ما أن ينال الاحتلال الإسرائيلي من المسجد الأقصى بأي من اعتداءاته حتى تتصاعد المطالب الرسمية والشعبية العربية والإسلامية للمملكة الهاشمية الأردنية بتحمل مسئوليتها كونها “وصية” على المسجد الأقصى ، فتلك الوصاية تجعل المسجد الأقصى تابعًا للسيادة الأردنية ومن ثم يتحمل الأردن مسئولية حماية المسجد أمام الاعتداءات الإسرائيلية.

مؤخرًا، وصلت حدة الاعتداءات الإسرائيلية إلى حد إغلاق المسجد الأقصى أمام المصلين لأول مرة منذ احتلت القدس عام 1967، وامتصاصًا للغضب الشعبي اضطرت الأردن لاستدعاء سفيره في دولة الاحتلال وليد عبيدات كأول ردة فعل من نوعها من قبل عمان منذ تعيينه عام 2011، وعادت لهجة المسؤولين الأردنيين لتتحدث بوضوح عن “التصعيد” ضد إسرائيل .

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

للوقوف على آلية الوصاية الأردنية على الأقصى و الموقف الشعبي والفلسطيني والإسرائيلي منها، تطرح “ساسة بوست” عدة تساؤلات :

متى بدأت الوصاية وما هي بنودها ؟

بدأت السيادة الأردنية على المسجد الأقصى منذ “بيعة الشريف”، عام 1924، وتنقلت في سنوات لاحقة لقيادات محلية فلسطينية، لكن بعد حرب عام 1948، وعندما أصبحت الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية تابعة للحكم الأردني، عادت الوصاية أردنية بلا منازع، وأعلن الحاكم العسكري الأردني استمرار سريان القوانين والتشريعات الأخرى المطبقة في فلسطين دون أن تتعارض مع قانون الدفاع عن شرق الأردن لعام 1935.

وبعد عام واحد (1949) أعادت الإدارة المدنية الأردنية نظام الحكم المدني إلى الضفة الغربية بموجب قانون الإدارة العامة على فلسطين، وفي عام 1950، تم توحيد الضفتين الغربية والشرقية لنهر الأردن رسميًا، كما تم التأكيد على استمرار سريان القوانين السارية المفعول في الضفة الغربية في نهاية فترة الانتداب البريطاني إلى حين استبدالها بقوانين أردنية.

وظل ذلك ساريا حتى 1967، أي عندما احتلت إسرائيل القدس (الشرقية). غير أن هذا الاحتلال لم يمنح إسرائيل أي حقوق ملكية، لأن القاعدة المؤسسة جيدا في القانون الدولي تنص على أن الاحتلال لا يستطيع منح حقوق للملكية، ولمبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة ووجوب انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في حرب يونيو (حزيران) 1967 كما ورد في قرار مجلس الأمن رقم 242، وبناء عليه، وبعد مرور مدة قصيرة من سيطرة إسرائيل على الحرم القدسي الشريف، تم نقل السيطرة إلى الأردن مجددا.

وتشرف وزارة الأوقاف الأردنية على غالبية موظفي المسجد ومرافقه ضمن 144 دونما، تضم الجامع القبلي ومسجد قبة الصخرة، وجميع مساجده ومبانيه وجدرانه وساحاته وتوابعه فوق الأرض وتحتها والأوقاف الموقوفة عليه أو على زواره، وذلك بالتعاون مع وزارة الأوقاف الفلسطينية.

أما بالنسبة إلى المقدسات المسيحية فقد منح الهاشميون خلال فترة حكمهم للضفة الغربية من 1967 – 1952 الحرية المطلقة للطوائف المسيحية المختلفة لصيانة وإعمار كنائسهم وأديرتهم. وتم إعمار كنيسة القيامة خلال العهد الهاشمي وقبل الاحتلال الإسرائيلي في عام 1967 إعمارا شاملا شمل القبة والجدران.

كيف ينظر الشعب العربي إلى الدور الأردني في حماية المقدسات ؟

يثير موقف الأردن المقتصر على الإدانة والتنديد تجاه أحداث المسجد الأقصى غضب الشعوب العربية التي تعتبر مواقفه لا  تتناسب مع حجم الفعل الإسرائيلي الخطير، ولا  تؤدي إلى ردع الاحتلال  أو دفعه إلى التراجع عن ممارساته ومحاولات تهويده للقدس والمسجد الأقصى، بل إنه يتمادى ويتصاعد بوتيرة عالية ضاربا بعرض الحائط كل المعاهدات والاتفاقيات والتفاهمات.

مؤخرا، دشن ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي اليوم، هاشتاج ( #‏وصي_على_بيتزا ) للسخرية من فعالية الوصاية الأردنية على الأقصى وانتقد النشطاء الصمت الأردني الرسمي حول جرائم قوات الاحتلال في المسجد الأقصى متسائلين عن الدور الرسمي الأردني في حماية المقدسات في المسجد الأقصى، من الاعتداءات الصهيونية المتكررة.

كما تحمل العديد من الشخصيات الإسلامية في المجتمع العربي الأردن المسئولية عمَّا يجري في الأقصى، يقول القيادي في جماعة الإخوان المسلمين سعود أبو محفوظ :” “أشعر أن اتفاقيتي “أوسلو” و”وادي عربة” ألقتا القدس من الشباك، وأسستا لعدم عودة اللاجئين ولضياع الأقصى”، ويتابع أبو محفوظ: “لدى الأردن آلاف أوراق القوة للضغط على الاحتلال الصهيوني، فلتضع الحكومة يدها بيد الشعب للعمل سوياً، فستعجز الاحتلال، الذي هو أوهن من بيت العنكبوت”. ووصف أبو محفوظ  الوصاية الأردنية بأنها: ” تحولت إلى وصاية شرفية، لا تدفع ولا تمنع”.

كما قال مقرر لجنة فلسطين في مجلس النواب الأردني عبد المجيد الأقطش :”إن دفع رواتب موظفي المسجد الأقصى وبعض الحراس وفرش المسجد من قبل الأردن لا يكفي، بل إنه يجب تأمين الحماية للمسجد من محاولات المتطرفين الصهاينة أن يقوموا بتدنيسه واقتحامه وإلحاق الضرر بمرافقه، وعدم منع المسلمين من الصلاة في الأقصى” .

هل تسعى دولة الاحتلال لسحب الوصاية من الأردن ؟

تعترف دولة الاحتلال الإسرائيلي التي وقَّعت معاهدة مع الأردن في 1994 بإشراف المملكة الأردنية على المقدسات الإسلامية في مدينة القدس. كما أنه يلزمها إعلان واشنطن الذي ينص على تعهد “إسرائيل” باحترام الدور الأردني في الأماكن المقدسة في القدس الشريف، ناهيك عن اتفاقية “وادي عربة” التي تؤكد على الوصاية الأردنية.

ورغم كل ما سبق من التزامات إسرائيلية موقعة إلا أن الكنيست الإسرائيلي ناقش قبل أقل من شهر قرار قدمه النائب اليميني المتطرف موشيه فيغلين يطالب فيه بنقل السيادة على المسجد الأقصى من الحكومة الأردنية إلى الحكومة الإسرائيلية ، حيث يري فيغلين أنه :”حين نهرب عن جبل الهيكل (الأقصى) فإننا نفقد شرعية وجودنا في تل أبيب، لا معنى لوجودنا هنا من دون هذا المكان”.

ورغم فشل الكنيست الإسرائيلي في التصويت على سحب الوصاية الأردنية إلا أنه على الأقل أخضع الأمر للنقاش، ووعد رئيس الكنيست يولي أدلشتين بالتصويت على الأمر مرة ثانية في وقت غير محدد .وردًا على هذا الموقف حذرت المملكة الأردنية, ومؤسسات فلسطينية رسمية الاحتلال من تداعيات سحب السيادة الأردنية عن المسجد الأقصى المبارك ، كما أكدت مصادر مطلعة أن عمان ترى في ما تقوم به دولة الاحتلال في القدس تهديدا لأمنها القومي ، وقال وزير الدولة الأردني لشؤون الإعلام والاتصال محمد المومني أن بلاده ستراجع كل بنود العلاقات الثنائية بينها وبين “إسرائيل” بما فيها اتفاقية السلام الموقعة عام 1994 ، وذلك إن استمرت إسرائيل في عدم احترام الاتفاقيات الثنائية ومنها الوصاية الهاشمية على القدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية” .

ويرى  المختص في قضايا القدس عبد السلام عواد أنه بالمدى المنظور من الصعب جدا سحب السيادة لأن هذا سيؤدي إلى إشكاليات سياسية ودبلوماسية بين الحكومة الأردنية والإسرائيلية، ويضيف: “في حال تم سحب السيادة سيتشكل هذا خطرًا كبيرًا على الأقصى وذلك بمثابة خطوة خطيرة جدا تجاه المدينة المقدسة بشكل خاص والقضية الفلسطينية بشكل عام”.

ما هي العلاقة  بين السلطة الفلسطينية والأردن حول هذه الوصاية ؟

كثيرًا ما ناضلت منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية من أجل فك الارتباط مع الأردن باعتبارها ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني. وتحت هذا الإلحاح  اتخذ الملك الراحل حسين بن طلال قرارا بفك الارتباط عام 1988 مع الضفة الغربية إداريا وقانونيا، وتم ذلك بطلب من الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات الذي أعلن في نفس الوقت قيام دولة فلسطين، لكنه رغم فك الارتباط أبقى الرئيس عرفات للملك حسين حق الوصاية على المقدسات بشكل شفوي، وبقي الحال على هذا الأمر حتى نهاية مارس (آذار) 2014 عندما قام  الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن)، بإعطاء العاهل الأردني عبد الله الثاني هذا الحق باتفاقية مكتوبة.

الاتفاقية التي فاجأت الكثير،  قالت عنها مصادر فلسطينية أن العاهل الأردني هو من طلب توقيع صك مكتوب بعد حصول فلسطين على اعتراف أممي بالدولة الفلسطينية وذلك من أجل تشكيل غطاء قانوني للطرفين وحتى يتمكن الطرفان من التحرك معا لحماية القدس عبر المؤسسات الدولية، ونقل عن وزير الأوقاف الفلسطيني آنذاك محمود الهباش القول :” إن الاتفاق كان دينيا صرفا ولا يحمل أي أبعاد سياسية مطلقا” مضيفا لـ”الشرق الأوسط” أن “الاتفاق أكد شيئا كان قائما منذ عام 1967 منذ احتلت إسرائيل القدس، حيث احتفظت الأردن بمسؤوليتها عن الأوقاف الإسلامية والمقدسات، وعندما قرر الملك الراحل الحسين بن طلال فك الارتباط (في عام 1988)، ظل (هذا الأمر) قائما، وبموافقة منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها ممثل الشعب الفلسطيني، والاتفاق الأخير يؤكد ذات المضامين وذات الأبعاد”.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد