بعد عامين من التلميح إلى أن بريطانيا تعمل بهدوء من أجل إعادة تأسيس تواجد عسكري دائم لها في منطقة الخليج العربي، جاء الإعلان عن إقامة قاعدة عسكرية بريطانية على أرض البحرين غير مفاجئ.

هذه القاعدة التي أعلن عنها على هامش منتدى حوار المنامة ستصبح أول قاعدة عسكرية بريطانية في الشرق الأوسط منذ انسحاب بريطانيا من المنطقة عام 1971. وجاءت كما يقول بيان وزارة الخارجية البريطانية من أجل تعزيز التعاون في مواجهة التهديدات في المنطقة، كما أنه حسب وزير الخارجية البريطاني، فيليب هاموند: “من شأن هذه الترتيبات ضمان تواجد البحرية الملكية البريطانية في البحرين حتى المستقبل البعيد. فهذه القاعدة الجديدة توسيعًا دائمًا لمقر البحرية الملكية البريطانية، وسوف تتيح لبريطانيا إرسال سفن أكبر حجمًا وأكثر عددًا لتعزيز الاستقرار في الخليج. وبذلك سيكون لنا مجدد مقر في الخليج على الأجل الطويل”، فبموجب هذه الاتفاقية سيتم تحسين المنشآت الموجودة في ميناء سلمان في البحرين حيث توجد أربع سفن حربية بريطانية صائدة للألغام بشكل دائم.

ولا يتوقف النشاط العسكري البريطاني هنا، فقد كشفت تقارير إعلامية أن بريطانيا تعتزم بناء ثلاث قواعد عسكرية جديدة في الشرق الأوسط كجزء من استراتيجية مواجهة خطر التطرف بالمنطقة. وتشمل الخطة إقامة القواعد العسكرية الجديدة في كل من الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان والبحرين في إطار مشاركة تلك الدول للجهود الدولية في احتواء “التهديد الإرهابي” الذي يحيق بالمنطقة العربية.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

“ساسة بوست” تطرح في التقرير التالي نقاط هامة تتعلق بالتواجد العسكري البريطاني:

– ما هدف بريطانيا من إقامة هذه القاعدة العسكرية؟

يقول البريطانيون أن إقامة هذه القاعدة العسكرية جاء كجزء من استراتيجية بريطانيا لمواجهة التطرف وتأمين استقرار الأوضاع في الدول المعرضة لتهديد (داعش) لكونها صغيرة جدًّا، فـ”الوجود العسكري البريطاني سيمنع الجماعات الجهادية من توسيع مداها” كما يقول السفير البريطاني السابق لدى الأمم المتحدة جريمي غرينستوك، مضيفًا: “سيكون صعبًا على الخلايا الداخلية في البحرين والإمارات أو أي مكان التفكير بمواجهة الحكومة إن شاهدوا وقوف قوات مسلحة ومدربة مع الحكومة”.

وتذكر صحيفة (التايمز) أن بريطانيا تعمل من أجل احتواء تهديد الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، فوجود قواعد عسكرية جديدة لبريطانيا في دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين وسلطنة عُمان، سيمكّن قواتها المسلحة من إجراء المزيد من المناورات مع الجيوش الصديقة في المنطقة كجزء من خطة طويلة الأجل لتأمين الاستقرار في منطقة باتت تشكل تهديدًا متزيدًا للغرب.

– لماذا في هذا الوقت أنشئت تلك القاعدة؟

التحرك في بناء القواعد العسكرية البريطانية في منطقة الخليج العربي يتزامن مع نهاية العمليات العسكرية في أفغانستان، وانسحاب القوات البريطانية من قواعد عسكرية دائمة في ألمانيا. فكما يقول مدير المركز الملكي للدراسات المتحدة، مايكل كلارك، إن بريطانيا تتحرك تدريجيًّا في هذه المناطق، حيث يبحث القادة عن طرق لاستخدام الجنود في مرحلة ما بعد أفغانستان.

– لماذا تعمل بريطانيا على التواجد العسكري والسياسي في الخليج؟

تعمل بريطانيا على مزيد من توطيد علاقتها مع دول الخليج بجدية. وتقوم المملكة المتحدة بذلك لعدة أسباب ملحة: أولها الدوافع العسكرية والأمنية، حيث ستعمل القوات المسلحة البريطانية على توسيع مجالات التدريب والتدخل في الخليج والمحيط الهندي، وتبعث بذلك رسالة إلى إيران ودول أخرى مفادها أن الجيش البريطاني يأخذ سلامة وأمن الخليج مأخذ الجد، خصوصًا في ظل الأوضاع الراهنة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط.

 أما الدوافع السياسية التي تدعم هذا التوجه فهي سياسات الحكومات السابقة لغولدن براون وتوني بلير، والتي أثارت انتقادات حكام الخليج لها بإهمال العلاقات الثنائية مقابل التركيز على التوسع شرقًا نحو الصين وآسيا. وفي الوقت الحالي يكتسب الخليج أهمية بالغة في صلب استراتيجية المملكة المتحدة في مجالي الأمن والاقتصاد أكثر مما كان عليه قبل عقد من الآن.

وفي المجال الاقتصادي فإن حجم المعاملات التجارية بين المملكة المتحدة والإمارات العربية المتحدة هام، على سبيل المثال، بلغ 14 مليار جنيه إسترليني في السنة الماضية. واستثمرت الإمارات وحدها 8 مليارات جنيه في المملكة المتحدة في مشاريع متعددة. علاوة على ذلك يبلغ تعداد الجالية البريطانية اليوم في هذا البلد 100 ألف نسمة. وفي هذا السياق كذلك تستثمر قطر بدورها حوالي 20 مليار جنيه في المملكة المتحدة، وهي المزود الأول للغاز الطبيعي المسيل لهذا الشريك الأوروبي.

ويقول محللون سياسيون إن التواجد العسكري البريطاني على أراضي الدول الخليجية بأسلحة ثقيلة تؤمن المنطقة من ضربات إيرانية تماشى مع صفقات اقتصادية خيالية تفوز فيها بريطانيا بالربح سواء توجت دول الخليج بالانتصار أو بالخسارة، أي أن خسارة الخليج أمام حرب إيرانية تمهد لها الدول الإمبريالية، وعدم قدرتها على السداد لبريطانيا، تعني استحواذ بريطانيا بطريقة مباشرة على آبار النفط.

– ما هي الغاية من وجود القواعد العسكرية البريطانية في الخليج العربي؟

تعيد النقلة السياسية المفاجئة لبريطانيا تجاه الخليج العربي للأذهان الاستعمار البريطاني الذي عانت منه الدول العربية قبل استقلالها، ورغم الأسباب الكثيرة التي تُعرف عن هذه السياسة، إلا أن الشك في كون التواجد البريطاني بقواعد عسكرية بالدولة العربية غايته ليس الحماية فقط يبقي سيد الموقف.

فحسب إدارة المؤسسة البريطانية المتحدة “روسي” في وثيقة بعنوان: “هل الرجوع إلى قناة السويس، غاية القواعد البريطانية الخليجية؟”، أن هذه الخطوة جد ذكية، لأنها ستمكن بريطانيا من إدخال جيشها وأسلحتها وإنزال قوتها العسكرية بشكل سلمي مقنعة دول الخليج أن تواجدها حماية لها من أي هجمة إيرانية مستقبلية، مبعدة أي احتمال توسعي بغاية الاستحواذ على آبار النفط الخليجية.

وتضيف الوثيقة أن وجود بريطانيا عسكريًّا فوق دول الخليج يحيل إلى أن الدول القوية تحاول استفزاز إيران لخوض حرب مع دول الخليج، لتلعب فيها القوى العالمية دور حلفاء مختفين حتى لا تصيبهم الضربات مباشرة، وإنما يتم القضاء على إيران على أيدي العرب، وكذلك ضمانًا لسلامة “إسرائيل” من أي مواجهة مع أسلحة نووية.

وتقول الوثيقة إن بريطانيا خصصت ميزانية كبيرة لنقل المعدات من أفغانستان إلى الخليج رجوعًا إلى بريطانيا، وفي المقابل قررت تدريب المزيد من العسكر على مناورات الصحراء والقتال في الحر، فاتخذت استراتيجية التواجد العسكري المحلي في عمان كون تضاريسها مناسبة ومثالية لتدريب الوحدات العسكرية على مهارات حرب الصحاري. وقد لعبت “عمان” سنة 2001 دور البلد المضيف لأكبر تدريبات عسكرية بريطانية في التاريخ الحديث.

– كيف قامت بريطانيا بإعادة تأسيس وجود استراتيجي دائم لها في الشرق الأوسط، وبالتحديد في منطقة الخليج العربي؟

مع نهاية سنة 2012 بدأت بريطانيا تتخذ عدة أنشطة تنم عن خطوات فعلية مع الخليج العربي، فقد لفت رئيس الوزراء دافيد كاميرون عبر زيارته المتكررة للخليج الانتباه، الزيارة الأولى له هدفت إلى تسهيل وإتمام صفقة بيع أسلحة لعدد من دول الخليج من بينها المملكة العربية السعودية وعمان والإمارات العربية المتحدة بقيمة 6 مليارات جنيه إسترليني، أما الزيارة الثانية فكانت في إطار الإعلان عن اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات، بالإضافة إلى اتفاقية الدفاع المشتركة البريطانية البحرينية، وهو ما يؤشر على تنامي النفوذ البريطاني بالمنطقة التي تعهدت بضمان أمن دول الخليج.

يقول باحثان أعدا دراسة صدرت عن المعهد الملكي للدراسات الدفاعية إنه في الواقع لم تغادر المملكة المتحدة هذه المنطقة أصلاً حتى تعود إليها، وإن إعادة الانتشار أو التحول الجديد في سياستها لا يقتصر على ضمان أمن حلفاء بريطانيا المخلصين والأثرياء في الخليج، بل يرمي كذلك إلى إعادة إحياء العلاقات عبر الأطلسي المتميزة. ويضيف الباحثان في الدراسة التي جاءت تحت عنوان “الانتشار العسكري البريطاني في الخليج” أنه في ما يتعلق بالجزيرة العربية، لم يعكس الانسحاب البريطاني الرسمي من معظم القواعد نهاية للتدخل العسكري البريطاني في هذه المنطقة، مذكرين بالمشاركة العسكرية الواسعة للمملكة المتحدة في التحالف الذي قادته الولايات المتحدة في الحرب العراقية الثانية والثالثة للمساعدة في إفشال المحاولات العراقية المتكررة لتغيير موازين القوى بالخليج (بين سنتي 1990 -1991 و2003-2007) بالإضافة إلى صفقات الأسلحة الكبيرة التي خصت بها هذه الدول وفرق التدريب والصيانة والتوجيه، مؤكدين أنها كانت مشاريع مربحة جدًّا لشركات صناعة الأسلحة البريطانية على غرار مشاريع “اليمامة” السعودية – البريطانية 1 و2، والتي حصلت بموجبها هذه الأخيرة على 600 ألف برميل نفط يوميًّا بكلفة 40 مليار جنيه إسترليني على مدى 30 سنة. وقد ساهمت هذه العلاقات المتميزة والروابط المتينة في تعزيز الالتزام بالدفاع عن أمن الخليج.

المصادر

تحميل المزيد