لم تفيق دولة الاحتلال الإسرائيلي بعد من صدمتها بفوز رئيس الوزراء الجديد الكسياس تشبريس – المعادي لمواقفها- لتُصدم مرة أخرى بالأزمة المالية الكبيرة التي أصابت اليونان، فالصدمة الأولى التي عنونت “يديعوت أحرونوت” العبرية تقريرها حولها بـ”انتهى شهر العسل بين إسرائيل واليونان” لم يكن أثرها كبيرًا على دولة الاحتلال كما أزمة اليونان المالية.

وذلك لأن العلاقات اليونانية الإسرائيلية التي شهدت تحسنًا في السنوات الأخيرة الماضية، تمخضت عن ارتفاع ملحوظ في ﺍﻟﺼﺎﺩﺭﺍﺕ ﺍلإسرائيلية ﻟﻠﻴﻮﻧﺎﻥ، لتحتل ﺍﻟﻴﻮﻧﺎﻥ ﺍﻟﻤﺮﻛﺰ ﺍﻟﺜﺎﻣﻦ ﻭﺍﻟﻌﺸﺮين ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺸﺮﻛﺎﺀ ﺍﻟﺘﺠﺎﺭﻳﻴﻦ ﻟﺪﻭﻟﺔ الاحتلال ﻣﻨﺬ 2014.

تقرير “ساسة بوست” يرصد أثر الأزمة اليونانية على دولة الاحتلال، ويتطرق لطبيعة العلاقات بين الدولتين المعادتين لتركيا الآن.

كيف ستؤثر أزمة اليونان على دولة الاحتلال الإسرائيلي؟

“سيكون لهذه الأزمة آثارًا كثيرة على الاقتصاد الإسرائيلي” هكذا عقب رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أزمة اليونان، حيث تؤكد دولة الاحتلال على أن الأزمة المالية اليونانية تحمل في داخلها مخاطر من شأنها أن تصل إلى “إسرائيل”، فوفقًا ﻟﻠﺘﺪﻫﻮﺭ ﺍﻟﻜﺒﻴﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﺷﻬﺪﻩ ﺍﻟﺴﻮﻕ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻲ ﻓﻲ ﻣﻨﻄﻘﺔ ﺍﻟﻴﻮﺭﻭ ﺳﻴﺤﻞ ﺍﻟﻀﺮﺭ بالاقتصاد المحلي لدولة الاحتلال، وذلك ﺑﺎﻋﺘﺒﺎﺭ ﺍﻟﻴﻮﺭﻭ ﻫﻮ ﺍﻟﺸﺮﻳﻚ ﺍﻟﺮﺋﻴﺴﻲ لـ”إﺳﺮﺍﺋﻴﻞ”، فاستمرار أزمة اليونان تعني ﺇﺛﺎﺭة الاضطرابات ﻓﻲ ﺍﻗﺘﺼﺎﺩ دولة الاحتلال ﻭﺯﻳﺎﺩﺓ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻘﻠﻖ ﻭﺍﻟﺘﻮﺗﺮ ﺑﺸﺄﻥ ﺍﻟﺼﺎﺩﺭﺍﺕ الإسرائيلية، فقد ﺍﺣﺘﻠﺖ ﺍﻟﻴﻮﻧﺎﻥ ﺍﻟﻤﺮﻛﺰ ﺍﻟﺜﺎﻣﻦ ﻭﺍﻟﻌﺸﺮين ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺸﺮﻛﺎﺀ ﺍﻟﺘﺠﺎﺭﻳﻴﻦ ﻟﺪﻭﻟﺔ الاحتلال ﻣﻨﺬ 2014، ﻭﻓﻲ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﺼﺪﺩ ﻗﺎﻣﺖ ﺍﻟﻴﻮﻧﺎﻥ ﺑﺎﻟﺒﺪﺀ ﻓﻲ ﻃﺒﺎﻋﺔ ﻋﻤﻠﺔ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﺑدلًا ﻣﻦ ﺍﻟﻴﻮﺭﻭ ﻣﻤﺎ ﻗﺪ ﻳﺆﺛﺮ على ﺳﻠﺔ ﺍﻟﻌﻤﻼﺕ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﺑﺎﻟﺴﻮﻕ ﺍلإسرائيلي ﻣﻤﺎ ﻳﻀﻊ ﺇﺳﺮﺍﺋﻴﻞ ﻓﻲ ﻣﻮﻗﻒ ﻻ ﺗﺤﺴﺪ ﻋﻠﻴﻪ إﻣﺎ أﻥ ﺗﻀﺤﻲ ﺑﺼﺎﺩﺭﺍﺗﻬﺎ أﻭ أﻥ ﺗﻀﺤﻲ ﺑﺠﺰﺀ ﻻ ﻳﺴﺘﻬﺎﻥ ﺑﻪ ﻣﻦ عملاتها الأجنبية.

وبالرغم من مساندة شركة التأمين لدولة الاحتلال وتصريحاتها بعدم تعرض الكيان مباشرة للمخاطر، إلا أن دولة الاحتلال تخشى الآثار السلبية لإفلاس اليونان، حيث بلغت قيمة التجارة الثنائية بين إسرائيل واليونان حوالي 677 مليون دولار لعام 2014، أي ارتفعت بنسبة (50%) عما كانت عليه في عام 2013
كما انخفضت تلك النسبة في ما بين شهري يناير ويوليو إلى ما يقرب من257  مليون دولار أي بنسبة (4%) لعام 2015 مقارنة بالعام الماضي .

بعد فوز أليكسيس تسيبراس، هل ستتغير العلاقات اليونانية الإسرائيلية؟

 

في كتابه «إسرائيل، تركيا واليونان.. علاقات مضطربة في شرق المتوسط»، يذكر المؤرخ الإسرائيلي أميقام نحماني أنه لما أصيبت جزيرة كيفالونيا اليونانية بزلزال هائل عام 1953، هرع الأسطول الإسرائيلي الذي كان يبحر في المنطقة في سفر تدريبي لتقديم المساعدة للسكان، وقدم فعلًا مساعدة نوعية لهم، وعند وصول الأسطول إلى مرفأ بيريه، وجد حفاوة شعبية مقابل برود رسمي مقصود.

من الجملة الأخيرة يمكننا حصر الكثير عن طبيعة هذه العلاقة بين الدولتين، فكثيرًا ما أيقنت دولة الاحتلال الإسرائيلي أن اليونان تقف إلى جانب العرب وتنحاز إلى القضية الفلسطينية، وتؤكد على ذلك عدة شواهد، منها وقوف الرئيس اليونان أندرياس باباندريو موقفًا صلبًا تجاه غزو دولة الاحتلال لبيروت عام 1982، وقيامه باستصدار إدانات من السوق الأوروبية المشتركة لـ”إسرائيل”، إضافة إلى إرساله سفنًا يونانية لإجلاء مقاتلي منظمة التحرير من بيروت، وليس بآخر تلك الشواهد قول رئيس الوزراء اليوناني الجديد أليكسيس تسيبراس الذي شارك أسطول عام 2010 الذي سعى لكسر الحصار البحري على غزة أنه “لا يمكن تقبل وحشية إسرائيل”.

ففي نفس العام (2010) قام جورج باباندريو، ابن باباندريو ووريثه السياسي، بقيادة عملية التقارب مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، تبعًا لنظرية جديدة مفادها بأن اليونان لا بدّ أن تتقرب من كلا الطرفين حتى تكون وسيطًا مقبولًا في المفاوضات.

يقول أستاذ العلاقات السياسية في جامعة بانديون للعلوم السياسية لـصحيفة «الحياة» أن علاقات أُثينا وتل أبيب تعود إلى فترة الخمسينات، ولكن منذ عام 2010 بدأت مرحلة جديدة بين الطرفين نتيجة للظروف الصعبة لكليهما. فمن جهة بدأت الأزمة الاقتصادية في اليونان مع أبعادها السياسية الدولية وحاجة اليونان لداعمين ومستثمرين، وتدرك الأخيرة دور اللوبي اليهودي في البنوك العالمية ومؤسسات التقييم السيادي العالمية. ومن جهة أخرى كانت إسرائيل في حالة انعزال مطلق من قبل الدول الإقليمية وتحديدًا تركيا، فأصبحت أثينا مفتاح البلقان بالنسبة لإسرائيل.

ويلخص هذا الموقف قول السفير اليوناني في إسرائيل سبيردون لامبريديس :”صحيح أن بعض الأشخاص في سيريزا – اختصار لـ”ائتلاف اليسار الراديكالي”– يميلون للسرد الفلسطيني، لكن هنالك العديد من الإشارات أنه لا يوجد أي سبب لقلق القدس. أولًا، السياسيون يتصرفون بشكل مختلف عند توليهم الحكم، وثانيًا، استمرار العلاقات القوية تخدم مصالح الدولتين”.

لماذا تتقارب اليونان من «إسرائيل»؟

يرصد المراقبون في دولة الاحتلال نوعين من العوامل التي تحفز دول البلقان على تعزيز العلاقات مع تل أبيب، أولهما أن هذه الدول وخاصة اليونان معنية بالحصول على مساعدات إسرائيلية في مجال التقنيات المتقدمة بغرض دفع عجلة الاقتصاد، خصوصًا أنها تعاني من مشاكل اقتصادية كبيرة ومعقدة، وثانيهما تنافس هذه الدول فيما بينها للحصول على نسبة من عشرات الآلاف من السياح الإسرائيليين الذين كانوا يتوافدون إلى تركيا، وتوقفوا عن التوجه إليها في أعقاب تدهور العلاقات بين الجانبين.

ومؤخرًا وفي ظل أزمة اليونان المالية، كشفت صحيفة “معاريف” أن جهات رفيعة في الإدارة اليونانية توجهت مؤخرًا إلى “إسرائيل” بطلب الاستفادة من الخبرة الإسرائيلية في مجال جمع تبرعات من يهود الشتات، على اعتبار أن عددًا كبيرًا من اليونانيين الأثرياء يعيشون في الشتات خاصة في الولايات المتحدة شأنهم شأن يهود الشتات، حيث ترغب الحكومة اليونانية من ذلك في الاستعانة بهؤلاء لتسوية الأزمة الاقتصادية الخانقة في اليونان، وذلك من خلال تنظيم حملات لجمع التبرعات في صفوف هؤلاء اليونانيين.

ما هدف التدريبات العسكرية المشتركة بين اليونان وإسرائيل؟

 

أحد مظاهر الشراكة الإستراتيجية الآخذة بالتعاظم بين دولة الاحتلال واليونان، المناورات العسكرية المشتركة التي أجرها سلاحا الجو اليوناني والإسرائيلي في السنوات الأخيرة، بل تكشف مصادر إعلامية أن دولة الاحتلال قامت مؤخرًا باتصالات لاستئجار جزيرة يونانية بغرض توظيفها لإجراء تدريبات عسكرية بحرية وجوية.

وتعد أبرز تلك التدريبات ما حدث في أبريل (2015) حيث استغلت دولة الاحتلال امتلاك اليونان منظومات “أس 300” في تنفيذ تدريبات تحاكي هجمات يمكن أن ينفذها ضد هذه المنظومات في إيران كنوع من الضغط على الإدارة الأمريكية لأخذ المواقف الإسرائيلية بعين الاعتبار من الاتفاق المستقبلي مع إيران.

وكشفت مجلة “إسرائيل ديفنس” أنه ضمن استعدادات تل أبيب لشن هجوم على منشآت إيرانية، أجرى سلاح الجو الإسرائيلي تدريبات على مهاجمة منظومة الدفاع الجوي الروسية الأكثر تطورًا في العالم “إس 300” التي وافق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أخيرًا على تزويد إيران بها.

وحسب المجلة، فقد شاركت في التدريبات 10 طائرات من طراز “إف 16” وطائرة مسؤولة عن تزويد الطائرات بالوقود في الجو، مشيرة إلى أن طائرات من سلاح الجو اليوناني شاركت في المناورة. وتفترض إسرائيل أن إيران ستنصب منظومات “إس 300” بعد تسلّمها في محيط المنشآت النووية لحمايتها، ولتقلص من قدرة أي طائرات معادية على إصابتها، مما زاد من أهمية ضرب هذه المنظومة.

 

هل تتحالف دولة الاحتلال مع اليونان ضد تركيا؟

خلافات تاريخية منذ 40 عامًا تتعلق باحتلال تركي لشمال قبرص، وقلق يوناني من طموحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتحويل تركيا إلى محطة وسيطة لتنقّل عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية”، (داعش)، وعلاقة متوترة بين دولة الاحتلال وتركيا، ونظام حاكم في مصر يرى في تركيا تهديدًا بسبب دعمها لجماعة “الإخوان المسلمين”، كلها أسباب تدفع تجاه تشكيل تحالف إقليمي ضد تركيا.

فبالرغم من أن رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لم يحضر لقاء القمة الثلاثي الذي جمع أخيرًا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والرئيس القبرصي نيكوس أنستسياديس، ورئيس الوزراء اليوناني الجديد ألكسيس تسيبراس، في نيقوسيا، إلا أن القضايا التي بُحثت في اللقاء تمت بالتنسيق مع “تل أبيب”، فحسب موقع “وللا” الإخباري الإسرائيلي أخذ جدول أعمال القمة الثلاثية بالاعتبار القضايا التي تهم “إسرائيل” بوصفها أحد أطراف التحالف الإقليمي.

يقول المعلق السياسي لموقع “وللا”، أمير تيفون، أن القاسم المشترك لدول التحالف الرباعي هو الرغبة في محاصرة تركيا وتقليص نفوذها، إذ يُنظر إليها من قِبل الدول الأربع على أنها “دولة عدو”، حيث توافق قادة الدول الأربع على تعزيز التنسيق في مجال الأمن ومكافحة الإرهاب والتعاون الاقتصادي، وكان وزير أمن الاحتلال الإسرائيلي موشيه يعالون، قد دعا أخيرًا لطرد تركيا من حلف شمال الأطلسي بسبب دعمها لـ”الإرهاب”. وزعم أن تركيا منحت حركة “حماس” قاعدة للعمل على أراضيها، معتبرًا أن عددًا من العمليات التي نفذتها الحركة خلال العامين الماضيين تمت بأوامر من قيادات حمساوية موجودة على الأراضي التركية.

من جانبه، يشير المعلق السياسي لصحيفة “هارتس”، براك رافيد، إلى أن المؤسسة الأمنية والعسكرية اليونانية مارست ضغوطًا كبيرة على المستوى السياسي في أثينا للتعاون مع “إسرائيل” بعد توتر العلاقات بينها وبين تركيا، بسبب الصراع المتواصل بين الدولتين الجارتين حول مستقبل جزيرة قبرص.

ويشير السفير الإسرائيلي السابق لدى صوفيا، نحجال جانلر إلى أن معظم دول البلقان تكن مشاعر معادية لتركيا، كونها وقعت تحت الحكم التركي المباشر لأكثر من خمسة قرون، أثناء عهد الخلافة العثمانية. ويعتبر أن تنامي الإسلاموفوبيا في أوروبا جعل الكثير من النخب في أوروبا تشعر بتضامن مع “إسرائيل” في مواجهتها العالم الإسلامي، وضمنه تركيا.

ماذا عن مشروع استغلال مصادر الغاز الطبيعي في حوض المتوسط بين اليونان ودولة الاحتلال؟

قضية أخرى، تتعلق بالعلاقات اليونانية الإسرائيلية، وهي قضية توريد الغاز، فمؤخرًا وفي إطار القمة الأخيرة التي جمعت بين كل من قادة قبرص ومصر واليونان تم التوافق على تطوير استغلال مصادر الغاز الطبيعي في حوض المتوسط، وذلك بالتنسيق مع دولة الاحتلال وهو اتفاق موجّه بشكل أساسي ضد أنقرة في السياق الإسرائيلي (حسب موقع “واللا” الإسرائيلي).

وقال نتنياهو قبل أيام: “يهمنا استخراج الغاز، يجب علينا أن نجد نقطة التوازن الصحيحة بين احتياجات الاقتصاد الإسرائيلي والحاجة لضخ استثمارات أخرى وما تتضمنه من تنافس، طلبت من وزير الطاقة أن يعرض أسعار الغاز في إسرائيل مقارنة بمثيلاتها في دول ” OECD” وسنعمل كل ما هو مطلوب لاستمرار تقدم ونمو الاقتصاد الإسرائيلي وتأمين الغاز الذي يحتاجه الاقتصاد باستمرار وبشكل متواصل ولا يوجد أي مصلحة أخرى يمكنها أن تؤثر علينا”.

ويشير المحلل الإستراتيجي اليوناني إيفريبيذيس تساكيريذيس أن التعاون في نقل الغاز الطبيعي سيرتبط بمسيرة سعر البيع في أوروبا وهامش الربح الذي سيضمنه للأطراف ذات الصلة. وقال إنه من المتوقع أن يكون هناك تعاون في موضوعات إستراتيجية وأمنية، مثل حماية نظام التنقيب وتوزيع الغاز الطبيعي ومراقبة المناطق البحرية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد