في الآونة الأخيرة فؤجي العراقيون بانتشار مقطع فيديو يظهر فيه عددًا من الشباب الملثمين يقتحمون مركزًا للتدليك في العاصمة العراقية بغداد. قام الشباب الذين كانوا يرتدون قمصان باللون الأسود، مكتوب عليها: «ربع الله»، أي: أصحاب الله، أو جماعة الله، بتكسير المركز والاعتداء بالضرب على جميع المتواجدين به من زبائن، وعاملين، وموظفات، بحجة أن المركز يعمل في تسهيل الدعارة. 

أثار الفيديو السابق ذكره استياء قطاعات واسعة من الشعب العراقي، خاصة أنها لم تكن الحادثة الأولى لجماعة «ربع الله»؛ ففي نهاية شهر أغسطس (آب) الماضي، وبينما كان العراقيون الشيعة يحتلفون بذكري مقتل الإمام الحسين بن علي، الإمام الثالث لدى الشيعة، أو ما يعرف بمناسبة «عاشوراء»، قامت قناة «دجلة» التلفزيونية الفضائية العراقية ببث الأغاني؛ ما أثار غضب هذه الجماعة، فتجمهر أعضاؤها أمام مبنى القناة.

لم يكتف أعضاء جماعة «ربع الله»، بالاحتجاج السلمي أمام القناة، بل قاموا باقتحام مبنى القناة، وتخريب كل الممتلكات الموجودة بمقر القناة، ومن ثم أشعلوا النيران بالمبنى، وأصبح الصحافيون والعاملون بالقناة مهددين بالقتل والتشريد.

كذلك أقدمت جماعة «ربع الله» على إضرام النيران في مكاتب الحزب الديمقراطي الكردستاني ببغداد في شهر أكتوبر (تشرين الثاني) اعتراضًا منها على تعليقات هوشيار زيباري، العضو البارز في الحزب، والذي انتقد دور الفصائل المسلحة الشيعية في العراق.

«ربع الله» واستهداف محلات الخمور

في الحوادث السابق ذكرها، من الممكن أن يتبادر إلى ذهن المرء أن الأمر مجرد مجموعة من الشباب تملكهم الغضب والحماسة، وقدموا بشكل عشوائي على ارتكاب تلك الأفعال.

لكن هذه ليست الحقيقة، فخلال شهري نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) 2020 شهد العراق حملة ممنهجة تستهدف محلات بيع الخمور والنوادي الليلية في العاصمة بغداد، كانت جماعة «ربع الله» تقف وراءها، بالرغم من عدم إعلانها الأمر صراحة في كثير من المرات.

عربي

منذ 11 شهر
مترجم: عام على احتجاجات العراقيين ضد النظام.. ماذا تغير؟

على سبيل المثال لا الحصر في 15 ديسمبر تناولت تقارير إعلامية محلية أخبارًا تفيد باستهداف مجموعة مجهولة لأربع محلات خمور في مناطق متفرقة ببغداد عن طريق زرع العبوات الناسفة.

وفي بداية شهر ديسمبر الجاري استُهدِف متجر لبيع الخمور في حي الزيونة، شرق بغداد، وبعدها بأيام قليلة تم استهداف ملهى ليلي في شارع أبو النواس الشهير في بغداد.

كل هذه الهجمات في فترة زمنية قصيرة كانت بلا استجابة تذكر من قبل قوات الأمن العراقية، سواء القليل من دوريات الشرطة لتأمين المتاجر؛ مما جعل جماعة «ربع الله» تصدر بيانًا، تطالب فيه قوات الأمن بالابتعاد عن متاجر الخمور لمواصلة استهدافها حتى يتم «تطهير أرض بغداد من القذارة»، بحسب البيان.

وزارة الداخلية: إغلاق المتاجر بدلًا عن محاسبة المهاجمين

في غضون ذلك أغلقت وزارة الداخلية عشرات المتاجر الخاصة ببيع الخمور في العاصمة العراقية بغداد، فضلًا عدد من الملاهي الليلة بدعوى أنها غير مرخصة، حاول «ساسة بوست» التواصل مع وزارة الداخلية العراقية للاستفسار أكثر عن الهجمات الأخيرة، لكن لم يجبنا أحد، غير أننا استطعنا التواصل مع مصدر أمني داخل الوزارة وافق على التحدث لـ«ساسة بوست» شريطة عدم ذكر اسمه؛ لأنه غير مخول له الحديث لوسائل الإعلام.

يقول المصدر لـ«ساسة بوست»: «الجميع يعرف من يقف وراء ربع الله، والجميع يعرف أسبابهم لشن هذه الهجمات، ولكننا بصراحة شديدة لا يمكننا فعل شيء».

لكن ماذا عن إغلاق وزارة الداخلية لعدد من متاجر الخمور والنوادي الليلية في مثل هذا التوقيت؟ هل الإغلاق كان بدافع الحماية، والعجز عن صد الهجمات؟ يجيب المصدر الأمني عن هذا السؤال قائلًا: «لماذا برأيك؟ الأمر واضح، بالتأكيد لحمايتهم، ومنع قتل أي مواطن عراقي، أنا شخصيًا كنت ضد إغلاق المتاجر والنوادي؛ لأنه سيظهر الوزارة بموقف ضعيف للغاية، لكن ما باليد حيلة».

لكن.. ما هي جماعة «ربع الله»؟

لم يحتج العراقيون إلى وقت طويل لمعرفة ما هي جماعة «ربع الله»، فبالتأكيد هم بعض المنتسبين إلى الفصائل المسلحة الشيعية، والتي كثيرًا ما اصطدمت بالعراقيين في الأونة الأخيرة، وبالتحديد في أعقاب مظاهرات أكتوبر 2019 بعد استهداف المتظاهرين، وتوجيه أصابع الاتهام إلى عدد من الفصائل المسلحة الموالية لإيران في استهداف واغتيال العديد من النشطاء السياسيين في العراق، الاستهداف الذي لم يزل قائمًا حتى الآن.

في ذروة استهداف متاجر الخمور والنوادي الليلي كتب أبو علي العسكري، أحد قادة كتائب حزب الله العراقية على «تويتر» يصف سعادته بأفعال «ربع الله» الأخيرة، قائلًا: «أسعدنا صوت تخريب متاجر الخمور، بوركت أياديكم الطاهرة».

كما وصف العسكري الأمر بأنه لا يقل أهمية عن مواجهة وقتال أعضاء «تنظيم الدولة الاسلامية (داعش)»، الذي بالمناسبة كان يستهدف محلات الخمور، والملاهي الليلية، والمطاعم، في العراق في ذروة سيطرته على البلاد عام 2014.

يربط البعض جماعة «ربع الله» بكتائب حزب الله العراقية، وهناك من يربطها برجل الدين الشيعي البارز والسياسي مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، خاصة أن أنصاره في آخر مظاهرات لهم في شهر نوفمبر قاموا بإحراق مجسمات زجاجات كحولية، وأعلن الصدر أنه يجب إنهاء بيع، وتناول الخمور في العراق.

جانب من مظاهرات أنصار الصدر، المصدر: وسائل التواصل الاجتماعي

حاول «ساسة بوست» التواصل مع أحد أعضاء جماعة «ربع الله»، ووافق أحد الأشخاص المنتسبين إلى هذه الجماعة في البداية، لكن بعد أيام متواصلة من الاتصال به يبدو أنه عدل عن موافقته، ورفض الحديث، لكنه لم يبخل علينا بترشيح شخص آخر من الجماعة، بدعوى أنه أجدر منه بالحديث لوسائل الإعلام.

يقول عضو جماعة «ربع الله»، في حديثه لـ«ساسة بوست»، شريطة عدم الكشف عن هويته: «نحارب المنكر والفجور، أرض العراق طاهرة، ويجب ألا تتواجد عليها الخمور، والرقص، وكل مظاهر الفسق».

وبسؤاله لماذا تلجأ جماعته إلى استخدام العنف، من أجل تحقيق غايتها؟ أجاب «لا يوجد لدينا قانون، ولا توجد سلطة لتنفيذ القوانين، غير أن النهي عن المنكر جزء من المقاومة الإسلامية، هذا دورنا».

لم يفصح عضو جماعة «ربع الله» عن إلى أي فصيل مسلح تنتمي جماعته، قائلًا: «جميعنا جنود للحق، وجميعنا جنود للمقاومة الاسلامية».

يصف الناشط السياسي العراقي غيث حميد الأمر بأنه تدوير لأفعال تنظيم (داعش)، فيقول لـ«ساسة بوست»: «الميليشيات والأحزاب سيطروا على كل شيء في العراق، ويريدون الآن السيطرة على حريات الناس، مثلهم مثل داعش التي كانوا يحاربونها منذ سنوات».

و«شباب الشريعة» تستقطب الشباب!

على ما يبدو أن جماعة «ربع الله» ليست الوحيدة على الساحة الآن؛ فقد شهد العراق في الأشهر القليلة الماضية ظهور مجموعات من الجماعات المسلحة الجديدة، والتي أعلنت أنها غير تابعة للحشد الشعبي العراقي، وأعلنت مسئوليتها عن الكثير من الهجمات التي استهدفت القوات الأمريكية في العراق.

وعلى الجانب الآخر ظهرت أيضًا مجموعة شبابية لحماية الشريعة، ففي شهر نوفمبر الماضي، وبمناسبة ذكرى المولد النبوي، أُعلن عن تأسيس جماعة «شباب الشريعة»، لخدمة المجتمع، وتقويم مسار الشباب العراقي، كما وصفت الجماعة نفسها في حفل تأسيسها، وتزامن ظهور هذه الجماعة مع حملات تدعو النساء إلى الالتزام بالزي الإسلامي، وعدم وضع المكياج، وعدم الاختلاط أيضًا.

في حديثها لـ«ساسة بوست»، تقول الناشطة النسوية نور، والتي اكتفت بذكر اسمها الأول فقط، «هناك اتجاه متزايد لتطبيق النموذج الإيراني الإسلامي في العراق، يحاولون حتى منع الشباب من التجمع في المطاعم والمقاهي، أنا قلقة على مستقبل العراق».

كان من الجدير بالملاحظة في حفل تأسيس جماعة «شباب الشريعة» المحاولات الكبيرة لاستقطاب الشباب لهذه الجماعة، فقد قاموا المسئوليون فيها بتوزيع هدايا نقدية على عدد من الشباب، كما أنهم قدموا مركبة «التوك توك» للمئات من الشباب. وينتشر «التوك توك» في العراق كوسيلة مواصلات رخيصة، كما أنه فرصة عمل معقولة إلى حد ما وسط أزمة البطالة التي يعيشها العراق.

يقول غيث حميد لـ«ساسة بوست»: «إنهم يقدمون الرشاوى للشباب الفقير، مستغلين الأزمة الاقتصادية التي يمر بها العراق، والذين هم جزء أساسي منها، تجب مراقبة هذه الجماعات الجديدة بحذر شديد في الأيام المقبلة».

الشعب العراقي و«المزاج العلماني»

الهجوم على متاجر الخمور والملاهي الليلية ليس بالأمر الجديد على العراقيين، لقد مروا بفترات طويلة من تحكم الفصائل المسلحة في نمط حياتهم.

فى السبعينات وحتى أوائل التسعينات كان العراق البلد الأكثر انفتاحًا وعلمانية وسط دول الخليج المجاورة، وكان تداول الخمور والملاهي الليلية يحظيان بحرية كبيرة، على الرغم من أن العراق بلد ذو غالبية مسلمة، ولا تعني هذه الحرية أن جميع العراقيين يشربون الكحول، إلا أن الأمر كان متروكًا لحرية المرء.

وصل انفتاح العراق في هذه الفترة الذهبية من تاريخه إلى حد أن الشباب الكويتي كانوا يعبرون الحدود من الكويت إلى محافظة البصرة لتناول الكحول الممنوع تداوله في بلادهم.

Embed from Getty Images

لكن الأمور لا تسير بوتيرة واحدة في كثير من الأحيان؛ فبعد هزيمته الكبرى بعد غزو الكويت حاول الرئيس العراقي صدام حسين العمل على توطيد سلطته بكسب ثقة الجماعات الإسلامية آنذاك، فقرر منع تناول الخمور في المطاعم، وحظر على المسلمين بيع الخمور، واقتصر الأمر، على الأقلية المسيحية، التي ظلت تعمل في بيع الخمور إلى يومنا هذا.

بعد الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003 انقلبت أحوال البلاد رأسًا على عقب، ومرت البلاد بحالة من الاقتتال الطائفي بين السنة والشيعة، وصلت إلى ذروتها في عام 2006، وكان تنظيم القاعدة في العراق يستهدف محلات الخمور والنوادي الليلة باستمرار؛ مما دفع أصحاب المتاجر إلى غلق أبوابها.

بعد أن بدأت موجة الاقتتال الطائفي في الانحسار بدأت متاجر الخمور والنوادي الليلية بحلول عام 2008 تعود على استحياء رويدًا رويدًا، وبدأ العراقيون يتمتعون بقدر قليل من الحرية.

تقول الناشطة في مجال حقوق المرأة، السيدة نور لـ«ساسة بوست»: «في هذه الفترة بدأت الحياة تعود إلى طبيعتها ببطء، فشاهدنا افتتاح المطاعم والمقاهي إلى حد ما في بغداد، بدأت النساء في التخلي عن العباءة السوداء، والزي الإسلامي الصارم، وقتها كنت تستطيع أن ترى النساء تسير بمفردهن في الشوارع لأول مرة بعد الأحداث الطائفية المؤلمة».

سنوات قليلة وبدأ تنظيم «داعش» في الظهور، إلى أن سيطر على مساحات شاسعة من العراق في عام 2014، ثم عادت التفجيرات إلى العاصمة، وعاد القتال في أغلب المحافظات العراقية.

ظل العراقيون محاصرون بكل هذا التهديد إلى أن تم القضاء على تنظيم «داعش» في عام 2017، وعام 2018، بدأت الحياة تعود إلى طبيعتها، وبدأ العراق في استعادة الحياة.

حينها أراد العراقيون الخارجون من دوامة الحروب والاقتتال الطائفي انتهاز كل الفرص من أجل العيش بشكل طبيعي، فشهد العراق، وخاصة العاصمة بغداد، عودة افتتاح محلات الخمور، وعودة الملاهي الليلة إلى العمل، وافتتاح العديد من المطاعم والمقاهي، وبدأ الناس في الخروج والاستمتاع بأوقاتهم في هذه الأماكن.

Embed from Getty Images

حينها حاولت الفصائل المسلحة العراقية السيطرة على المزاج العلماني الذي بدأ يطفو على السطح في العراق، لكنهم كانوا يطمحون في دور أكبر سياسيًا، فتركوا الناس يفعلون ما يشاءون.

لكن الأمر آنذاك لم يسلم من بعض المناوشات، ففي عام 2018 ظهرت حملة لم يعرف بالتحديد من الذي يقف وراءها، تدعو النساء إلى الالتزام بالحجاب والزي الإسلامي، ومنع الاختلاط، وتحريم الغناء والأجواء الاحتفالية في البلاد.

حدث هذا الأمر بعد أن تمكنت الفصائل المسلحة من لعب دور كبير في السياسة العراقية، من خلال السيطرة على عدد من المقاعد في البرلمان العراقي، بالتحالف مع أحزاب الإسلام السياسي.

قانون حظر الخمور في العراق والمكاسب غير المُعلنة من ورائه

بالعودة إلى جماعة «ربع الله»، والجماعات المماثلة لها، فهناك من لم يقتنع بالأهداف المعلنة من وراء هجماتها على متاجر الخمور، وذهب البعض إلى التكهن بأن الجماعة المنبثقة من أقوى الفصائل المسلحة الشيعية في البلاد تهدف إلى مصلحة أخرى من وراء استهداف متاجر الخمور والنوادي الليلية.

تحدث البعض عن قيام جماعة «ربع الله» بتخويف أصحاب المحال والنوادي الليلة لفرض إتاوات عليهم، والاستفادة ماديًا من تواجدهم في العراق، يقول مصدر أمني عراقي لـ«ساسة بوست»: «لا أستبعد الأمر؛ فقد حدث من قبل في السنوات الماضية».

هذا الجدل المثار حول الهدف الأساسي من أفعال جماعة «ربع الله» يذكرنا بالجدل الذي أثير حول قانون منع الخمور، الذي أصدره البرلمان العراقي عام 2016، عندما كانت البلاد تواجه خطر تنظيم «داعش»، وكان هناك العديد من المعارك الدائرة في المحافظات العراقية؛ قرر النواب العراقيون تمرير قانون لحظر الخمور في العراق.

حينها انتقد المكون المسيحي في البرلمان القرار؛ باعتباره إهدارًا لحقوق الأقليات الدينية في العراق، وذهب الآخرون إلى مناقشة محاولات البرلمان والأحزاب السياسية إلى أسلمة الدولة.

لكن هناك من رأى أن الهدف من وراء القانون رغبة الفصائل المسلحة والأحزاب السياسية الموالية لها، باستغلال المنع والاستفادة من التهريب لكسب الأموال، خاصة أن البلاد وقتها كانت تمر بأزمة مالية.

سياسي سابق في حزب الدعوة، أحد أكبر الأحزاب السياسية الشيعية في العراق، تحدث لـ«ساسة بوست» عن هذا الأمر مفضلًا عدم الكشف عن هويته، قائلًا: «النواب كانوا يعلمون أن منع الخمور، سينعش السوق السوداء لها، وبالتالي هناك الكثير من الفصائل المسلحة التي تسيطر على المعابر، ستستفيد من هذا الأمر»، وجدير بالذكر أن القانون لم يتم تطبيقه إلى يومنا هذا، وكان مجرد محاولة فاشلة.

في النهاية يمكن القول إن الأمر أوسع من استهداف متاجر الخمور، أو قانونين لمنع تناولها؛ فالعراقيون الذين عانوا ويلات الحروب، والطائفية، والأزمات الاقتصادية، والفساد، يريدون العيش بشكل طبيعي، وكما يشاؤون، دون أن يملي عليهم أحد طريقة عيشهم، أو يكدر صفوها.

منطقة الشرق

منذ سنة واحدة
هل تغرب شمس «الحشد الشعبي» في العراق؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد