تستقل الفتاة بسكنها الخاص فلا غرو أن تنفلت شياطين الجنس من عقالها.

ربما لا ترتبط الرغبة الجنسية بالمكان، بقدر ارتباطها بوجود شريك مستقر، حسبما يؤكد الباحثون، لكن بالرغم من أن وجود شريك منتظم يساعد في ممارسة النشاط الجنسي، فإن ممارسة الجنس انخفضت أيضًا بين الأشخاص الذين لديهم شريك مستقر.

7- الملهيات التقنية التهمت ساعات الليل الهادئة

أحد العوامل الأخرى التي قد تؤثر على عادات الأمريكيين الجنسية في مختلف الأعمار هي التكنولوجيا. يقول كيرنر: «من المحتمل أن يكون الناس أكثر انشغالًا بمشاهدة «نيتفليكس» ومتابعة وسائل الإعلام الاجتماعية والإبحار عبر الإنترنت، وهم حرفيًا لا يجدون وقتًا لممارسة الجنس». توضح توينج أن الأشياء التي يمكن القيام بها بحلول الساعة العاشرة ليلًا أكثر مما كانت عليه قبل 20 عامًا: تدفقات الفيديو، ووسائل التواصل الاجتماعي، وألعاب الكونسول، وطوفان من الملهيات التقنية الأخرى.

قد يؤثر هذا النمط على النشاط الجنسي، حتى أصبحت حصة الأشخاص الذين يمارسون العلاقة الجنسية مرة واحدة في الأسبوع أو أكثر تبلغ الآن 39%، مقارنة بـ51% في عام 1996. إذا أضفنا إلى ذلك نقص أوقات الفراغ، ومحدودية خيارات الترفيه المألوفة الأخرى، فقد ينتهي المطاف إلى حالة عجز جنسي على المستوى الوطني، حسبما يحذر الخبراء.

8- تراجع معدلات الخصوبة إلى أدنى مستوياتها

لا يتعلق الأمر فقط بالجنس، بل يرجح أن يصل التأثير إلى تراجع عدد الأطفال الذين يولدون في الولايات المتحدة؛ نظرًا  لتراجع معدل الخصوبة في عام 2016 إلى أدنى مستوى منذ عام 1983. يقيس معدل الخصوبة عدد الأطفال الذين يمكن أن تتوقع المرأة إنجابهم طوال عمرها بمعدلات المواليد الحالية. فإذا كان نصيب المرأة في أنحاء الولايات 1.80 مولودًا، بينما يعتبر معدل الخصوبة البالغ حوالي 2.1 ضروريًا للحفاظ على مستويات السكان؛ فالأمر بات يتجاوز حدود المتعة.

«لست زير نساء.. بل مجرد أحمق مخمور».. كيف تدمر الفضائح الجنسية مصير السياسيين؟

 

 

 

 

أمريكاالإباحيةالبطالةالجنسالحنس في أمريكاالمثبطات الجنسية

المصادر