هذا التقرير جزء من مشروع «الحج إلى واشنطن» لتغطية أنشطة لوبيات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة بين 2010-2020. ومعظم المعلومات الواردة في التقرير تستندُ لوثائق من قاعدة بيانات تابعة لوزارة العدل الأمريكية، تتبع لقانون «تسجيل الوكلاء الأجانب (فارا)»، الذي يلزم جماعات الضغط بالإفصاح عن أنشطتها وأموالها، وكافة الوثائق متاحةٌ للتصفح على الإنترنت.

بعد محاولة الانقلاب العسكري في تركيا عام 2016، سعت السلطات التركية لتقويض تنظيم فتح الله جولن، رجل الدين التركي وزعيم التنظيم المُتهم بالوقوف وراء محاولة الانقلاب، والمتهم ببناء «دولة موازية» داخل الدولة التركية، ولم تكن الحملة على التنظيم داخل تركيا وفقط، بل امتدت لتصبح مواجهةً عالميّة.

تواجد التنظيم في عدة دول أوروبية، وفي البلقان، وفي أفريقيا، لكن الولايات المتحدة كانت واحدة من أهم الدول التي نشط فيها التنظيم، وفيها أكبر سلسلة مدارس تابعةله بعد أن كانت السلسلة الأكبر في تركيا قبل الانقلاب.

في جزءٍ من الحملة، ضغطت تركيا على الولايات المتحدة لإغلاق مدارس التنظيم في الولايات المتحدة، مُتهمةً التنظيم بإدارة 200 مدرسة، يدرس فيها 81 ألف طالب أمريكي، وفي نفس الوقت منتفعةً من ملايين الدولارات التي تدفعها الحكومة الأمريكية من أموال دافعي الضرائب لتموّل هذه المدارس. فكيف يتمّ ذلك؟

في هذا التقرير نستعرض حملة الضغط التركية في الولايات المتحدة ضد هذه المدارس، ونستطلع أنشطتها وطبيعتها، والتهم الموجهة ضدها باختلاس المال العام.

مدارس جولن تمولها الحكومة الأمريكية؟

قصة المدارس المرتبطة بتنظيم جولن يمكن أن تخبرنا الكثير عن التنظيم وأنشطته وأسلوبه المثير في إدارة أذرعه التي يقدم من خلالها «الخدمة»، إحدى أهداف التنظيم الأساسية.

بدأ العمل على تأسيس هذه المدارس في 2007، بمهمة ورؤية التركيز على المواد العلمية والرياضيات وتقديم العلم بطريقة محفّزة للطلاب، ويذكر مسؤولو المدارس التزامهم بعدم إعطاء دروس دينية، وأن رؤيتهم في العمل مُنصبّة على تحسين أداء الطلاب الأمريكيين في المواد العلمية والرياضيات.

تركيا

منذ شهر
اللوبي التركي في واشنطن.. هكذا وظف مستشار الأمن القومي لترامب

وصممت المدارس لتعمل في إطار نظام المدارس المستقلّة، ما يعني أنها تُؤسَّس من أفراد مستقلين من معلمين، أو خبراء، أو حتى من الأهالي، وتقوم إدارة المدارس بتصميم برامجها التعليمية باستقلالية كبيرة عن الحكومة الأمريكية، ولا تتبع هذه المدارس لجهة حكومية، وأسست مؤسسات مرتبطة بتنظيم جولن 136 مدرسةً في الأعوام بين 2010 و2017، وفقًا لشبكة «سي بي أس» التلفزيونية الأمريكية.

ورغم كونها مدارس غير حكومية، فإنها تحظى بتمويلٍ كبير من الحكومة الأمريكية عبر برامج مانحة تقرها الحكومة. وعلى كل حال تأخذ هذه المدارس تمويلًا أقل من تمويل المدارس الحكومية التابعة مباشرةً لوزارة التعليم، وفي المقابل تتمتع المدارسة بمرونة أكبر في أسلوب تعليمها وإدارتها.

وفي مارس (أذار) 2019 صرَّح وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، أنّ التنظيم يكسب من الأموال الأمريكية الممنوحة للمدارس 800 مليون دولار سنويًا، وبتحصّل على 200 مليون من التبرعات، ووفقًا لتقديرات شبكة «سي بي أس»، أخذت المدارس ما يزيد عن مليارين و100 مليون دولار خلال السنوات بين 2010 و2017.

تركيا تنفق أكثر من مليوني دولار لملاحقة مدارس جولن

في 28 أغسطس (آب) 2015، استعانت السفارة التركية في واشنطن بشركة «أمستردام آند بارتنرز – Amesterdam & Partners»، وهي شركة قانون ومحاماة دولية، لتبدأ العمل على تحقيق موسّع بشأن تنظيم جولن وأنشطته في المجال التعليمي، وتحديدًا المدارس، في الولايات المتحدة.

فتح الله جولن، رجل الدين التركي الذي تتهمه تركيا وتنظيمه بالوقوف وراء محاولة الانقلاب العسكري عام 2016. مصدر الصورة: يوتيوب

بحثت الشركة واستقصت وراء المدارس المتهمة بالارتباط بتنظيم جولن في 26 ولاية أمريكية، وخلصت إلى أن عدد هذه المدارس يفوق 200 مدرسة، يدرس فيها 81 ألف طالب أمريكي، وعملت على توثيق تُهم باستخدام المدارس لغسيل الأموال لصالح تنظيم جولن، والانتفاع من أموال الضرائب المقدّمة من الحكومة للمدارس.

ولم تكن هذه المرة هي الأولى التي تُثار فيها هذه المساءلات القانونية بشأن أنشطة مدارس التنظيم.

في 2011 أثارت المدارس شكاوى مختلفة، أكبرها استقدام أعداد كبيرة من المعلمين والإداريين الأتراك من تركيا ليعملوا في أمريكا؛ مما دفع وزارة العمل الأمريكية للتحقيق في تهم استغلال برنامج التأشيرة الخاصة لدخول أمريكا وسيلةً لإدخال أعضاء التنظيم للبلاد. تتهم الشركة التنظيم باستقدام 6 آلاف و500 تركيّ للولايات المتحدة بهذه الطريقة.

تستقدم المدارس بعض طواقمها على تأشيرة دخول من نوع «إتش ون بي H-1B»، وهي تأشيرة مخصصة فقط للعمالة ذات المهارة العالية التي لا تتوفر في السوق الأمريكي، فتتطلب القوانين الأمريكية أن يُدفع لهم رواتب أعلى من بقية الأساتذة، ويذكر أحد المختصين بقانون التأشيرة أنها بوّابة للوصول للإقامة الدائمة الأمريكية.

تذكر بعض المصادر كذلك أن المدارس تطلب لاحقًا من هؤلاء المعلمين دفع جزء من رواتبهم على شكل تبرعات للتنظيم ومؤسساته.

وفي العام نفسه، كتبت صحيفة «نيويورك تايمز» عن المدارس لتسأل عن طبيعة استخدامها للمال العام الأمريكي، وإذا ما كانت المدارس تعيد تدوير الأموال لتنتفع منها شركات وأعمال تابعة لتنظيم جولن مباشرةً، أو لأتباع جولن.

وتذكر الصحيفة أن مشاريع بناء المدارس بميزانياتها الضخمة ذهبت، جميعها، لشركات مقاولات يملكها أتراك، رغم توفّر عروض من شركات أمريكية بكلفٍ أقل، ويُذكر أن معظم المدارس يديرها أيضًا رجال ولدوا في تركيا.

وبين أعوام 2009 و2011، أوكلت المدارس مشاريع وعقود إعمار تفوق قيمتها 80 مليون دولار لشركات تركية، بينما تعاقدت مع شركاتٍ أمريكية بما قيمته مليون ونصف دولار فقط.

هذا السلوك بتمرير التعاقدات لشركات تركية، يملكها أو يديرها أفراد يتبعون للتنظيم، يتكرر في العقود الصغيرة، مثل عقود المدارس مع شركات تموين تقدم أغذية للمدارس. وفي عدة حالات، أثارت شركات تساؤلات حول طريقة اختيار المدارس للعقود، ففي بعض الحالات فازت شركات تركية بمعظم المناقصات، رغم أن الشركات الأمريكية تقدم عروضًا أقل كلفة.

في 2010، طرحت المدارس في ولاية تكساس مُناقصتين لمشروعات عقارية ووقع اختيارها على شركة ذات ارتباط بتنظيم جولن، على الرغم من أنَّ عرض هذه الشركة أعلى كلفةً من باقي الشركات، سبَّب الاختيار انتقادات من شركات بناء وعقارات محليَّة في الولاية وأثار تساؤلات حول آلية الاختيار، ونتيجةً لذلك قررت المدارس الردَّ بفتح تحقيق من خبراء هندسيين ليحددوا هل كان اختيار المدرسة هو الأفضل أم لا.

ولكن قرار اختيار المُحققين كان بيد المدارس، فاختارت اثنين كانا قد عملا سابقًا لصالح المدارس نفسها، وكانت نتيجة تحقيقهما أن المدارس اتخذت القرار الصحيح.

حملة إعلامية وقانونية وأهلية

شركة «أمستردام آند بارتنرز»، التي استأجرتها تركيا للعمل على ملف المدارس، تواصلت عشرات المرات مع شتى وسائل الإعلام الأمريكي بما فيها وسائل إعلام يمينية محافظة مثل «برايتبارت»، وتواصلت بشكل مستمر مع عشرات الجهات الإعلامية الأمريكية، منها صحف عريقة مثل «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست»، فضلًا عن قنوات تلفزيونية عدة، وحاولت بتواصلها الترويج للتحقيق، وإثارة الحديث عن المدارس وأنشطتها، وإذا ما كانت تخرق القانون الأمريكي.

كانت حملة شركة أمستردام ضد المدارس فريدة من نوعها وفي طريقة تنفيذها، فالشركة القانونية قدمت شكاوى قانونية للجهات القضائية المعنية في كل ولاية أمريكية، ثم تواصلت مع الادّعاء العام في هذه الولايات، ومع مسؤولي وزارة العدالة العاملين فيها، وحاولت التواصل مع حكام الولايات، أو عاملين بمكاتبهم لإطلاعهم على القضية.

وقامت في الوقت نفسه بالتواصل مع الجهات التعليمية الرقابية في كلٍّ من هذه الولايات لمناقشتهم بالشكاوى، أما على المستوى الشعبي، فاتجهت الشركة لتجمعات من الأمريكان الأفارقة أو ذوي الأصول اللاتينية، لتسوّق لهم كيف تحرم مدارس جولن أبناء هذه المجتمعات من فرص عمل تذهب لأتراك بدلًا عنهم، واستهدفت الشركة سلاسل المدارس بالتتابع من ولاية لأخرى.

روبرت أمستردام، محام دولي يعمل لصالح السلطات التركية، ويشرف على حملة ضغط لإغلاق مدارس تنظيم فتح الله جولن في الولايات المتحدة. المصدر: تويتر

ورغم نفي المدارس جميعها لأي تهم ارتباط بجماعة جولن أو محاباة أتباع الجماعة في العقود والصفقات أو حتى في التوظيف، إلا أن مجلة «بوليتيكو» نقلت عن ألب أصلان دوجان، المتحدث باسم جولن وأحد مستشاريه، قوله إن المدارس «بدأت بأفراد يميلون لحركة جولن»، وأنه يجب تقييم المدارس بأدائها.

توقفت الشركة عن تنفيذ خدمات ضغط سياسي في النصف الثاني من عام 2018، وتابعت أعمالها القانونية الصرفة لصالح تركيا، وخلال سنوات تعاقدها مع تركيا المستمرة منذ أغسطس 2015 وحتى الآن، تحصلت على 2 مليون و250 ألف دولار على الأقل لقاء خدماتها، وفقًا لوثائق الشركة في وزارة العدل الأمريكية.

مالك الشركة ومؤسسها روبرت أمستردام، كندي أمريكي، ومحامٍ دولي عمل في الأساس بمجال الطاقة، ويعمل لصالح تركيا في الشركة جون مارتن، وهو محام أمريكي عمل سابقًا في مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي، وفي وزارة العدل الأمريكية.

من وثائق شركة «أمستردام آند بارتنرز»، يظهر في الصورة تفاصيل اجتماعات لصالح اللوبي التركي، اجتمعت الشركة مع موظفين بمكاتب أعضاء بمجلس الشيوخ، ويُلاحظ أن الاجتماعات مع المستشارين القضائيين/ القانونيين لهؤلاء الأعضاء، أو مع مستشاريهم التشريعيين. المصدر: وثائق وزارة العدل الأمريكية.

والبيت الأبيض يضغط أيضًا!

في مطلع عام 2017 طلب مجلس الأمن القومي الأمريكي، ومجلس السياسات الداخلية من وزارة التعليم الأمريكية النظر في إمكانية قطع التمويل الحكومي للمدارس المرتبطة بتنظيم جولن. تأتي هذه الأموال من برنامج منحٍ حكومية تُعطَى للمدارس المستقلة، وهي مدارس ينشئها أفراد مستقلون عن الحكومة أو وزارة التعليم.

واقترح البيت الأبيض على الوزارة «التَقصِّي عما إذا كان جولن يقوم بغسيل أموال باستخدام المدارس، أو إن كان بإمكانهم المحاججة بأن ارتباط المدرسة بجولن يبلغ حد الانتماء الديني»، ومن ثم تُمنَع من تلقي التمويل.

تنقل وكالة «بلومبرج» أن وزارة التعليم رفضت المقترحين، نظرًا لأنَّ الحكومة تقدم تمويلًا لمدارس مسيحية أيضًا. ويأتي قلق وزارة التعليم من أن إغلاق المدارس، أو قطع التمويل عنها، قد يحرم طلابًا من ذوي الطبقات الأقل دخلًا من الدراسة.

وهنا يطلّ علينا رودي جولياني، الجمهوري البارز وعمدة نيويورك سابقًا الذي عملَ خلال السنوات الماضية مستشارًا قانونيًا ومحاميًا للرئيس الأمريكي المُنصرم دونالد ترامب، وتنقل صحيفة «واشنطن بوست» عن ضغطه الحثيث ضد جولن في البيت الأبيض وعلى ترامب، وتذكر الصحيفة أنّه ضغط ليُرسل البيت الأبيض مذكرةً عن المدارس وأنشطتها لوزير الخارجية آنذاك، ريكس تيلرسون، ولكن دون استجابة من تيلرسون.

وفيما قد يكون دلالةً على وجود خلاف في الرؤى داخل مؤسسات الدولة الأمريكية، جاء تصريح جيمس جيفري في 2018، وهو الدبلوماسي الأمريكي المخضرم والمختص بالشرق الأوسط، وتصريحه على خلاف الخط الأمريكي الرسمي في ملف جولن، قال جيفري بعد خروجه من منصبه الرسمي إن التنظيم «تهديد لعلاقتنا – أمريكا – بتركيا، ومن ثم للاستقرار بالشرق الأوسط، وتحدث عن الحاجة للتحقيق في التنظيم وأنشطته في تركيا وفي الولايات المتحدة»، وجيفري واحد من أهم الدبلوماسيين الأمريكيين، وكان سفيرًا في بغداد وأنقرة، وعمل بمكتب شؤون الشرق الأدنى في الخارجية الأمريكية لسنوات طويلة.

هذا التقرير جزءٌ من مشروع «الحج إلى واشنطن»، لقراءة المزيد عن «لوبيات» الشرق الأوسط اضغط هنا.

تركيا

منذ شهر
المطلب الأول على الأجندة التركية.. كيف ضغطت أنقرة في واشنطن لتسليم جولن؟

المصادر

تحميل المزيد