إنّ الشّعب اليوناني يكتب التاريخ؛ لقد ترك التّقشّف وراء ظهره – رئيس الوزراء اليوناني (يناير2015)

أخيرًا وصل اليسار إلى سُدّة الحكم في اليونان بعد عقود طويلة حالت الأحداث التراكمية فيها دون ذلك. لكنّ الأحداث هي التي صنعت صعود الحزب؛ أزمة اقتصادية وكساد مالي وإعادة إنتاج لما بعد الحرب العالمية الأولى، لكن في ظل عُملة أوروبيّة مُوحدة.

في الخامس من يوليو الجاري (الأحد الماضي) أجرت الحكومة اليونانية استفتاءً شعبيًا على شروط خطةّ الانقاذ الأوروبية لليونان المُفلس، تلك الخطّة تتضمن مزيدًا من سياسات التّقشف التي على الحكومة اليونانية اتباعها لتحصل على مزيد من الدعم الأوروبي في المُقابل. أوروبا التي تُمثّل الضامن الوحيد الاقتصادي – الآن – لليونان تفرض على الحكومة اتباع تلك التدابير التقشفية في مُقابل الإنقاذ المالي أو كما سُمّيت الخطة.

حكومة أليكسيس تسيبراس صعدت بقوة عبر شعارات رفض سياسات التّقشف التي استخدمها حزبه سيريزا في انتخابات 2015 التي أوصلته إلى الحكم ليشكل حكومة ائتلافية بتحالفه مع حزب يميني لكنّه أيضًا رافض للتقشّف المفروض، وهو حزب اليونانيين الأحرار.

شعار حزب سيريزا

في النهاية، فازت شعارات سيريزا في الاستفتاء الشعبي. فاز شعار “ولا خطوة واحدة إلى الوراء”؛ لقد صوّت نحو 61.31% بلا، في مُقابل 38.96% صوّتوا لصالح خُطّة التّقشّف الأوروبية التي تقودها ألمانيا الاتحادية، أكثر اقتصادات أوروبا تماسكًا بعد أزمة 2008، والمُساهم الأكبر في برنامج إنقاذ الاقتصاد اليوناني بمبلغ قدره 240 مليار يورو.

اقرأ أيضًا: لماذا يقلق العالم من فوز اليسار في اليونان؟ 6 أسئلة تشرح لك

الآن، وبعد ذهاب الحكومة اليونانية بالتوقعات إلى مُربّع المجهول (فمن جانب قد يُضاعف فرص قبول مفاوضي الترويكا الأوروبية بتقليل تدابير التقشف المفروضة على اليونان، ومن جانب آخر قد يؤدي إلى فشل المفاوضات، ما يعني فتح باب واسعٍ على مجهول مُظلم)؛ نتطرق إلى جانب آخر من قضية الأزمة اليونانية التي تلعب ألمانيا فيها الدور الأبرز كالطرف الآخر في مُقابل اليونان بحكومته الحالية وشعبه الرافض لسياسات خُطّة الانقاذ؛ سنتطرق إلى:

ألمانيا مديونة لليونان

في عالم مترابط، عندما تجعل جارك يتسول فقد تتسول أنت في نفس الوقت – جون كينز

الأزمة المالية التي بدأت مع انهيار سوق العقار في الولايات المتحدة الأمريكية، ضربت الاقتصاد اليوناني القائم على الاقتراض منذ أمدٍ بعيد. كانت اليونان – من بين دول أوروبا – الأكثر تضررًا بالأزمة المالية، لعدة أسباب قائمة في الأساس على قلّة الموارد الداخلية للدولة، ثُمّ اعتماد اقتصادها بشكل أساسيّ على الاقتراض منذ استقلالها عن الإمبراطورية العثمانية في 1823. رغم ذلك كان مستوى دخل الفرد اليوناني الأعلى في أوروبا. هذا بالإضافة إلى ما سجلته من معدلات فساد إداري ومالي عالية، فضلًا عن عجز الدولة في جباية الضرائب من المواطنين. بحسب خبراء هذه كانت أهم أسباب انفجار الأزمة في اليونان التي لم تستفد من اقتراضها.

في 2013 وكانت اليونان لاتزال مُلتزمة بخطّة التقشف الأوروبية، فاقت نسبة البطالة بين الشباب اليوناني الـ60% للمرة الأولى. حتى تلك اللحظة، ومنذ 2009 (العام الذي بدأت تطفوا فيه أزمة الديون على السطح)، تضاعفت مديونات اليونان لنحو ثلاث مرّات تقريبًا، فيما كانت نسبة البطالة العامة 27%. ولمزيد من الاطلاع على حجم الأزمة، يكفي أن تعلم أن نسبة البطالة العامة في اليونان الآن، أي بعد نحو عامين، وصلت لحدود 50%، مع انخفاض في الأجور تخطّى 25%.

عندما ضجر الشعب اليوناني من حزم التقشف المفروضة عليه، لجأ إلى التاريخ، وبحث في دفاتر مستحقاته عند جيرانه الذين يفرضون عليه شروطهم. في النصف الثاني من أبريل 2013 صدّرت صحيفة To Vima اليونانية صفحتها الرئيسية بشعار “ألمانيا مديونة لليونان”، وفيما يبدو فإن هذا الشعار كان معبّرا عمّا تكن به صدور اليونانيين. عبّر عن ذلك مثلًا وزير خارجيتهم في 2013 ديميتريس إفراموبولوس، الذي قال للبرلمان اليوناني، إن وزارة المالية رتبت ملف التعويضات الألمانية لليونان عن فترة الحرب العالمية الثانية واحتلال النازية لبلادهم.

ديميتريس إفراموبولوس، وزير الخارجية اليوناني السابق

التحرك اليوناني في هذا الصدد كان بمثبة رد فعل عكسي على صرامة الموقف الألماني، هكذا تناولت أغلب التقارير ذلك الموقف وقتها، لكنّ تطورات تحركات اليونان تُفيد بشيء من الجدية فيها، على سبيل المثال في 2013 كلّفت وزارة المالية فريقًا من الخبراء والمختصين بإعداد تقرير شامل للتعويضات الألمانية. التقرير اعتمد أساسًا على اطلاع الفريق على نحو 190 ألف وثيقة ليثبتوا في النهاية عدم حصول اليونان على أي تعويض عن جرائم النازية فيها، وأن تلك التعويضات تقدر بـ162 مليار يورو دون احتساب الفوائد على مدار 60 عامًا.

مع وصول سيريزا إلى الحكم قبل أكثر من ستة أشهر، لوّح عدد من وزراء الحكومة اليونانية اليسارية بنفس الورقة، لكن مع مزيد من الضغط ورفع المبلغ المُقدّر بإضافة الفائدة إليه ليتراوح ما بين 269 مليار و332 مليار يورو، وهو مبلغ كفيل بحل الجزء الأكبر من أزمة الديون اليونانية.

بدورها عبّرت ألمانيا – بشكل غير مباشر – عن رفضها طرح مثل هذه القضية، معتبرةً أنها قد سُوّيت منذ زمن، لتذهب الحكومة اليونانية في المُقابل إلى التهديد بمصادرة الممتلكات الألمانية على الأراضي اليونانية، ومن أبرزها معهد جوته ومعهد الآثار الألماني، وكذا المدارس الألمانية في أثينا وسالونيك، بل إنّ المحكمة العليا اليونانية أصدرت قرارًا بمصادرة الممتلكات الألمانية كتعويض عن فترة الاحتلال النازية. ورغم أنّ القرار لم يُنفّذ، إلّا أنه يُستخدم كورقة ضغط في يد اليونان.

اليونان وحدها تتحمل المسؤولية، وبما أننا لا نفهم ما الذي يقوم به المسؤولون اليونانيون، فإننا لا نستبعد خروج بلادهم من منطقة اليورو

رئيس الوزراء اليوناني في زيارة لقتلى الاحتلال النازي (رويترز)

كان هذا من ضمن ردود وزير المالية الألماني فولفجانج شويبله، على التهديدات اليونانية. ولهذه الدرجة تصاعدت حدة التوترات بين البلدين، لكن الحكومة اليونانية ترى أن جملة مطالبها منطقية، إذ تنطلق من أن أزمتها ليست الأولى أو الأخيرة في أوروبا؛ لقد حدث نفس الأمر قبل ذلك مع ألمانيا وكان التعامل مُختلفًا!

نحن لا نُعطي دروسًا في الأخلاق، ولا نقبل أيضًا أن يُعطينا أحدٌ درسًا في الأخلاق – رئيس الوزراء اليوناني

هل تعلم أنّ اليونان أعفت ألمانيا من ديونها قبل ذلك عدة مرات؟

هذا الوضع شديد التدهور للاقتصاد اليوناني ليس غريبًا عن أوروبا، بل ليس غريبًا عن ألمانيا قائدة خطط الإنقاذ المالي لدول أوروبا الأكثر تضررًا من الأزمة الاقتصادية، والمنطوية على جُملة من سياسات وتدابير تقشّف صارمة وقاسية على المستوى المجتمعي المباشر بخاصة على اليونان.

لعلّ رئيس الوزراء اليوناني أليكسيس تسيبراس، قصد بعبارته (الأخيرة المقتبسة أعلاه) الإشارة إلى تاريخ ألمانيا مع إعفاء الديون عنها، إذ إنّه حرفيًا تمّ إعفاؤها من الديون من قبل الحلفاء لأربع مرّات في عدة مناسبات، من أبرزها ما بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية.

في نهاية الحرب العالمية الأولى، كان هناك قدر كبير من العداء الواضح تجاه ألمانيا. لقد كانت حربًا كارثية من حيث الأرواح والإصابات، وأيضًا من الناحية الاقتصادية. كان هُناك شعور قوي جدًا بأن ألمانيا يجب أن تدفع الثمن – جولييت جاردينير

عقب الحرب العالمية الأولى، عُقد مؤتمر باريس للسلام (1919)، والذي خرج بعدة توصيات من بينها إنشاء عصبة الأمم التي لم تستمر طويلًا، كما خرج بمعاهدة فرساي مع ألمانيا، حيث حُمّلت الأخيرة المسؤولية الكاملة، وفرض عليها دفع فواتير تعويضًا عن الأضرار التي سببتها الحرب. بهذا أصبحت ألمانيا مدينة بما لا تطيق.

مُعاقبة ألمانيا بهذا الشكل كانت له عواقبه الوخيمة. وفيما لم يُدرك أحدٌ ذلك حتى قُضي الأمر، كان هُناك الاقتصادي جون مينارد كينز، وقد كان حاضرًا لمؤتمر باريس، لكنّه بعد العقوبات التي فرضت على ألمانيا، أعرب عن غضبه الشديد، الذي رآه الآخرون تأييدًا ودفاعًا عن الموقف الألماني سيء السمعة آنذاك.

جون كينز

من جانبه رأى كينز ببساطة أن تلك العقوبات “غبيّة” بما يكفي لاستدعاء الحرب مرّة أخرى بصورة أكثر بشاعة. كان يُعرب عن تعجّبه أن تكون تلك العقوبات في إطار السّعي نحو السلام مع الإمبراطورية الألمانية، التي انهارت بدورها، قبل أن تُقام جمهورية فايمار في مرحلة هي الأسوأ في تاريخ ألمانيا اقتصاديًا وسياسيًا.

ألمانيا اليائسة لن تُحافظ على السلام في أوروبا، وبالتأكيد لن تُساهم في الازدهار .. نحن في ذلك جميعًا – جون كينز

بالفعل تحققت نبوءة كينز؛ لقد أدّت العقوبات التي فُرضت على ألمانيا من الدول الأقوى، إلى مزيد من الفوضى التي تغلغلت في الاقتصاد، وبالتالي في المجتمع الألماني نفسه. اضطرت ألمانيا لدفع فواتير مديونيتها إلى طبع مزيد من المال، ما أدى إلى تضخّم وصل إلى الحد الذي لا يُمكن معه الرجوع؛ لقد باتت العملة بلا قيمة حرفيًا. بعض التقارير عن تلك الفترة، تحكي عن أناس جمعوا كلّ مدخراتهم المالية لشراء طابعٍ بريدي لرسالة انتحار!

المشاكل الاقتصادية، بل قل الكوارث الاقتصادية التي مرّت بها ألمانيا عقب الحرب وعلى إثر العقوبات المتمثلة في المديونية الضخمة؛ ليست بعيدة في المقارنة بما تمر به اليونان الآن، بل كانت أشد وطأة، لذا لم يكن غريبًا على من قرأ الموقف مثل كينز صعود حركات وأحزاب ألمانية متطرفة، واكتساحها المشهد السياسي وصولًا للحكم، نحن نتحدث هنا عن هتلر والحزب النازي.

والآن وبعد أكثر من 80 عامًا، تنقلب الآية: الألمان يفرضون شروطًا يعتبرها اليونانيين أقرب للعقوبات. رئيس الوزراء اليوناني أدرك ذلك، بل لمّح له حين قال:

تحمّلت ألمانيا الكثير من الأعباء الثقيلة عقب الحرب العالمية الأولى، وهذا أدّى إلى ظهور النازية فيها. ولكن لاحقًا تمّ التعامل مع ألمانيا بشكل مُختلف، إذ تلقت دعمًا دوليًا كان من بينه إعفاؤها من ديونها

في الوقت الحالي، ثمّة انقسام في النّظر إلى الأزمة اليونانية بين الأوروبيين، حتى في الأوساط البحثية والصحافية فضلًا عن السياسية. بالطبع الألمان – ومعهم أوروبا الشمالية والغربية – يرون أنه على اليونان أن تتحمل تبعات سياساتها الاقتصادية وفساد منظومتها البيروقراطية على مدار السنوات الماضية، فيما يرى آخرون يونانييون، وآخرون على أطراف أوروبا، أنّه على ألمانيا واجبٌ أخلاقي – تاريخي تجاه الدول المتأزّمة. كما يعتقد البعض أن تعامل أوروبا وعلى الرأس منها ألمانيا مع الأزمة المالية في اليونان أو حتى إسبانيا وإيطاليا، هي إعادة إنتاج للماضي بلا شك، دون النّظر في العواقب التي حدثت قبل ذلك في ظروف مشابهة.

 

لا يوجد أي مبرر اقتصادي أو أخلاقي لأن تكون ألمانيا البلد الأوروبي الوحيد، في العصر الحديث، الذي يتم إعفاؤه من الديون الرسمية على نطاق واسع – بنجامين فريدمان

اقرأ أيضًا: اليونان عَرض جانبي .. منطقة اليورو فشلت والألمان أيضًا ضحايا لها

أخيرًا، لماذا تكرر ألمانيا الخطأ التاريخي؟

لا نبالغ إذا قُلنا، إنّه بالجملة تصب خطة الإنقاذ الأوروبية (خطة التقشف) في مصلحة ألمانيا تحديدًا من بين دول اليورو باعتبارها المساهم الأكبر في إقراض اليونان وذلك لعدة أسباب، من أهمها على الإطلاق نسبة الفائدة المقررة على القروض، والتي تتراوح ما بين 5 ونصف إلى 6%.

في المُقابل كان بإمكان اليونان اللجوء للاقتراض من دول أخرى مثل الصين أو روسيا أو دول الخليج، وبفائدة لا تتعدى نسبتها 1%، إلا أن الشرط الأوروبي أيضًا حال دون ذلك، ما يذهب بالاعتقاد إلى أن إصرار ألمانيا المساهمة بـ240 مليار يورو في خطة إنقاذ اليونان؛ كان بسبب اعتبارها اليونان استثمارًا على المدى البعيد!


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد