أصبحت اليونان مرادفة للأزمة، من فرط توالي الأزمات المالية على اقتصادها، حتى كادت تعلن إفلاسها في غير ما مرة، لولا يد المساعدة التي تصلها من جيرانها الأوروبيين

أصبحت اليونان اسمًا مرادفًا للأزمة، من فرط توالي نكباتها المالية التي مست اقتصادها، حتى كادت تعلن إفلاسها في أكثر من مرة، لولا أيدي المساعدة من جيرانها الأوروبيين. وكأزماتها المالية تمامًا، تبدو اليونان متأخرة عن ركب الدول الأوروبية، في مجالات العلوم والتنمية، بالرغم من تاريخها الحضاري الطويل، المغرق في القدم، حيث كانت مهد وأساس حضارة الإغريق، حضارة خلفت إرثا فلسفيًا ومعرفيًا، شكل أساسات بناء صرح الحداثة، مع عصر التنوير.

وحتى نكتشف العوامل التي أطفأت الريادة اليونانية، في عصرنا الحالي، علينا التطرق أولًا إلى الإرث اليوناني، وكيف مهد لعهد جديد، نعيش مخرجاته القيمية والتقنية اليوم.

الإغريق والنهضة الأوروبية

لعله كافٍ لمعرفة علاقة الإرث الإغريقي بالحضارة الحديثة، أن مجموعة من المجالات المعرفية الأساسية، التي ندرسها اليوم في الجامعات، من اختراع أرسطو، الفيلسوف اليوناني الشهير، مجالات معرفية كعلم الطبيعة «Physica»، وما بعد الطبيعة «Metaphysica»، وعلم النفس «Psychologia»، والأخلاق «Ethica»، والسياسة «Politica»، والمنطق «Logic» مع فروعه المختلفة.


مثلت حضارة الإغريق، خلال القرن السادس قبل الميلاد، النواة الأولى لبزوغ الفلسفة والعلم، واستطاع الإنسان لأول مرة أن يمارس التفكير العقلي، وأحدث قطيعة مع التفكير الأسطوري، حيث نقل فلاسفة اليونان الخبرات إلى مستوى التجريد، سعيًا منهم للوصول إلى القوانين العامة، الحاكمة للوقائع الجزئية على أرض الواقع، في سابقة لم يعرفها البشر قبل اليونانيين.

بفضل هذا التوجه الجديد، في التفكير البشري، استطاع اليونانيون، طوال قرنين من الزمن، توليد معارف غزيرة ومتنوعة، لا تزال رائحتها تفوح في التخصصات الحديثة، حتى اليوم. معارف شملت الرياضيات والطبيعة والأخلاق، والمنطق والفنون والسياسة والفلك وغيرها، فبرزت مدارس فكرية جديدة، واتجاهات نظرية متباينة، تحاول استقصاء الكون والذات، أسسها فلاسفة مثل فيثاغورس وسقراط، وأفلاطون وأرسطو وآخرون.

لا يعلم بالتحديد لماذا بزغت المعرفة في اليونان بالذات، فقد كانت هناك أيضًا حضارات متقدمة تعاصرها، كحضارتي الفينيقيين والمصريين، لكن الفيلسوف برتراند راسل يعتقد، كما يورد في كتابه «حكمة الغرب»، أن ظهور المعرفة في اليونان لا يرتبط بعبقرية اليونانيين، أو الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية آنذاك، وإنما يعود إلى أن الدولة المدنية اليونانية، عرفت حكمًا مدنيًا يشبه إلى حد كبير «الديموقراطية المباشرة»، بحيث كان الناس يديرون شؤونهم بأنفسهم، ويختارون قراراتهم السياسية الهامة لدولتهم، من خلال الجدال فيما بينهم بالبرهان، في الساحات العامة «الأغورا»، عكس الحضارات الأخرى التي كانت تعرف حكم «الطغاة المتألهين».

إلا أن هذا الحكم المدني، المبكر في الحضارة البشرية، لم يستمر طويلا، إذا تحول الحكم إلى الإمبراطور يوستنيانوس، الذي أمر بإغلاق مدرسة أثينا، عام 529 م، ليرحل بعدها أساتذة المدرسة اليونانية السبعة، إلى البلاط الفارسي في حقبة كسرى، ومنه أخذ الفرس علوم وفلسفة الحضارة اليونانية، وأخذوا يدرسونها في معهد «جنديشابور»، ثم انتقلت تلك المعارف إلى حضارة بغداد، مع عهد الخليفة المأمون، الذي أسس «بيت الترجمة»، ووصلت أيضا حضارة الأندلس، حيث عكف مجموعة من الفلاسفة المسلمين، مثل ابن رشد والفارابي وابن سينا، على شرح كتب أفلاطون وأرسطو.

لكن أيًا من تلك الحضارات لم تستطع تطوير الإرث اليوناني، تطويرًا نوعيًا، بالرغم من مساهمتها في الحفاظ عليه ومراكمته، بسبب فترة الازدهار الحضاري القصيرة لتلك الأمم، حتى جاء عصر التنوير مع القرن السادس عشر، منزلًا الفلسفة اليونانية من برجها العاجي، إلى حياة الإنسان والمجتمع، بعد أن كانت تُمارس لذاتها، ومخلصًا إياها من بدائيتها وغموضها، ومن ثم ظهر التفكير العلمي و المنهج التجريبي، لينفتح أمام البشرية عهد جديد، مليء بالاكتشافات والتحولات الجذرية، في المعرفة والتفكير والحياة.

وبالتالي فإن الحضارة الغربية هي امتداد للحضارة اليونانية، والفارق الوحيد أن الإغريق لم تتوفر لديهم الوسائل المناسبة، لنشر علومهم وفلسفاتهم، في بقاع العالم كما فعل الغرب الحديث، عبر الحملات الاستكشافية والاستعمار ووسائل الاتصال، ومن ثم بدت حضارة الإغريق كنقطة مضيئة، في بحار ظلمات التاريخ البشري، المرتبط بعصر ما قبل الحداثة.

حضارة الإغريق تتخلف اليوم

تحتل اليونان المرتبة 29، من بين 188 دولة، في سلم التنمية حسب تقرير الأمم المتحدة لـ 2015، متقدمة بذلك على بلدان مثل البرازيل والهند، إلا أنها تبقى متخلفة عن الدول الأوروبية، الأمر الذي قد يبدو غريبًا، باعتبار أن إرثها الإغريقي هو الممهد للحضارة الغربية الحديثة، كما أنها لم تسهم، بشكل واضح، في تشكيل عصر التنوير. بيد أن هذا الأفول اليوناني اليوم، يرجع إلى عدة عوامل تاريخية وثقافية، كبلت عجلة الريادة اليونانية.

يعتبر 98% من سكان اليونان مسيحيون أرثوذوكسيون، ويشير الدستور اليوناني إلى أن المسيحية الأرثوذوكسية هي «الدين المهم في المجتمع»، خلافًا للبلدان الأوروبية، الفاصلة بشكل تام بين الدين والدولة، من خلال النظام العلماني. وبالتالي تطبعت اليونان، دولة ومواطنين، مع المسيحية الأرثوذوكسية، أكثر من انغماسهم في الاتجاه الحداثي، الذي أسس له أجدادهم في الماضي، وهو ما قلل انفتاح اليونان على العلوم والحضارة، مقارنة مع نظرائها بأوروبا الغربية.

يضاف إلى ذلك سبب تاريخي، يتمثل في أن اليونان لم تكن مستقلة، خلال فترة عصر التنوير، الممتدة بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، إذ كانت تحت السيادة العثمانية، منذ 1453م إلى 1821م، ما جعلها تتغيب عن فترة بناء الحداثة.

ثم عاشت اليونان حروبًا مريرة، مع الدولة العثمانية، طوال القرنين التاسع عشر والعشرين، لا تزال تداعياتها تظهر حتى اليوم، في علاقات البلدين السياسية.

على صعيد آخر، ليس بالضرورة أن يكون من مهد للحداثة هو الرائد فيها، إذ توجد حاليًا بلدان لم تشارك بإسهامات تذكر في عصر النهضة، غير أنها تقطف ثمارها أكثر من أي دولة أخرى، كالحال مع الدول الإسكندنافية واليابان.

عرض التعليقات
تحميل المزيد