مع اشتداد الأزمة الليبية السياسية المتفاقمة، واتساع رقعة العمليات العسكرية في الآونة الأخيرة، تصعد أصوات من الداخل والخارج إلى ضرورة حسم الصراع عبر حوار وطني شامل، بيد أن الأمور لم تحسم بعد، بسبب تدخل جهات خارجية في الشأن الليبي.

ما زاد الأمور صعوبة هو وجود برلمانييْن ليبييْن، كل واحد منهما يخضع لأجندة خارجية تدعمه بين الحين والآخر، وهما المؤتمر الوطني الليبي العام والذي يتبع حكومة عمر الحاسي، والآخر حكومة عبد الله الثني التي تم منحها الثقة قبل ما يقارب العام.

وبالتالي، منذ أن دخلت ليبيا لهيب الصراع، خاصة بعد مقتل العقيد معمر القذافي تموز 2012م، انقسمت دول الخليج العربي في تعاطيهم مع الأوضاع الجارية، فمنهم من دعم “الميليشيات المسلحة” ضد الجماعات الإسلامية، وآخرون دعموا الأخيرة ضد المناهضين للسلطة.

فما حقيقة التدخل الخليجي في الصراع الدائر بليبيا؟ وعلى ماذا يجري؟ ومن هي أبرز الدول الداعمة للجماعات المسلحة سواء المعارضة للسلطة الحاكمة أو المؤيدة لها؟

أولا: ما السر في اهتمام بعض دول مجلس التعاون الخليجي بالوضع الليبي الحالي؟

دول مجلس التعاون الخليجي

1-عدم وجود رصيد إيجابي للنظام الليبي لدى دول مجلس التعاون الخليجي، فالتحسن الملحوظ في العلاقات لم ينه خلافات السعودية مع نظام القذافي في السنوات الأخيرة، والتي كان أبرز معالمها الكشف عن مؤامرة النظام الليبي لاغتيال الملك عبد الله بن عبد العزيز.

2- خشية الخليج من تكرار النموذج العراقي في ليبيا الذي غاب عنه الدور العربي بصفة عامة والخليجي على وجه الخصوص، وبالتالي فهي ترغب في التواجد في سيناريوهات ما بعد الصراع، خاصة لما يمثله من عوائد اقتصادية جمة من حيث حجم استثماراتها الخارجية أو لعب دورٍ مهم فيما تمتلكه من ثروة نفطية هائلة.

3- خوف دول الخليج أيضا من بقاء النفط الليبي تحت سيطرة غربية، والتحكم في أسواق النفط الدولية مما يضر بمصالحها، وهذا ما يفسر العرض القطري على المجلس الانتقالي الليبي عقب الثورة بتولي القيام بإنتاج وتسويق النفط خاصة في الشرق الليبي.

4-اتباع دول الخليج بشكل عام سياسة خارجية في التعامل مع الأزمات المتتالية في المنطقة العربية، والتي باتت اليوم تمثل ثقلا سياسيا وقوة اقتصادية تؤهلها للعب دور مهم في الصراع الجاري.

ثانيا: ما هي الدول التي تتدخل في ليبيا، وكيف تنظر لطبيعة الأزمة؟

اللواء خليفة حفتر/ القائد العام للجيش الليبي

أولا: السعودية

ترى السعودية أن ما يجري في ليبيا خطر “إرهابي” يهدد دول الجوار وغيرها، وأن مجلس الأمن الذي أخفق في التعامل مع الملف السوري فترك الشعب السوري يواجه الطغيان لتتصاعد الأزمة وتظهر المجموعات الإرهابية مشكّلة خطرًا على المنطقة؛ أخفق أيضا في التعامل مع الملف الليبي بعد تدخله فيه.

وتدعم السعودية إلى جانب مصر والإمارات الثورة المضادة في ليبيا وإسقاط الحركات الإسلامية وخصوصا الإخوان المسلمين التي شاركت في ثورة ٢٠١١ وأدت إلى إسقاط العقيد معمر القذافي، عبر قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر.

ثانيا: الإمارات

لا يختلف كثيرا دعم الإمارات ضد الجماعات الإسلامية عن السعودية، فهي التي نفذت عبر عملية قادتها مع مصر العام الماضي غارات جوية على مواقع لإسلاميين في ليبيا، حتى أنها صدرت بشكل غير مشروع أسلحة إلى ليبيا إبان الهجوم الأخير.

ويرى خبراء في الشأن الليبي أن الإمارات نقلت عتادا عسكريا إلى مدينة طبرق شرق ليبيا أواخر العام الماضي، وطائرات حربية تعود ملكيتها لمصر في سلاح الجو الليبي، للعمل ضد الجماعات الإسلامية.

ثالثا: قطر

يختلف توجه قطر في التعاطي مع الوضع الليبي عن نظيراتها السعودية والإمارات، فهي تدعم الجماعات الإسلامية المناهضة لقوات حفتر، الأمر الذي أثر في علاقاتها مع مصر وبعض دول الخليج، بعد دعوتهم إياها الكف عن دعم الميليشيات المتشددة في ليبيا.

وتضمنت الرسالة حينها وقف أسلوب قطر في صب الزيت على الأزمات الإقليمية مثلما جرى في مصر ويجري حاليا في ليبيا حيث تدعم الدوحة ميليشيات معزولة شعبيا، ومحاولة فرض انقلاب على الشرعية الانتخابية بقوة السلاح.

وبالتالي، تدحرجت العلاقات الخليجية الليبية، ما دفع دول مجلس التعاون الخليجي إلى دعوة قطر لإثبات رغبتها في إعادة الحرارة إلى علاقاتها الخليجية، فكانت المصالحة الخليجية الأخيرة.

لذلك، مولت قطر المجلس العسكري الإسلامي في طرابلس (TMC)، وهو يتكون جزئيًا من أعضاء سابقين في الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة. بشكل كبير “ميليشيات راف الله السحاتي”، التي تقاتل ضد الجنرال خليفة حفتر في بنغازي.

ثالثا: ما أبرز دوافع منح دول الخليج العربي غطاء التدخل في ليبيا؟

مصطفى عبد الجليل/ رئيس المجلس الوطني الانتقالي

1- استشعار دول الخليج الخطورة التي يمكن أن تترتب على تراجع الدور الإقليمي لمصر إثر ثورة 25 يناير بما فرضته من الحاجة إلى التركيز في الداخل، فسعت هذه الدول إلي تعبئة الفراغ السياسي والأمني العربي مع غياب مصر المؤقت، من خلال القيام بمسئولياتها القومية.

2- سعي دول المجلس إلى اتخاذ خطوات استباقية تحول دون سقوط أي من أنظمته من خلال طرحها لمبادرات اتسمت بالديناميكية والحيوية، وفرضت حضورها على الساحة إلى الحد الذي مكنها من السيطرة على المشهد الداخلي.

3-  إضافة إلى الاستحواذ على عقول وأفكار المواطن الخليجي، من خلال السعي لإجهاض عقلية الثورة لديه بطرح سلسلة مبادرات جريئة على الجبهات الخارجية، تنتهي بإجهاض أحلام الثورة التي تراود البعض من مواطنيها وإعادتهم إلى التفكير العقلاني بالمنطق الاستثنائي للخليج.

رابعا: ماذا استفادت دول الخليج بعد تدخلها في ليبيا؟

التدخل الخليجي في ليبيا لم يكن من فراغ، فثمة اتفاقات وتفاهمات مبرمة بينهما زاد ترسيخها في الوقت الحالي، وتوسعت الزيارات المتبادلة فيما بينهم، فضلا عن زيادة حجم الاستثمار، لما تملكه ليبيا من ثروة نفطية هائلة، فكانت نتائج التدخل كالتالي:

1- توقيع مركز التحكيم التجاري الخليجي اتفاقية تعاون وتفاهم مع مركز ليبيا للتحكيم التجاري الدولي، بهدف نشر الثقافة التحكيمية ودعم مركز التحكيم الليبي، كون ليبيا دولة غنية نفطيا ومليئة بالاستثمارات الأجنبية، وكثير من المتعاقدين هناك لديهم حقوق.

2- الالتزام بالاتفاقات المبرمة بين الطرفين قبل سقوط النظام، والتي تمت مع قطر، وتأسيس بنك مشترك باسم البنك الليبي القطري برأسمال 500 مليون دولار، إضافة لامتلاك شركة قطر للبترول 10% من الشركة العربية للخدمات البترولية ومقرها ليبيا.

3- إبرام اتفاق بين “بيت التمويل الخليجي” بالتعاون مع صندوق الإنماء الاقتصادي الاجتماعي ومؤسسة النفط الوطنية الليبية، لتطوير أول منطقة أعمال متكاملة للطاقة في ليبيا، أطلق عليه “مدينة الطاقة ليبيا”.

4- زيادة حجم الاستثمارات الخليجية في الاقتصاد الليبي وخاصة في المجال العقاري، حيث تقدر قيمة الاستثمارات الخليجية بأكثر من 100 مليار دولار.

خامسا: لماذا اتهم الرئيس الأمريكي بعض دول الخليج بتغذية الصراع الليبي؟

الرئيس الأمريكي/ باراك أوباما

قبل يومين اتهم الرئيس الأمريكي باراك أوباما بعض الدول الخليجية بتغذية لهيب الصراع في ليبيا، داعيا إلى ضرورة تهدئة الوضع السياسي “الفوضوي”، وأن أي عمل عسكري خارجي لن يكون كافيا للمساعدة في تخفيف التوترات التي تمزقها الحرب.

وثمة من يرى أن أوباما بإشارته بأصابع الاتهام إلى بعض دول الخليج بتأجيج الصراع كانت موجهة للسعودية والإمارات، في ظل تعقيد الوضع السياسي، وعدم إيجاد حلول للخروج من المأزق الليبي.

ولفت إلى أنه لا يمك إنهاء الأزمة في ليبيا بـ”بضع ضربات بطائرات من دون طيار أو عمليات عسكرية قليلة”، وإنما ممارسة ضغوط على الفصائل الليبية لتهدئة الصراع بدلا من تأجيجه.  

وتأتي تصريحات أوباما قبل أقل من شهر من قمة كامب ديفيد التي دعا إليها دول مجلس التعاون الخليجي لمناقشة أبرز الأزمات في الشرق الأوسط، ومع توقع عضو وفد الحوار عن المؤتمر الوطني العام الليبي محمد معزب في مفاوضات الصخيرات الجارية، أن تصل المباحثات برعاية أممية إلى توافق شامل.

إضافة إلى احتمال دعم جديد تقدمه الإمارات إلى اللواء خليفة حفتر من خلال الأردن، بعد زيارته المفاجئة لها خلال الأسابيع القليلة الماضية، حيث سيطلب حفتر من عمّان إعادة هيكلة الجيش التابع للحكومة المنبثقة عن البرلمان المنحل في طبرق، وتدريب قوات موالية له على الأرض الأردنية، كما يرى مراقبون.

المصادر

تحميل المزيد