بدأت الأزمة الاقتصادية العالمية – في دول تلعب دورًا هامًا في حركة اقتصاد العالم – منذ عام 2006، وكان بسبب انهيار سوق العقارات في الولايات المتحدة. وفي عام 2008 بالتحديد يوم 15 سبتمبر، حين نشرت “سي إن إن” على موقعها الرسمي تحت عنوان: “سهم ليمان يستمر في الهبوط ومسؤولوه يسابقون الزمن لبيعه”، بعدها أعلنت الولايات المتحدة، وبعد محاولات عديدة لتجنب خطوة كهذه، عن إفلاس بنك “ليمان برازرز” سبب الأزمة المتفاقمة آنذاك ورابع البنوك الأمريكية.

أثرت هذه الأزمة بشكل كبير على اقتصاد الولايات المتحدة والعالم، كما أنها احتاجت إلى الوقت للتعافي منها. وبمرورالسنوات انتقلت الأزمة إلى أوروبا، حيث تعتبر أزمة اليونان الأخطر من سابقتها من حيث تأثيرها وتداعياتها، فهي تمس منطقة الاتحاد الأوروبي برمتها اقتصاديًا وسياسيًا .. فما أسباب هذه الأزمة وتداعياتها؟ وهل تفشل المفاوضات بشأن اليونان المتعثر لتعلن إفلاسها أيضًا وتصبح خارج منطقة اليورو؟ وأخيرًا كيف سيكون مصير منطقة اليورو بعد ذلك؟

1- ما هي منطقة اليورو ومن هم أعضائها؟

فكرة العملة الأوروبية الموحدة طرحها رئيس الوزراء اللوكسمبورغي بيير فيرنر، والتي كانت نواة الاتحاد الاقتصادي والنقدي الأوروبي، في عام 1970 ولكنها لم تطبق آنذاك، وفي عام 1988 تبنت اللجنة الأوروبية ما يسمى بتقرير ديلورس. كان هدفه وضع حجر الأساس لتطبيق العملة الأوروبية الموحدة، وقرروا تنفيذ ذلك على ثلاث مراحل:

الأولى في 1يوليو عام 1990 سُمح بتنقل رؤوس الأموال بين دول الاتحاد.

الثانية بدأت في 1 يناير 1994 من خلال عمل المؤسسة النقدية الأوروبية، وهي الخطوة التي سبقت تأسيس البنك المركزي الأوروبي فيما بعد. في 16 كانون الأول 1995 تم الاتفاق على تسمية العملة الجديدة باليورو (Euro).

الثالثة تشكلت مع انعقاد المجلس الأوروبي ما بين 1-3 مايو 1998 واتفاقه على بنود إضافية، أهمها تحديد الدول المطبقة للعملة والاقتصاد الموحد، وأخيرًا في 1 يناير من عام 1999 تم تحديد قيمة اليورو مقابل العملات المحلية للدول الأعضاء وأصبح اليورو منذ ذلك اليوم عملة بنكية رسمية.

 

تتكون منطقة اليورو تحديدًا من 11 دولة أوروبية: أيرلندا، ألمانيا، فرنسا، فينلندا، أسبانيا، البرتغال، لاكسمبورج، وبلجيكا،النمسا، هولندا

واليوم، اليورو هو واحد من اقوى العملات في العالم. وتُستخدم عملة اليورو بين 320 مليون أوروبي في 23 دولة مختلفة.

 

2- ما هي أزمة اليونان وما أسبابها؟

  •  80% من ميزانية اليونان تدفع رواتب للعاملين والمسنين داخل الدولة.
  •  تصرف دولة اليونان حوالي 3 إلى 4% على صفقات السلاح المختلفة.
  •  يصل مُعدل التضخم في اليونان إلى حوالي 40% من الناتج المحلي.
  •  تصل نسبة البطالة بحسب محللين إلى معدل 22إلى 24%، وتعتبر هذه النسبة هي الأعلى داخل الاتحاد الأوروبي تليها إسبانيا.
  •  صعوبة اقتراض الحكومة من الأسواق بسبب ارتفاع أسعار الفائدة التي يجب أن تدفعها للمقرضين.

هذا، وبدأت الشرارة الأولى لهذه الأزمة في عام 2004 عندما تم الإعلان بأن اليونان لم تكن مؤهلة منذ البداية لتكون ضمن المصرف النقدي الأوروبي الموحد، وذلك لأن البيانات الاقتصادية التي أُعطيت للجهات الأوروبية المسؤولة آنذاك تم تزويرها وأعطيت عوضًا عنها معلومات خاطئة عن صحة أداء الاقتصاد اليوناني.

في أكتوبر عام 2009 اعترفت الحكومة اليونانية الجديدة بأن الحكومة السابقة قد زيفت الحسابات القومية، وأن الحكومة الحالية تعاني من عجز في الميزانية، ثمّ تخطت الأزمة ذروتها مع وصول عجز الموازنة في اليونان إلى 13% من الناتج المحلي وهذا يمثل خمسة أضعاف ما هو مسموح به في منطقة اليورو.

والآن تدين اليونان لصندوق النقد الدولي بحوالي 5% من ناتجها القومي، وبحوالي 70% للصندوق الأوروبي، وبالتالي فالجزء الأكبر من ديونها لصالح المؤسسات الرسمية للاتحاد الأوروبي.

 

ويُشار إلى أن اليونان يمثل 1% من الناتج الأوروبي بالإضافة إلى 2% من الصادرات الأوروبية، بالتالي الناتج المحلي الإجمالي لدولة اليونان 3% من الناتج القومي لمنطقة اليورو. وبحسب قوانين الاتحاد الأوروبي وقوانين منطقة اليورو أيضًا لا يوجد شرط معين يقول “أنه مع وجود أزمة مالية تخرج الدولة”.

وما يؤكده معظم المحللين والمصرفيين أن المصارف الخاصة منذ فترة تعتبر اليونان بشكل واضح دولة مفلسة فتتجنب التعامل معها، وبالإضافة إلى ما أشرنا إليه سابقًا بأن حوالي 70% من ديون اليونان لصالح الاتحاد الأوروبي؛ فما هي الأسباب الحقيقية لأزمة اليونان؟

3- الأسباب الرئيسية لأزمة اليونان أو ماذا يُريد الأوروبيون من اليونان؟

من لا يريد احترام قواعد اللعبة فعليه الخروج منها – وزارة المالية الألمانية (2011)

ألمانيا وبشكل صريح، لا تريد لأي دولة الخروج عن الخطة المحكمة للتقشف واستغلال كل الموارد المتاحة للتقدم على أساس الديمقراطية الاقتصادية وليس على أساس الاشتراكية الديمقراطية التي تطلبها اليونان وبعض الدول الأخرى.

وحدها اليونان المسؤولة، والقادرة على اتخاذ القرار، وبما أننا لا نعرف ما يقوم به المسؤولون اليونانيون فإننا لا نستبعد خروج اليونان من منطقة اليورو

جاء هذا التصريح على لسان وزير المالية الألمانية “فولفانغ شوبيليه”، في مارس الماضي أي قبل وصول الأزمة إلى ما هي عليه الآن. هذه بالتحديد نظرة ألمانيا التي تريد تطبيقها، ومع فشل ذلك نتيجة لانتخابات اليونان الأخيرة التي أيدت الاتجاه الاشتراكي ورفضت المزيد من سياسات التقشف، كان الخيار الأخير للألمان ما يمكن أن يسمية البعض “معاقبة اليونانيين على اختيارهم”!

من هذا نستنتج أن أسباب التهديدات الألمانية والأوروبية عمومًا بخروج اليونان؛ تعد سياسية بشكل أساسي قبل أن تكون اقتصادية.

4- ما هي الشروط الأوروبية للخروج من الأزمة؟

 

اكتشف الأوروبيون أن الاقتصاد اليوناني في حالة انهيار، حيث إنها تعيش ما يسميه المحللون “توأم العجز “في التمويل العام والتوازن في عملية التبادل المالي الحالي، وأيضًا “توأم الديون” (داخلي يخص القطاع العام وخارجي أجنبي) ولهذا طالبت مجموعة دول من منطقة اليورو بالتالي:

  •  زيادة الضرائب على الناتج المحلي الإجمالي حتى لو أدى ذلك لاتباع سياسات التقشف في اليونان حتى تستطيع دفع 75% من الديون.
  •  تحديد عدد الموظفين في الدولة، الأمر الذي يعتبره الأوروبيون خارج عن السيطرة، حيث كشفت تحقيقات عن وجود رواتب تصرف في اليونان لأشخاص ماتت من الأساس!
  •  بالإضافة إلى تحديد سن التقاعد.

وبالجملة فإن اليونان تصف هذه الشروط بـ”السخيفة”، وتقول إن هذه السياسات أدت إلى هروب الكفاءات من اليونان وعمقت من أزمتها بدلًا أن تكون حلًا لها.

إن التعثر الاقتصادي للرأسمالية قابل للإصلاح، لكن وصول الرأسمالية إلى أعلى مراحلها المالية البحتة يُحتّم انهيارها – كارل ماركس (رأس المال)

 

5- ما هي السيناريوهات المطروحة؟

من بين السيناريوهات التي يطرحها متخصصون لتجاوز الأزمة اليونانية، أن تستمر الحكومة اليونانية في عملها متجاهلة الشروط القاسية التي تم فرضها للتعافي من الأزمة أولًا، ثم الحديث بعد ذلك عنها، بالإضافة إلى تقبل الحكومات الدائنة بتنفيذ بعض من شروطها “المجحفة” والتنازل عن بعضها، خصوصًا فيما يخص الأجور والإنفاق العام، على أن تتحدى الاحتجاجات في بروكسل وفرانكفورت وبرلين.

من بين ذلك أيضًا، أن يوقف البنك المركزي الأوروبي تمويله الطارئ للنظام المصرفي اليوناني بعد انتهاء العمل ببرنامج الترويكا (المفوضية الأوروبية، والبنك المركزي الأوروبي، وصندوق النقد الدولي) نهاية الشهر الجاري، وتستسلم الحكومة اليونانية كما استسلمت أيرلندا وقبرص عندما واجهتا تهديدات مماثلة.

من ضمن تلك السيناريوهات أيضًا أن تستقيل الحكومة اليونانية الجديدة ويتم تبديلها بحكومة تكنوقراط شريطة موافقة الاتحاد الأوروبي، وبحسب محللين ماليين، فإنه من الممكن أن تضحي الحكومة اليونانية بوزير المالية فاروفاكيس، مع بقاء أعضاء الحكومة الآخرين. والاحتمال الوحيد الآخر عندما تبدأ البنوك اليونانية في الانهيار، هو الخروج من اليورو.

وأياً كان شكل الاستسلام فإن اليونان لن تكون الخاسر الوحيد، فقد فوّت أنصار الديمقراطية والتوسع الاقتصادي أفضل فرصهم للتغلب على ألمانيا في المناورة وإنهاء التقشف المدمر للذات الذي فرضته برلين على أوروبا.

 

6- من المُستفيد من خروج اليونان من الاتحاد الأوروبي؟

بافتراض أسوأ السيناريوهات، وهو خروج اليونان نهائيًا من منطقة اليورو، فهذا لن يفيد أوروبا كثيرًا، فحينها لن تكون اليونان ملزمة بتسديد ما عليها من ديون، بالتالي الأفضل لأوروبا ماديًا عدم خروج اليونان على الأقل في الفترة الحالية.

أيضًا، قد تلجأ اليونان بالفعل إلى مساعدة من روسيا، المنافس الأول للأوروبيين، بالتالي تفوز روسيا بحليف سياسي جديد من الاتحاد الأوروبي، فضلًا عن أن الصين تستطيع تقديم المساعدة الاقتصادية لليونان للتعافي من أزمتها، ما يضع الصين في مرتبة أعلى كقوة اقتصادية عالمية.

وفي النهاية لا يمكننا التأكيد على أيٍّ من السيناريوهات المطروحة، فتطبيق أيّ منها سيكلف الجميع. الأسابيع القليلة القادمة ستحمل الكثير الذي قد يغير في مسار قوى الاقتصاد العالمية، هل ستؤثر هذه الأزمة على الاتحاد الأوروبي أم تتعافى؟ ترى ماذا سيحدث؟

 

اقرأ أيضًا: لماذا يقلق العالم من فوز اليسار في اليونان؟ 6أسئلة تشرح لك

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد